د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Loading...
Arab Times Blogs
عرس مفظّي أبو حليمه

في بداية النصف الثاني من القرن العشرين كان مفظي ابن هلال أبو حليمه يعيش في قرية فلسطينيّة محاطة بكروم العنب والتين واللوز والزيتون ويستمتع بهدوء ريف فلسطين وجماله، ويحلم أحلاما بسيطة واقعيّة (على كد الحال.) كان شابا طيّبا ورث مهنة الزراعة عن آبائه وأجداده، وكان راضيا عن كتبته ( ما كتبه الله له من رزق وأحداث في حياته من بدايتها لنهايتها)، وسعيدا ومعروفا بحسن أخلاقه. وعندما بلغ العشرين من العمر قال له والده هلال " يا ابني بدنا ندور لك على بنت الحلال ونجوزك ونفرح فيك ." كاد مفظّي أن يطير فرحا عند سماعه هذا الخير الذي كان ينتظره بفارغ الصبر منذ سنوات، لكنه تمالك نفسه وأجاب باستحياء متصنّع " إلى بتشوفه يابا أنا كبلانه."

وبعد أن أخبرته والدته وشقيقاته عن عدد من بنات القرية، استقر رأي الجميع على أن فاطمة بنت فتح الله العبد الرزاق  " أهلها ملاح، وحلوه ومعدّله ، ومتعلمه قرت عند الشيخ احمد "، فقرر والده ان يخطبها له. وبالفعل تقدّم لخطبتها، ووافق والدها، واتّفقوا على المهر وعكدوله عليها ( كتبوا عقد القران) الرسمي على سنّة الله ورسوله . ولأن الاختلاط بين الرجال والنساء في القرية كان من العادات المرفوضة، فإن مفظي لم يرى خطيبته وجها لوجه لا قبل الخطبة ولا بعدها، لكنه ربما بصبص عليها وتصيّد نظرة منها خلال زياراته المتكرّرة لوالدها، أو رآها صدفة في إحدى دروب القرية أو أزقتها.

كانت الأعراس من أهم المناسبات التي يستمتع بها أهل القرية لأنها تحتوي على رقص وغناء وسمر وطعام شهي وتجمّعات ممتعة. وكعادة أهل القرية بدأت تحضيرات زواج مفظي  بالكسوة ( شراء ملابس للعروس، وطقم ( كبر وجاكيت للعريس. ) ذهب مفظي والعروس وعائلاتهم إلى المدينة  لشرائها، وبعد أن اشترى العروسان لوازمهما والهدوم ( الهدم قطعة قماش كافية لتفصيل قمباز أو فستان كان يشتريها أهل العروسين للأعمام والعمّات والأخوال والخالات كجزء من متطلّبات الزواج )، ثمّ تم  وضع الكسوة كاملة في بكج ( قطع كبيرة من القماش يوضع بداخلها ما تم شراءه  ) وتربط  حتى لا تسقط قطع  الأقمشة التي بداخلها وتضيع، وبعد ذلك ذهبوا إلى أحد مطاعم المدينة وتناولوا طعام الغداء، وأكلوا كنافه وعادوا إلى قريتهم في باز البلد ( باص القرية) .

كانت قريبات مفظي في انتظار وصول الكسوة على مشارف القرية وهن يغنين، وبعد وصول الباص إلى مكان انتظارهن حملن البكج على رؤوسهن واوصلنها لبيت العريس ثم غادرن المكان. وفي اليوم التالي أرسلت الكسوة إلى الخيّاطة لكي تخيطها وتعمل منها خلكان : جمع خلك ( فساطين طويلة يصل طولها الى كعب المرأة ويكون من ضمنها ثوب الصمدة .)

وبعد الكسوة اتفق هلال وفتح الله والدا العروسين على موعد الزواج وبدأت التعاليل ( عدة ايام من الأغاني والرقص ليلا تسبق العرس مباشرة) حيث تلتقي النساء والرجال في مجموعات منفصلة وأماكن مختلفة بعد غروب الشمس؛ النساء في بيت أهل العريس، والرجال في مضافة الحامولة أو على بيادر القرية ويغنّون ويدبكون في حلقات دائريّة . كانت أغاني النساء في التعاليل بسيطة منها على سبيل المثال " كيّف كيّف يا عريس كنّك زعلان ... خطبنا لك فاطمه غصن الريحان " و "ميجوريه يا جوابرية ... عدوك كطع الميّه الخ "؛ وكانت تلك الأغاني متوارثة، ولم يقلّدن فيها مطربين ومطربات ذلك الوقت لأن معظم الفلاحات كنّ أميات يعشن في بيئة محافظة تتغيّر ببطء، ولم يكن في البيوت أجهزة راديو ليتعلّمن منها الأغاني الحديثة.

كان هلال من وجهاء القرية، ويملك بارودة ( بندقيّة) كنديّة من مخلّفات الحرب العالمية الثانية وأراد أن يكون عرس ابنه مميزا، ولهذا فإنه عزم عددا كبيرا من أهالي القرية ومن القرى المجاورة لحضور حفل الزفاف، وأتفق مع حدّاء ( مغني شعبي ) ليقود السحجة والغناء في تعاليل الرجال التي أقيمت على أحد بيادر القرية واستمرّت عدة أيام . كان المشاركون في السحجة يتجمّعون  بعد غروب الشمس، ويقفون في صف مستقيم وكان الحدّاء يغني وهم يردّدون وراءه . زادت السحجة  احتفالات عرس مفظي  بهاء حيث شارك فيها الشباب وبعض كبار السن، ولأن الناس في القرية محرومين من الحفلات والرقص والغناء، فانهم كانوا يستمتعون بالأعراس وببهجتها، لكن فرحتهم بعرس مفظي كانت أكبر لأن فيها حداء وسحجه، ومكانها على بيدر، في هواء فلسطين العليل، منار بضوء اللكس الأبيض القوي الساطع المميز الذي يزيد البهاء بهاء في بيئتهم التي كانت تفتقر الى  وسائل التنوير المكافحة للعتمة والظلام.

وفي ليلة الحنّاء التي تمّت كالعادة في الليلة السابقة ليوم الزفاف، غنّت النساء ورقصن،  ثم قمن بوضع الحنّاء المكوّن من مسحوق أخضر بعد عجنه بالماء علي يدي العروس وجزء من اقدامها وغطّين يديها وقدميها بقطع من القماش كي لا تتّسخ ملابسها وفراشها خلال نومها؛ أما العريس فكان يحنّي يديه وتقوم بذلك والدته، أو شقيقاته، أو قريباته من المحارم.

في يوم عرس مفظي استيقظ أهل بيته باكرا، وذبحوا الذبائح في بيت والده، وتولّى أحدهم عمليّة تحضير طبيخ العرس ( المنسف )، وبعد صلاة الظهر بدأ أبناء حامولة مفظي والمعازيم ( الرجال الذين وجهت لهم الدعوة رسميّا لحضور الحفل )  من أهل القرية والقرى الأخرى يتوافدون على المضافة، وجهّز هلال أبو حليمه بندقيّته الكنديّة وأطلق الرصاص عند وصول الشخصيّات المهمّة لتحيّتهم وكدليل على مكانتهم الاجتماعية المرموقة.

وبعد ذلك جلس المعازيم وأهل الحامولة في المضافة، كلّ في مكانه بناء على وضعه الاجتماعي : كبار الشخصيّات من المدعوّين ووجهاء القرية جلسوا في الصدارة والواجهتين اليمنى واليسرى، والفقراء والمساكين من أهل الحامولة جلسوا على الأطراف بالقرب من الباب وهم سعداء وشاكرين ( في ذلك الوقت كان الفقراء لا يدعون لحضور الأعراس في الحمائل الأخرى ) .

في هذه الأثناء كان أبو خالد يطحن حبيبات القهوة المحمّصة والهيل في المهباش في بيت الشعر الذي نصب بجانب المضافة ليجلس فيه البعض إذا لم تكن المضافة كافية لاستيعاب الحضور، ثم قام بتحضير القهوة السادة على نار كسولة هادئة. وبعد ان شرب الجميع القهوة، ذهب الشباب مشان يخرجوا (يحضرون)  الطعام في اللكون ( صحون كبيرة من النحاس أو الألمنيوم). وصل الطعام ، ووزّعت الصحون في أماكن مختلفة داخل المضافة وبيت الشعر، ثم دعا هلال الحضور تفضلوا يا جماعه ، فجلسوا في حلقات حول المناسف وبعد أن انتهوا من تناول طعامهم، غسلوا أياديهم وعاد كل منهم إلى مكانه في انتظار دورة أخرى من الشاي والقهوة.

كانوا عادة يضعون منسفا للأطفال، وكان كل طفل يحضر العرس يطمح في الحصول على قطعة من لحم الضأن الشهي، وفي عرس مفظي تجمّعوا في الساحة الصغيرة أمام المضافة بانتظار منسفهم. كان عددهم كبيرا، وكانوا من أعمار واحجام مختلفة. كانت عيونهم مركّزة على المناسف تراقب حركات واتجاهات حامليها، وتنتظر اللحظة التي سيضع أحدهم خلالها منسفهم على الأرض . كان الجميع على أهبة الاستعداد للانقضاض عليه، وبعد أن تقدم أحد حاملي المناسف وفي اللحظة التي استقر فيها المنسف على الأرض ورفع  يديه عنه، هجم الأطفال عليه كالأسود الجائعة وفي ثوان معدودة طارت قطع اللحم التي كانت تغطّيه، فالشاطر منهم حصل على قطعة من اللحم، لكن معظمهم لم يوفقوا واكتفوا بالفتيت وقليل من الأرز.

وبعد تناول الطعام بدأت الزفّة من أمام المضافة وانطلق الركب إلى بيت العريس لتحميمه. وبعد أن انتهي من الحمّام وحلق لحيته وارتدي الطقم ( قمباز وجاكيت )، والشورة ( الكوفية ) البيضاء الجديدة، وتعطّر، وعنكر عكاله ( ميلّ عقاله ) على رأسه كرمز متعارف عليه للفخر والاعتزاز، وثبّت أقلام حبر من أي نوع، أو حتى أغطية اقلام في حالة عدم الحصول عليها كاملة، في جيبة الجاكيت الأماميّة للدلالة على أنّه " زلمه كاري ومتعلم "، وخرج من الغرفة وبدأت زفّة العودة إلى المضافة.

وما أن بدا العريس بالسير أمام الشباب، حتى بدؤوا يغنّون وأذكر من تلك الأغاني  " عريسنا شيخ الشباب .. شيخ الشباب عريسنا  / عريسنا ريتك تدوم .. شبه القمر بين النجوم " و " يا بو سلامه قلبي اليوم مجروح .. جرح غميق وبالحشى مستظل / جابوا الخطيب ومدّدوني على اللوح..." ثم يتحول الغناء إلى سياسة " بالرشاشات يالله تا نهجم بالرشاشات .. كلّه ستات جيش الهاغانا كلّه ستات " و" بلبرنات يالله تا نهجم بلبرنات .. كلّه بنات جيش الهاغانا كلّه بنات" و" سيف الدين الحج أمين لسوريا وفلسطين ! " و " في لندن نربط خيلنا !! "  و " هبّت النار والبارود غنا... يا ملك حسين يا حامي وطنا " و" هبت النار والبارود عالي .. يا ملك حسين يا حامي التوالي " و" يا شيخنا يا شيخنا.. يا شيخنا يا ابو (  حامد ) .. شيخ المشايخ شيخنا."

وبعد وصول العريس مفظي إلى المضافة، جلس كأمير في الصدارة، وكان مظهره وتعابير وجهه تعبّر بوضوح عن سعادته واعتزازه بنفسه، وتمتّعه بأسعد يوم في حياته، واعتقاده بما كان يقوله أهل القرية وهو أن " يوم عرس الواحد ما بنحسبش من عمره ."  وبعد صلاة المغرب امتلأت المضافة بأهل الحامولة والمدعوين لتنقيط العريس . كان النقوط يتكوّن من مبلغ من المال يقدم للعريس بقصد مساعدته ماليا في بداية حياته الزوجيّة، وكانت له طقوس محددة تبدأ بجلوس شخص يعرف القراءة والكتابة إلى جانبه ليسجّل اسم  المنقّط على كشف خاص بالمناسبة ليحتفظ العريس بالأسماء ويرد المعروف لأبناء المنقّط عندما يتزوّجون .

 وبعد ذلك تبدأ عملية النقوط الفعليّة التي يقوم بها شخص من حامولة العريس وتتم على النحو التالي : يؤشر الشخص الذي ينوي إعطاء النقوط للمنادي فيذهب إليه ويعطيه الرجل مبلغا من المال، ثم يهمس في أذنه اسم ابنه الذي سينادى النقوط به. بعدها يقف المنادي خارج باب المضافة ليسمعه المتواجدون في الداخل والخارج ويقول بصت عال : خلف الله عليك يا ( أحمد ابن محمد  اليوسف ) وهذه محبه للنبي، خلف الله عليك وهذه محبه لراس ( أبوك ، أو جدّك ) وهي يا عريس عشر قروش . كانت معظم النقوطات التي حصل مفظّي عليها تتراوح بين العشرة والعشرين قرشا والدينار. كان الدينار يعتبر مبلغا كبيرا لا يقدّمه إلا الأغنياء.

خلال حفلة النقوط اتجه أهل العروس الى بيتهم بعد أن أحضروا فرسا لتركبها العروس عندما يخرجوها من بيتهم وينقلوها الى بيتها الجديد، وبعد ان نقّطوها ومسكوا بها لإخراجها غنّت النساء  " كومي طلعي لا تخافي ... هيلك ملات المظافي" و" كومي طلعي لا تميلي .. هيلك ملات الحصيري" و" يخلف عليكم كثر الله خيركم .. ما اعجبنا في النسايب غيركم " وبعد أن خرجت ، ساعدوها على ركوب الفرس، وساروا حولها حتى وصلوا بيت العريس، وأدخلوها وصمدوها، ثم اتجهوا الى المضافة .

وبعد وصول العروس زفوا العريس وأدخلوه البيت حتى يأخذ مكانه على اللوج (المكان المرتفع الذي يصمد عليه هو وعروسه، وغنّت النساء " كيف كيف يا مفظّي كنك زعلان...  جوزناك فاطمه غصن الريحان " و " ريتك مباركه سبع بركات .. مثل ما بارك النبي محمد عجبل عرفات " واستمر الغناء والرقص في البيت لفترة وجيزة، ثم انصرف كل إلى بيته، واستمرت عجلة الحياة الأزليّة في دورانها !

 

 

eisa al abdalla   سقاالله تلك الايام   December 3, 2017 10:35 AM
لله درك لقد ايقظت جزء جميل من الذاكره







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز