نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Loading...
Arab Times Blogs
أوثانستان: عاصفة المناهج التربوية

أوثانستان: عاصفة المناهج التربوية

نضال نعيسة

 مرّت، والحمد لله، وكغيرها من عواصف الفساد والتجاوزات والتشبيح وانتهاك القانون، عاصفة المناهج التربوية التي أطلقها نشطاء "فيسبوكيون" بهدوء، وبما "يُحمد" عقباه، وكانت برداً وسلاماً على الطاقم واللجنة الوزارية التي أشرفت على إعداد تلك المناهج الكاراكوزية الإشكالية وطباعتها وتسويقها مدرسياً.

فقد أثارت بعض محتويات، وما رشح من هذه المناهج عاصفة هوجاء من الاحتجاجات والانتقادات نظراً، أولاً، لمحتواها الإيديولوجي المحافظ أو "الداعشي" كما أطلقوا عليه، أو لجهة استمرار عملية برمجة العقول والسطول عليها وغسل مخاخ أولئك الأطفال الأبرياء ووضعها في النهاية في خدمة فكر وإيديولوجية أوثانستان الكبرى،  أو نظراً لإقحام أسماء بعض الشعراء "الثوار" (الدواعش)، والكتاب ممن كان لهم باع طولى في دمار سوريا وصل حد التورط بالدم السوري والدعوة لقتل الشعب وإطاحة نظام الحكم وكل تلك السلة العريضة التي كنا نسمعها من مطالب تعجيزية  ومواقف طوباوية و"أمور" لا تصدق كان "الثوار" يرفعونها في بداية الحرب العدوانية الأطلسية –التركية- العربية (الخليجية إلى حد كبير على سوريا) وما تركه ذاك من إحباط وأسى وخيبة أمل في صفوف تيار وطني عريض وعظيم وقف بكل جوارحه وعقله وقلبه مع جيشنا البطل ورموزه الشرعية ولاقى ما لاقاه من نكران وتجاهل واستخفاف من قبل دواعش الدولة البعثية الإخوانية العميقة الذين يقبضون على كل مفصل فيها ويتحكمون بلقمة عيش وخبز ودواء هؤلاء الشرفاء.  

وقد حملت الصفحات "الوطنية"، الموالية منها على الأخص، عتباً شديداً ولوماً قاسياً وتجريحياً بحق الطاقم الوزاري، والقائمين على إعداد المناهج، فاضحين ما وصفوه "دعوشة" للمناهج، واعتبروه نصراً ثقافياً وتربوياً لـ"الثورة" وأهدافها، ما أفقد الانتصارات العسكرية للجيش السوري الوطني الباسل البطل، كل وهج وبريق وأهمية على الصعيد الوطني الداخلي. وكان إقحام مادة التربية الدينية لطلاب الصف الأول الابتدائي انتصاراً كبيرا لـ"دواعش الداخل"، كما كتب احدهم على حسابه الشخصي ونـُقل عن كثيرين، غير أن ذروة العاصفة وصلت حد الاتهام بـ"الخيانة العظمي" للطاقم الوزاري ولجنة الإعداد، عندما أظهرت بعض الصور المأخوذة من المناهج صوراً لسوريا من دون الجولان السوري المحتل و العزيز على قلب كل وطني سوري، وشطب اللواء السليب من الخارطة، وهذه حقيقة، سابقة لا يمكن تبريرها أو القفز فوقها، من لجنة وطاقم وزاري ينبغي أن تتوفر فيه أبسط أبجديات المعرفة والثقافة الوطنية والانتماء وحب الوطن والغيرة عليه وعلى كل ذرة تراب فيه، ومراعاة كل الحساسيات الوطنية والأخلاقية التي ضربت بالصميم.

لم ينفع تبرير الوزير في مقابلاته الإعلامية، ولا في إجلاسه تحت قبة مجلس الشعب من تهدئة روع ومخاوف وغضب النشطاء، الذين لم يقبلوا بأقل من محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، غير أن هذا كله لم يجد آذانا صاغية لا في دوائر الحكومة التي بدت غائبة عن هذه المعمعة، ولا في مجلس الشعب الذي بدا شبه عاجز وضعيف في اتخاذ أي قرار قوي وجريء يمكن أن يعيد السكون لجحافل الغاضبين.

وبغض النظر عن العاصفة وتداعياتها وآثارها النفسية القاتلة على جموع "الموالاة" وما أصيبوا به من خيبة أمل وانتكاسة بعد نضالهم العنيد والمرير ووقوفهم بشغف وحماس في صف الوطن والجيش ليواجهوا بتلك المخرجات التربوية الفظيعة والمروعة والتي لا يمكن وصفها أو تقبلها أن تخرج من كادر حكومي، فقد أظهرت حقائق مرعبة من أهمها استمرار نهج الفساد المدمر حيث تمت طباعة المناهج خارج سوريا وبكل ما في ذلك من تلاعب وسمسرة وتزوير وعمولات ووو باتت معروفاً للسوري البسيط، مع استهتار الإدارة الحكومية وتوابعها وأجهزتها بإرادة ومزاج الجمهور، واستكمال استخفافها التاريخي المعهود والمعروف بالرأي العام وكأن شيئاً لم يكن وكأنك يا "بو زيد ما غزيت"، كما يقال. الأهم غياب الآليات الرقابية الصارمة والرادعة عن الجهاز الإداري الحكومي الذي يبدو وأنه يتصرف على الدوام كسلطة مطلقة لا تسأل ومن دون إيلاء أية أهمية لأدنى الاعتبارات الوطنية والمجتمعية وحتى الأخلاقية، أحياناً، ويضرب بها عرض الحائط كلها، مع أصحابها وأصواتها النقدية وشخوصها النخبوية الوطنية، بنزق واستعلاء وعنجهية وغرور غريب، وتعمد تجاهلها وعدم الأخذ بملاحظاتها أو النظر لها بأدنى اعتبار واحترام واهتمام وهي "سنة" حكومية قديمة لم تغير ضراوة ومأساوية الحدث السوري في فطرتها وطبيعتها من شيء. غير أن استشراء الجهل المعرفي واستفحال الأمية السياسية في أوساط الكوادر الحكومية، ولجنة تربوية معتمدة على أعلى المستويات، الذي أظهر فقرها وبؤسها وضحالة وتواضع أدائها وخبراتها ومعارفها وانعدام التكنوقراط المؤهلين ذوي السمعة الوطنية والعالمية في صفوفها، ونزوع النخب السلطوية التي تقبض على القرار واصطفافها التاريخي جانب التيارات اليمينية السلفية المحافظة، التي أنتجت جانباً من الكارثة السورية، واستمرار خطابها الخشبي والنوستالجي المتواضع والمضحك أحيانا تحالفها العضوي معها وهو أهم ما يمكن استخلاصه من هذه العاصفة التي ما إن تهدأ حتى تأتي عاصفة أخرى، بغير وجه ولون وشكل، ستقابل، كما العهد دائماً، بذات القدر من اللامبالاة والاستخفاف والاستهتار.







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز