د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
باص بلدنا

حتى بداية الأربعينيات من القرن العشرين، كانت قريتي كقرى شمال شرق فلسطين هادئة جميلة محاطة بأشجار التين والعنب والزيتون والأراضي الزراعية، وسعيدة ببدائيّتها وعزلتها عن العالم، وكان أهلها يستخدمون الحمير والخيل في الذهاب إلى المدينة التي كانوا لا يذهبون إليها إلا في حالات قليلة خلال حياتهم؛ فقد روى لي صديق أن أقارب جدّه أخذوه معهم إلى نابلس لأول مرة في حياته وهو في خريف العمر في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي . وعندما عاد من المدينة قال لأصدقائه " يا ناس هاي باكيه ارظ الله واسعه وانا مش داري عن حالي "، أي إن الشيخ الجليل تخيّل أن الكون كان قريته ونابلس وما حولهما، أو كما تظنّ والدتي التسعينيّة أدامها الله أن الدنيا، أو حدود ( الكون ) تبدأ من المكان الذي تشرق منه الشمس من راس ( البياظة) الواقعة شرقي القرية، وتنتهي في المكان الذي تغرب فيه خلف جبل قرية (أوصرين) المجاورة لأنه من الصعب جدا عليها وعلى جيلها أن يدركوا أن المسافات بين نجوم وكواكب هذا الكون تصل إلى بلايين السنين الضوئية ولا يعرف بدايته ونهايته وتركيبته العجيبة حتى الآن أحد إلا الذي خلقه !

 وبناء على المعلومات التي ذكرها لي أحد أبناء القرية الذي ولد في عام 1935 ، كانت وسيلة المواصلات العموميّة الوحيدة في قريتنا حتي بداية النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي عربة يجرّها حصان يملكها أحد أبناء القرية ويذهب بها الى نابلس من الطريق الشرقية ليجلب أغراضا لأصحاب محلات البقالة الثلاثة الموجودة فيها آنذاك، وكان بعض الأطفال ينتظرون عودتها على مشارف القرية ليتعربشوا ( يتسلقوا)عليها ويستمتعوا بركبة مجانية !

 أوّل سيارة عملت في قريتنا كانت ترك ( شاحنة صغيرة )، تتّسع للسائق وراكبين في المقدمة، وتنقل الحبوب والمواشي وغير ذلك في صندوقها الخلفي، وكان يملكها ويقودها أحد أبناء القرية. كانت هذه السيارة تعمل بين القرية ونابلس وتسلك الطريق الشرقي . كانت اجرة الراكب في ذلك الوقت ثلاثة قروش اردنية، وكان يجلس إلى جانب السائق راكبان أو ثلاثة، ويجلس الباقون الذين قد يصل عددهم إلى عشرين راكبا في صندوق السيارة الخلفي مع الحبوب والماشية والزيتون إلخ. الذي يأخذه الركّاب معهم ويبيعونه للتجّار في المدينة.

ولأن السيّارة كانت مرخّصة لنقل راكبين والسائق وغير مسموح لها بنقل ركاب في صندوقها، كان السائق يطلب من الركاب الذين كان يسمح لهم بالركوب في الصندوق أن ينزلوا من السيارة مقابل قرية كفر قلّيل خوفا من أن تخالفه الشرطة، ويرسل لهم ثلاث حناطير ( عربات ركاب تجرها الخيول من نابلس لتنقلهم إلى داخل المدينة ويدفع كل راكب قرشا واحدا لصاحب الحنتور)، ويفعل نفس الشيء في العودة : يرسلهم في حناطير إلى خارج المدينة ثم ينقلهم هو بسيارته إلى القرية.

في عام 1944 أو 1945 اشترت شركة مساهمة مكوّنة من عدد محدود من أهل القرية باصا مستعملا، وعندما أحضروه إلى البلد .. قاسه.. أحد الرجال " وطلع طوله 30 فحجة " ، وقال إنه باص ممتاز وواسع وما شاء الله عليه، لكن تبين أن الذين باعوهم الباص غشّوهم لأنه كان في حالة ميكانيكية سيئة ويخرب كثيرا، وبعد حولي سنتين باعه الشركاء بثمن بخس وخسارة كبيرة لأن اجرة الراكب في ذلك الوقت ثلاثة قروش، والدخل لم يكن كافيا لتغطية أجرة السائق اليومية التي كانت 25 قرشا، والبنزين،  وإصلاح الأعطال الميكانيكية.

 لكنني أذكر أنه في عام 1952 كان يوجد في قريتنا باصين. أحدهما كان يملكه أحد مخاتير القرية ومركزه في وسطها، والآخر كانت تملكه عائلة نابلسيّة وكان يتوقف في الجنوب الغربي للقرية. كان باص المختار يسلك الطريق الذي يربط القرية بنابلس من الشرق ويتوقف عندما يصل المدينة في شارع الأنبياء. أما الباص الآخر فكان يسلك الطريق الذي يوصل القرية بنابلس من الغرب، ويتوقّف في الجزء الشرقي من نابلس، وبالتحديد تحت شجرة التوت الضخمة التي كانت في ساحة صغيرة على يمين بداية الشارع الذي يقود إلى حي راس العين.

كان الفلاحون يمدّنون ( يذهبون الى المدينة ) للضروريّات وأهمّها بيع محصولهم من القمح والشعير والماشية والأجبان، أو الذهاب إلى الطبيب، أو لشراء ملابس أو لوازم بيتيّة، وكان أصحاب محلات البقالة، لم يكن في القرية أكثر من ست محلات بقالة ومقهى يفتح أبوابه أحيانا ويغلق معظم الوقت، يذهبون لشراء ما يلزم محلاتهم من سكر وأرز وشاي وخضار وفاكهة موسمية الخ .

كان الذين ينوون السفر إلى المدينة يستيقظون من النوم قبل طلوع الشمس، ويلبسون أفضل ما عندهم من ثياب، ثم ينطلقون مسرعين إلى مواقف الباصين ليحمي كل منهم له مقعدا، وإذا اصطحب الرجل معه زوجته أو والدته أو شقيقته فكانت تسير وراءه، وأحيانا تسلك طريقا آخر إذا كانت طريق مرافقها تمرّ من منطقة يتجمّع فيها الرجال لأن العادات الاجتماعية كانت تحرّم الاختلاط بين الجنسين، وتعتبره علامة تخلف وانحطاط أخلاقي. وبعد وصولهم إلى الباص تجلس النساء في المقاعد الخلفيّة ويحاولن إخفاء وجوههنّ بعباءاتهنّ كي لا يراهنّ أحد من الركاب أو سائق الباص عندما ينظر في المرآة، ويجلس الرجال في المقاعد الأماميّة، والأطفال يقفون أمام آبائهم أو أمهاتهم في المقاعد التي يجلسون عليها، وكان الباص لا يتحرّك قبل أن يمتلأ بالركاب، وفي حالات كثيرة كان بعضهم لا يجدون أمكنة شاغرة ويقفون في الوسط خلال الرحلة التي كانت تستغرق حوالي نصف ساعة، ويدفعون نفس المبلغ الذي يدفعه الجالسون على المقاعد، خمسة قروش أردنية.

كان الفلاحون بسطاء طيبون ومعزولون عن العالم وتنقصهم كل وسائل الحداثة، حيث لم يكن في القرية كهرباء وطرق معبّدة وشبكات مياه وصرف صحي، ولا محلات تجارية سوى محلات البقالة التي كانت تتوفر فيها بعض حاجات الناس الأساسية كالأرز والسكر والشاي والمحروقات واللحوم، وكانت تجاربهم بوسائل المواصلات الحديثة محدودة جدا، ولهذا كان بعضهم عندما يركبون الباص ينظرون حولهم إلى داخل السيارة الجميل ويقولون بشيء من الدهشة ما شاء الله لمباركة المكان ومنع عين الحسود، وربما لأن بعضهم كان يستغرب كيف تمّ صنع هذه الآلة الكبيرة الجميلة التي تمشي بهذه السرعة.

 كان المسافر يلاحظ وجود شكل العين الزرقاء لحماية الحافلة من عين الحسود معلقة في مقدّمة الحافلة، أو عبارات دينية معلقة مثل  " ما شاء الله " أو " سبحان الله"، " الحسود لا يسود "، أو بيتا من الشعر مثل " يا سائرة بقدرة مولاك / سيري فعين الله ترعاك "، " عين الحسود تبلى بالعمى"،" وأما بنعمة ربك فحدث "، وعندما يشغّل السائق الماكينة تسمع الأصوات " يا الله يا ميسّر لا تعسر" أو " توكلنا على الله." كان أهل قريتي أصحاب دين بالفطرة، ويخافون الله صدقا رغم أن كثيرا منهم كانوا لا يأدون الصلوات الخمسة، ولا يذهبون للمسجد إلا لصلاة الجمعة، وعدد الملتحين تديّنا بينهم كان قليلا جدا، إلا إنهم كانوا أكثر أمانة وصدقا مع الله من الإنسان المعاصر الذي ..قد.. يستخدم لحيته وتدينه الذي لا يمنعه عن الكذب والاستغابة واللصوصية، للنفاق ولخداع عباد الله البسطاء الصادقين الطيبين !

كانت الطرق ترابية وغير مستوية تسبّب اهتزاز الحافلة أو ميلانها، لكن الوضع يزداد تردّيا في فصل الشتاء بعد سقوط  الأمطار التي تحوّل تراب فلسطين الأحمر إلى أوحال لاصقة يغرّس فيها الباص ( تنغرس عجلاته الأمامية أو الخلفية في الأوحال ولا تقوى الماكينة على دفعه إلى الأمام فتبدا الإطارات في الّلف في مكانها وتتعطّل حركته .) في هذه الحالة، كان السائق يطلب من الرجال والأولاد النزول من الحافلة لدفعها واخراجها من الأوحال، بينما النساء يواصلن الجلوس في أماكنهنّ بداخل الحافلة لأن الفلاحين كانوا لا يقبلون ان تظهر نساءهم بشكل مكشوف امام أبناء قريتهم، ولأن الدفع في الوحل عملا رجوليا لا يتلاءم مع طبيعة النساء.

بعد ان يتمكن الرجال من إخراج الحافلة، يعودون إلى داخلها ويكملون مشوارهم إلى المدينة. أما عندما يتساقط الثلج أو يسقط مطرا غزيرا فكانت تتعطل حركة الحافلتين، ويضطر الناس إلى استخدام الحمير والبغال في رحلتهم إلى المدينة التي تستغرق حوالي ست ساعات ذهابا وإيابا. ما زلت أذكر أن شقيقتي طلع لها دمّل في رقبتها، واضطر والدي ووالدتي إلى الذهاب بها إلى نابلس على حمارنا لتتلقّى العلاج .

كان معظم الفلاحين يحرصون على تناول الكنافة النابلسية الشهيرة أو يتناولون فطورهم أو غداءهم في أحد المطاعم، وينجزون المهام التي جاؤوا لأجلها، ويعودون إلى الباص محمّلين بأنواع مختلفة من المشتريات ومستعدين لرحلة العودة التي كانت تبدا حوالى الساعة الثانية بعد الظهر بعد أن يتأكد السائق أن جميع الركاب الذين أحضرهم معه في الصباح قد عادوا الى الباص. كانت رحلة العودة ممتعة خاصة إذا كان من ضمن الركاب مجموعة من الرجال والنساء ذهبوا الى المدينة للكسوة ( لشراء ملابس وما يلزم عروس وعروسه ) حيث تغني النساء طيلة الطريق ويخلقن جوا من البهجة والطرب.

وبعد عودتهم  يتوزّعون على البقالات في حمائلهم يسردون للآخرين تجاربهم في المدينة، ويخبرونهم لماذا ذهبوا إليها، وماذا اشتروا، وكيف فاصلوا التجار الذين حاولوا أن يبيعوهم الأشياء بأسعار أعلى من السعر الحقيقي، وماذا أكلوا وشربوا، وكيف عاملهم الطبيب الذي ذهبوا اليه إلخ، وكان الجميع يستمتع بهذه القصص والأخبار الطازجة عن أهل القرية والعالم الخارجي !

بالنسبة لنا نحن الأطفال كان للحافلة متعة أخرى؛ فقد كنّا نذهب إلى خارج القرية لملاقاتها والتعربش عليها ( نجري وراءها حتى نتمكن من الإمساك بالجزء الخلفي منها أو الإمساك بالسلم لنتعلّق بها)، ونعرض بذلك أنفسنا للخطر الشديد، ولهذا كان السائق يتوقف أحيانا لطردنا ونهرب، لكننا كنا نعود إلى تسلّقها بعد أن يتحرّك لأن ركبة السيارة كانت ممتعة لنا ولا نحصل عليها إلا في مناسبات قليلة !

كان باص قريتنا هو الوسيلة الوحيدة التي تنقلنا إلى عالم يختلف بمكوّناته عن سكون قريتنا ورتابة العيش فيها وتخلّفها، ويمكّننا من العيش سويعات قليلة في المدينة لنتعرّف على جوانب من حياتها السريعة المتطورة التي تكثر فيها السيارات، والمطاعم ومحلات الكنافة والبقلاوة، والمحلات التجارية النظيفة الأنيقة المتنوّعة، والنساء السافرات والمفرّعات ( المكشوفات الرأس) بشعرهن النظيف الأسود الأنيق المتطاير، اللواتي يرتدين ملابس أنيقة على الموضة ويختلطن بالرجال، وتكسبنا خبرات محدودة في التعامل مع أهل المدن، ومع العالم الحديث الذي كان غريبا على تفكيرنا وقناعاتنا وثقافتنا الاجتماعية . 

نزير يعقوب   السهل الممتنع!   December 30, 2017 4:33 AM
جزيل الشكر والإمتنان د. كاظم ناصر على هذا السرد القصصي الرائع وأسلوبك الممتع في إعادة أحداث الماضي ليعيشها القارئ ثانية.

نابلسي   ايام ياريت ترجع   December 31, 2017 2:16 PM
هذي الأيام الحلوة المسالمة البريئة نعم ونحن في نابلس أتذكر الفلاحين البسيطين الكريمين أهل الخير و الكرم يأتوا لشراء البضائع و تسويق المنتجات الخاصة بهم. نعم كانت حياة بسيطة و حلوة بريئة . ياريت ترجع.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز