د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Loading...
Arab Times Blogs
راعي الأغنام

 

ولد حافظ ابن محفوظ آل ثابت في أربعينيات القرن العشرين في قرية عقربا، إحدى قرى شمال فلسطين المتناثرة المطلّة على الأغوار الواقعة إلى الشمال من مدينة أريحا. كانت القرية حينئذ تمثّل صورة جميلة لمثيلاتها في القرون الغابرة المعزولة الهادئة السعيدة ببدائيّتها. لقد كانت بحق كما كانت عليه عندما مرّ بها أو بجوارها النبي ابراهيم الخليل عليه السلام في هجرته من العراق إلى فلسطين، وعندما مرّ بها وتناول طعام الغداء فيها عيسى المسيح عليه السلام وهو في طريقه من بيت لحم الى شمال فلسطين كما تقول بعض الروايات، وبقربها مرّ صلاح الدين الأيوبي وجيشه وهم في طريقهم لتحرير القدس، وّبمحيطها وبالتّحديد في " عين يانون " التي ما تزال موجودة في قرية يانون التاريخية عمّد القديس مارك الكثير من المسيحيين كما يقول الإنجيل، ويوجد بالقرب منها ضريح ومقام النبي ذي النون عليه السلام وربما لهذا السبب سميت القرية " يا نون " .

أزقتها ودروبها الترابيّة الضيّقة، وبيوتها الحجريّة البسيطة المتواضعة، ومسجدها القديم الوحيد، وكنيستها الجميلة المهجورة، وبركتها الرومانية البديعة الضخمة، وحصنها الكائن في شمالها الغربي، ومقامات رجال دينها الأتقياء الذين احترم وجودهم سكان القرية ونسجوا حولهم الأساطير الجميلة، وكهوفها الكثيرة التي عاش فيها الإنسان الأوّل تثبت ان القرية عريقة في تاريخها، وتذكّر أهلها بتقلّبات الزمن وجبروته، وان أهل قرية حافظ بن محفوظ ساهموا في صناعة التاريخ الإنساني، وتركوا لحافظ وجيله والأجيال القادمة دلائل راسخة في الأرض تثبت أن التاريخ يتغير ولا يرحم .

ولد حافظ في بيت من رعاة الماشية حيث كان والده محفوظ ابن ثابت راعيا يملك قطيعا من الشياه لا يزيد عن ثلاثين رأسا، وكان الذكر الوحيد الأكبر سنا بين شقيقاته الأربعة، والطفل المدلّل الذي حظي باهتمام خاص من والديه لكونه ذكرا ولأنه سيكون سندهما في السراء والضراء، " ويفتخرون فيه بين الناس"، ويصون كرامتهم في شيخوختهم، ويحمل اسمهما بعد رحيلهما عن هذا العالم الزائل.

لم يذهب حافظ إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة في القرية لأن والده كان أمّيا لا يعرف أهميّة التعليم، وكانت طفولته نمطيّة بدائيّة سعيدة لا علاقة لها بعالم منتصف القرن العشرين وتحدّياته وتعقيداته حيث كان الناس في بيئة حافظ ووالده محفوظ متشابهون في كل مقوّمات ووسائل حياتهم بما في ذلك السكن والطعام واللباس والفقر والفكر والعادات والتقاليد وسرد قصص " حديدون والغولة والمكرشاني " في سهراتهم الممتعة، ويشعرون أن "ما حدا أحسن من حدا."

ورث حافظ مهنة الرعي عن والده عندما بلغ الرابعة عشر من عمره، فكان يقود قطيعه من الأغنام إلى المراعي المحيطة بالقرية بعد شروق الشمس مباشرة ويعود بها الى حظيرتها الكائنة في فناء البيت قبل غروبها بقليل، ثم يتناول العشاء مع اسرته وينام قرير العين هانئا مرتاح البال.

وكان يجيد ويعشق العزف على الناي" الشبّابة " كما كان يسمّيها أهل القرية؛ ولأنّه كان دائم التنقّل مع أغنامه التي تبحث عن العشب في فصل الربيع والنباتات الجافة في فصل الصيف، فإنه كان يستمتع معها بجمال الربيع ورائحة عشبه وعطر هوائه النقي،  ويحبّ ان يتوقّف قليلا بين الزهور ليتمتّع بجمال الطبيعة ويعزف لحنا من الحانه المفضّلة على نايه ليستمتع به، وكانت وقفاته على سفوح الجبال وأعالي التلال وعلى أخاديد الشعاب  والوديان وفي المروج الفلسطينية المنبسطة السرمديّة المحيطة بالقرية  تشعره أيضا بقربه من الطبيعة ،وتفاعله معها، وانصهاره في كينونتها، وتعلّمه الجلد والصبر ودروسا لا تنس في أسرار الكون والديمومة والبقاء.

 كان حافظ سعيدا جدا في حياته، ويشعر بالأمن والأمان لأن أهدافه ستتحقق. يتزوّج من فتاة جميلة من أقاربه أو قريته، ويبني بيتا بسيطا كبيوت والده وأجداده، ويرزقه الله البنين الصالحين ليساعدوه في حياته كما يساعد هو الآن والده، ويحملوا اسمه، ويفتخر بهم بين أقاربه ومعارفه. وعندما بلغ السابعة عشر من عمره خطبوا له " بنت الحلال " وتزوّج ، وبنى بيتا قريبا من بيت والده، وبدا البنين والبنات يتوافدون واحدا تلو الآخر فزادت سعادته وثقته بنفسه .

 وكبر عايد نجل حافظ ، وترك مقاعد الدراسة قبل أن ينهي المرحلة الابتدائية، وورث المهنة من والده، واصبحت العائلة ميسورة تملك أكثر من مائة راس من الماشية . وفي احد أيام الربيع الجميلة الدافئة وبينما كان الابن مع أغنامه في  السهل القريب من القرية، مرّ عليه والده فجلسا على الحشائش بين الزهور يراقبان ثروتهما بسعادة وبادر الأب الابن قائلا " إننا والحمد لله رب العالمين بألف نعمة من الله ؛ انت هلقيت زلمه ما شا الله عنك وبعتمد عليك، وحلالنا بكفينا وبزيد وان شا الله عن قريب بنشوف لك بنت الحلال مشان نفرح فيك ونرتاح من همّك."

ومرّت الأيام وفي احدى الأمسيات كان عايد ووالده حافظ يتسامرون في بيت عايد فقال الأب لابنه " اسمع يا ابني بقول المثل إلي ما إله أول ما إله تالي. أنا مبسوط إني شفتك زلمه على كد حالك، وعندك عيله ورافع راسي فيك بين الناس ." وتستمر الحياة وتتكرّر بنفس خصائصها وقيمها ما دام الإنسان سعيدا وقانعا بنصيبه فيها !

   

فاسطيني   قصة حلوة   November 23, 2017 7:37 PM
قصة فلسطينية قح. عاشت فلسطين وعاش الفلسطينيون من غصب عن العالم المجرم في حقهم.

max   what a sad story   November 23, 2017 10:43 PM
what is the end of story ???
so sad that the son has to leave school







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز