نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Loading...
Arab Times Blogs
البيت السوري والبيت العربي

 البيت السوري والبيت العربي


سوريا: البيت السوري والبيت العربيأحد أكبر الخرافات السائدة في الحياة العامة والمجتمعية السورية، وفي الإعلام الذي يحاول الترويج لها من دون تدقيق في مدى صحتها، هي عبارة البيت العربي” على البيوت الدمشقية القديمة، أي “الحوش” والنافورة، والغرف المحيطة بها، والتي يكون فيها أحياناً طابقان اثنان، لدى أهل الوجاهة والترف والمال.

وبداية، وحقيقة، لقد أسبغت الحياة والثقافة المحافظة، على سكان مدينة دمشق، طيلة الأربعة عشر قرناً الماضية، نمطاً معينا من التفكير والسلوك، تطلب هندسة وإيجاد نوع من الطراز الهندسي الجميل والبديع يعطي “الحريم” أهمية خاصة بحيث لا تظهر على أحد من “الغرباء” أو الجيران، ومن هذا الباب يمكن ربط هذه البيوت بمسمى الثقافة النابعة منها أي الثقافة “العربية” التقليدية المحافظة التي تتموضع فيها “الحريم” مركزياً، وتبنى عليها كل تصورات وحتى “استراتيجيات” الحياة إن صحت التسمية على الإطلاق.
غير أن الإشكالية تتأتى من منظور آخر يقع في صلب عملية التطهير الثقافي واللغوي الذي ضرب المنطقة من 1400 عاماً، ومحاولة فرض العقائد، والإيديولوجيات والثقافات، ونسبة كل ما في المنطقة من إنجازات، سابقة، ولاحقة لثقافة واحدة وأحادية، وشطب ومحو وإلغاء ما عداها من ثقافات، والإيحاء بأن لهذه الثقافة الوافدة من الصحراء فضلاً ومنـّة على الناس وبأنها قدّمت لهم المدنية والحضارة الرفاهية والعمران والازدهار وهذا أمر مناف للحقيقة تماماً ولكل ما هو معروف ومسجل من تفاوت الحياة المدني والحضاري وقتذاك بين سكان الصحراء وسكان سوريا أو بلاد الشام. إذ تحاول بعض التيارات، وعبر إطلاق صفة “العربي” على هذا النمط من العمران، بأنه مستورد من الصحراء، وأن سكان الصحراء العرب، هم من جلبوا معهم هذا النمط من البيوت، علماً بأنه لم يسجل في تاريخ ما تسمى بـ”الجزيرة” العربية، أي نوع من فنون العمران وبناء القصور، وتسجل حادثة زيارة “رسول كسرى” للخليفة الراشدي الثاني برهاناً على التفاوت الحضاري الهائل بين سكان الجزيرة وسكان الحضارات المزدهرة المجاورة إذ هاله أن “الخليفة” يحكم الدولة من تحت شجرة في الصحراء في استذكار لقصيدة حافظ إبراهيم الشهيرة:
وراعَ صاحِبَ كسرى أن رأى عمـرًا…. بين الرعــيةِ عُــــطْــلا وهو راعيها
وعهــــدُهُ بملـــــوكِ الفُرسِ أنَّ…..لــهـا سورًا من الجندِ والحرّاسِ يحميها
رآه مســــــتغرقا في نومـِـــهِ فـرأى….. فيه الجــلالةَ في أســمــى معانيها
فوق الثرى تحت ظلِ الدَّوحِ مُشْتَمِلاً ……. بِبُردَةٍ كـــاد طولُ العهدِ يُبليها
وعلى العكس فلقد كانت “البيوت” والعمران متواجداً في دمشق وعلى نحو متطور وكان هناك ما يشبه نظام شبكات المياه الواصلة للبيوت، في الوقت الذي كان فيه سكان الصحراء “العرب” يتيممون بالتراب، ويعيشون في بيوت “الشعر” والخيام، و”العشش” ( وهي عبارة عن بيوت طينية مسقوفة بسعف النخيل، وهذا طبعاً بالنسبة للطبقات الميسورة)، وأما المياه فكانت شبه نادرة، وموسمية، أي في فصل الشتاء، ويحفل تراث الصحراء بقصص القيظ والحر والهجير والظمأ والسعير والقحط والمحل والجفاف والموت عطشاً، والنوم وقضاء الحاجات في الخلاء.
لا مجال لمقارنة نمط الحياة المدني والحضاري الذي كان سائداً في دمشق، مع صنوه القائم وقتذاك في ما يعرف اليوم بالجزيرة العربية، وكانت هناك رحلات الشتاء والصيف التي ذكرها القرآن، يتزود من خلالها سكان الجزيرة، بالمؤونة والطعام والثياب، ويبادلون التمر تحديداً بسلع نادرة ومتقدمة وأنيقة وحبوب كانت تنتج في الشام. ولذا حين احتلت جيوش “الفتح” الغازية، دمشق، كان أول ما فعلته هو أن نقلت عاصمة “الخلافة” والدولة العسكرية الجديدة إلى دمشق، لانبهار الخلفاء بجمالها، وخضارها، ومائها، وعمرانها، ولم تكن مكة ولا المدينة، ولا أي من مدن ما تـُعرف، حالياً، بالمملكة العربية السعودية، يوماً عاصمة لدولة الخلافة التي تنقلت بين دمشق الأموية، وبغداد العباسية، والقاهرة الفاطمية، والأستانة العثمانية، وحتى قندهار الطالبان، و”الرقة” الداعشية.
لن نتطرق إلى ما قاله ابن خلدون عن “العرب” وجهلهم بالعمران وعدائهم الفطري للفن المعماري وميلهم لحياة البداوة والصحراء والتنقل والترحال حيث الماء والكلأ، حيث لم يتمكن الرحل، الذين غلب على حياتهم التنقال الدائم، الاستقرار في مكان واحد، ولذا لم يفكروا في البناء والعمران على الإطلاق وبالتالي فمقولة “البيت العربي” هي مجرد وهم وخرافة أخرى من تلك الخرافات.
البيت “السوري” الذي كان موجوداً قبل دخول العرب لسوريا635م إلى سوريا، هو ما يمكن أن نطلقه على ما يحاول بعض إعلام تسويقه على أنه “بيت عربي”، أي نسبة هذا الفن والطراز والذوق المعماري البديع والجميل إلى “العرب” سكان الصحراء، الذين لم يعرف عنهم في تاريخهم أي تقدم وتطور وإبداع في مجال البناء والتشييد والعمران .







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز