أمين شرنوبي
aminecharnoubi@gmail.com
Blog Contributor since:
19 July 2017



Loading...
Arab Times Blogs
سُلطة العوَام و اللُّعبة المُشوِّقة


فُقراء المعرفة يرون كل شيء غامضاً و عميقاً و يحبون الجُوقة و التجَوق مع بعضهم البعض
 
و الدرس الذي ينبغي تعلمه من هذه القصة الفكرية و من جمهورها "العدوّ"، هو كيفية التخلص من هيمنة العوَام أو سلطة العوَام. فهؤلاء لا سِلاح بأيديهم سِوى العمل بمبدأ الكثرة التي تغلب الشجاعة و الجهل المثابِر، و لكنها مع القصة الفكرية لم تُجدِهِم نفعاً

إن الهِوايات جاهزةٌ على كل حال، إنها قليلة و سهلة : السباحة لِمن لا يملك بحراً، جمع الطوابع لِمن يحلم بالسفر، المطالعة للأميّ، التجَوق لِمن لا شهرة له، الأوهام لِمن لا حُلم له، ركوب الخيل في بلاد تفيض بالحمير ... و لا أحد في هذه البلاد يقول أن هِوايته هي السرقة، الكذب، النفاق، السحت ...

كم أَوصلت الهواياتُ الشعوبَ الهاويةَ إلى الهاويةِ !؟

تشتكي المراجع الدينيّة الصحيحة ذات الثقل الهائل، من أنها لا تستطيع الخوض في بعض مظاهر التديّن الشعبي و المبالغات الشعائرية، لأن العوَام سيَنتفضون ضدها و يَنقلبون عليها و يَخرجون من طاعتها

"دعهمْ يمُرون"، هذا هو شعار المؤسسة الدينيّة في الغالب في ما يتعلق بهذه الممارسات
 
و لا تنتهي سلطة العوَام عند قَمع السلطة الدينيّة و إجبارها على الصمت، فإنها هي من تُحدد ملامح الخطاب السياسي في بلدنا، بوصفها القوة الانتخابية الكبرى من شعب يتمتع بأمية أبجدية و أميات شقيقة أخرى
 
السياسيون ليسوا كرجال الدين لِيكتفوا بالصمت لإمضاء بعض هذه السلوكيات، و إنما يركبون موجتها و يتحوّلون إلى "عوَام"، لكن في أعلى سُلم السلطة
 
و يتدرب هؤلاء السياسيون تدريجياً على كيفية التحدث مع الغرائز و تهييجها، بخاصة في فترات الانتخابات، أو المهاترات أو تمرير بعض القوانين
 
الحكومة هنا تصبح آلة ممتازة لإنتاج الخطاب "العامِّي"، بل تتبناه كأسلوب حياة، يتمظهر في الموسيقى و الغناء و المشاركة في طقوس العوَام و أساليب تعبيرهم الثقافية ... إنها بحق رقصة السياسة على قرع طبول العوَام
 
العوَام، بعلاقتهم مع السلطة و في العادة، لا يهتمون للبرامج التنموية، لا يفكرون بالحياة المدنية الحديثة، ليس من أولوياتهم المدارس و المستشفيات و سائر البنى التحتية، ما يهمهم هو الخطاب البسيط و السطحي الذي ينتمي إليهم و يشبع غرائزهم. و على السياسي، و أحياناً المثقف، أن يُلبيها لهم و بِبراعة

لا يهم العوَام إذا كان من يخاطبهم لصاً أو كاذباً أو منافقاً، لا يهمهم إذا كان محتالاً مراوغاً و انتهازياً، لا يهمهم من يتوجه لغرائرهم إذا كان يمتلك ضميراً حياً أو قاتلاً محترفاً، ما يعنيهم بالدرجة الأولى أنه يُشبههم، صورة طِبق الأصل عنهم، و يتحدث نيابة عن أوهامهم و يردد سردياتهم الكبرى و تفسيرهم لظواهر الطبيعة و المجتمع و التاريخ
 
العوَام سُلطة قاهرة و قوة مُخيفة لا يمكن ترشيد اندفاعاتها بالحجة و المنطق و الأسلوب المدني، قوة غاضبة على كل ما لا تستطيع أو لا ترغب في فهمه
 
العوَام دكتاتوريةٌ لم ينجُ من قبضتها إلاّ كاتبٌ شيطان أو عالِم مجنون أو منافقٌ جفّ ضميره، يفتح لهم أبواب الشرور كلها لِيندفعوا نحوها و يناموا هناك مثل أسماك بِلا زعانف في النهر الجارف
 
العوَام هنا ليس مصطلحا معياريّاً، إنه وصفٌ لشريحة تسد أبواب السماء حولنا، و علينا أن ندرسها و نتفحصها لا أن نداري خواطرها

كما أن مصطلح العوَام ليست سباً أو شتماً، و ليست حكراً على بلد دون غيره، العوَام في كل مكان و زمان، و كان إسمهم الأفلاطوني "قطيع الخِراف"، و هم خطِرون فقط عندما يرتبون أوراقهم و يتحولون في المجتمع إلى مجموعات متناسقة و ليس إلى أفراد طيبين

إننا نوع من ضحايا العوَام الذين هم ضحايا الدكتاتورية و شراستها، ضحايا الحصارات و الحروب و الانغلاق، ضحايا آلة التجهيل العملاقة

الكارثة الحقيقية، نحن أيضاً نوع من العوَام، لأننا في أغلب الأحيان لا نميّز بين الحديث عنهم و الحديث إليهم، نحن نخافهم و نحسب لهم ألف حساب، لسبب بسيط، لأننا نبحث عن الشهرة التي لا يوفرها لنا غرورنا "الثقافي" بنفس الطريقة التي يوفرها لنا جمهور السادة العوَام

يُعرف المعجمُ العربي فترة الجاهلية أو الجاهل كالتالي : ذُو الجَهْل، أَبْلَه، أَحْمَق، أَخْرَق، أَرْعَنُ، غَبِيّ، فَدِر، مَعْتُوه، مُغَفَّل، سَفِيه، غُمْر، مُغَفَّل، أميّ، وَقِح ... 

الجهل ليس قلّة المعرفة، بل هو كما يقول الصادق النيهوم، المعرفة الخاطئة. فالجاهل ليس هو الشخص الذي لم يحالفه الحظ ليكتسب معارف كافية، بل هو الشخص الذي حالفه الحظ ليكتسب الكثير من المعارف التي تجاوزها الزمن و أثبت انعدام فاعليتها. فلا أحد يضع الزهور فوق قبر زهرة ميّتة، كما قال طوم وايتس

الجاهل ليس هو الطبيب الذي لم يتعلم كيف يعالج السرطان، بل هو الطبيب المقتنع أن الشاي يشفي من مئة مرض

و الجاهل ليس هو السياسي الذي لا يعرف كيف سنحرر فلسطين، بل هو السياسي الذي يسُوق لك الأمثلة و البراهين على أن موت صدّام مثلاً عطّل المهمة

و بإمكانك أن تسُوق ذلك على آلاف التخصصات و الاهتمامات البشرية. هؤلاء هم الجهلة و ليس من لا يعرفون. فمن لا يعرف سيسعى إلى المعرفة، و قد يتلقى معرفة صحيحة أو خاطئة حسب من سيضعهم الحظ في طريقه. أما من يمتلئ رأسه بمعارف خاطئة و مضرة، فلا علاج له إلاّ أن تستسلم له و تتعايش مع وجع قلبك بسببه، أو أن تكسر رأسك و تنتحر بسبب التُّرُّهَات المُخلّة بالعقل

و ما الإنسان إلاّ نهر فسد ماؤه فتعفن، و لا يمكن أن يسكن هذا الماء أحد و لا يصيبه شيء من فساده و عفونته ما لم يكن مُحاطاً بذاته

بينما كان الفيلسوف نيتشه يستنشق هواء نقياً بعد أن قضى نهاراً كاملاً بين الجرحى حين كان جندياً صحياً يسعف الجرحى في الحرب الفرنسية البروسية، مرت أمامه فرقة بِفرسانها و مُشاتها، فتأكد أنها فرقته القديمة و هو يراقب الجنود في مرورهم إلى ساحات الحرب أو ربما الموت، باغتته الفكرة و أقتنع بها بأن : أقوى و أسمى إرادة لا تتمثل في الكفاح التافِه من أجل الحياة، و إنما هي إرادة الحرب و إرادة السيطرة

هكذا رد نيتشه على سؤال شقيقته عن أصل فكرة "إرادة القوة"، هذا و كان مَنظر الدم و الأعضاء المتعفنة أثناء قيامه بإسعاف و معالجة زملائه، قد جعل رعبه يَصل إلى حد تخدر الإحساس به


أُدباء مجهولون أو ما يُشابه ذلك ©






Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز