د. محمود لطيف البطل
Mahmoud@list.ru
Blog Contributor since:
05 November 2011

 More articles 


Loading...
Arab Times Blogs
مأزق كيان الاحتلال الوجودي

منذ الإعلان عن إنشاء هذا الكيان الغاصب على ارض فلسطين في عام 1948 بدعم غير محدود من الدول الاستعمارية حينها وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا ظل هاجس الكيان إلى يومنا هذا وجودياً، فهو يعي جيداً أن إنشاءه حدث ليس بقوته الظالمة ولا بدعم مؤيديه ومنشئيه من المستعمرين، بل بالدرجة الأولى بواقع عجز العرب وتؤامر حكامهم، الشيء المستمر حتى اليوم، ولكن لن يدوم إلا ما لا نهاية. وتم إنشاء الكيان ايضاً بفعل تدني وعي الفلسطينيين حينها، الذين وقعوا ضحية التحايل العربي الرسمي والدولي، الشيء الذي لا وجود له عملياً الآن في صفوف الفلسطينيينن الذين يضربون كل يوم اروع الأمثال بالتضحية والفداء في سبيل عودة من هجر قسراً من ارضه، وبتمسكهم بأرضهم واستعدادهم الدائم للتضحية مهما بلغ ثمنها دفاعاً عن الأرض والمقدسات. ظن قادة الاحتلال في بداية تحقيق مشروعهم الصهيوني الاستعماري الاستيطاني بأن مهمتهم لن تكون صعبة إلى الحد الذي يجعل هذا الحلم الاستعماري الاستيطاني وجهاً لوجه يوماً ما أمام مأزق وجودي، فهم كانوا يعتقدون أن المحيط العربي لفلسطين والذي ساعد وتآمر رسمياً على اغتصابها، سيقوم بما عليه لتوطين الفلسطينيين وبالتالي لطمس القضية الفلسطينية في بدايات نشوئها، ما سيحمل معه ترسيخاً لوجود كيان الاحتلال وتطبيعاً معه من قبل الأنظمة العربية التابعة والعميلة.

وجاءت الحركات الوطنية والقومية العربية في بداية الستينات من القرن الماضي لتفرض تغيرات مهمة على خارطة الصراع مع عدو الأمة العربية والعقبة الكأداء أمام تحررها وتطورها. ومع هذه التطورات المهمة في خارطة الصراع وجدت حركة التحرر الوطني الفلسطيني صدى واسعاً في الشارع العربي واستعداداً كاملاً لاحتضانها ، وبرغم الهزيمة التي تعرضت لها الأنظمة العربية الوطنية في سوريا ومصر، بقي الحس الوطني والقومي مؤشراً اساسياً في بوصلة النظام العربي القومي بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ما ساعد على تنامي الحس الوطني والقومي العربي تجاه فلسطين وقضية شعبها، وادى إلى انتشار الدعم لفلسطين دولياً، برغم كل محاولات الدول الاستعمارية الغربية لتشويه نضال الفلسطينيين، وبرغم الدعاية الصهيونية وإعلامها المهيمن في كثير من دول العالم الأساسية، اخترق صوت الفلسطينيين المكافح جدار التعتيم ووصل إلى المجتمعات في الدول المهيمنة ما أدى إلى تنامي دعم نضال الفلسطينيين في هذه المجتمعات وتعرية الدعاية الصهيونية والأسس التي قامت عليها.

وكي نكون واقعيين لا بد من الاعتراف بأن النضال الفلسطيني واجه كما غيره من نضالات الشعوب التي سبقته في هذا الطريق، واجه هبوطاً وصعوداً، منشطات ومنغصات، مساندات ومؤامرات، ولكن برغم كل المنغصات والمؤامرات والخيانات، التي واجهها نضال الفلسطينيين، منذ الإعلان عن وعد بلفور المشؤوم ومروراً بالحروب على المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان، وبخروج المقاومة مرفوعة الرأس من بيروت، بعد حصار امتد لشهور وصمود مشرف، وبعد انتفاضات مشرفة قدم فيها شعبنا الفلسطيني أنبل شبابه وشاباته وأطفاله على مذبح الحرية، وبعد الاتفاقات الخيانية لما يسمى بـ "السلام" مع كيان الاحتلال من قبل القيادة المصرية برئاسة السادات واتفاقية وادي عربة بين النظام في الأردن والكيان، واتفاقية أوسلو، التي شرعت وجود الاحتلال على أكثر من ثلثي فلسطين التاريخية، كل هذه الصفحات المشرفة منها والمؤلمة، جعلت من قضية الشعب الفلسطيني مسألة لا يمكن القفز عنها، واصبحت بحق الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه أو تخطيه أو التحايل عليه، إن القضية الفلسطينية هي قضية شعب وأرض ووطن، ولا يمكن ابداً فصل الشعب عن الوطن ولا الأرض عن الوطن ولا الشعب عن الأرض، إنها قضية وجودية للشعب الفلسطيني تحملها أجياله من جيل لجيل، ولأنها كذلك وهي كذلك، سيجد كيان الاحتلال نفسه دوماً وجهاً لوجه مع مصيره المحتوم، فهو اليوم أكثر من اي يوم مضى، يواجه مأزقاً وجودياً، في مواجهة الشعب الفلسطيني الذي لا ولن يتعايش معه ولن يقبل بوجوده على ارضه وبالتالي سيقاوم دائماً هذا الوجود العنصري حتى إزالته.

 ويجد الكيان نفسه ايضاً في مأزق حتى مع الدول العربية التي وقع معها ما يسمى باتفاقيات سلام، حيث إن الشعوب العربية لن تطبع مع العدو برغم القمع من الأنظمة الحاكمة وستبقى هذه الشعوب مناصراً مبدئياً للشعب الفلسطيني، حتى نيل حقوقه المشروعة. واليوم تثبت المواجهات حول الاقصى المبارك أن شعبنا الفلسطيني برغم الصمت العربي الرسمي، قادر على فرض التنازل على العدو وإجباره على تفكيك البوابات الإلكترونية وكمرات التصوير من على مداخل الأقصى، ما من شأنه تعزيز النفس النضالي و الكفاحي وفرض المزيد من التنازلات على هذا الكيان الغاصب: كل ذلك سيقود في نهاية المطاف لوضعه في مأزقه التاريخي الوجودي الذي سيقوده حتماً إلى هزيمته التاريخية.







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز