أمين شرنوبي
aminecharnoubi@gmail.com
Blog Contributor since:
19 July 2017



Loading...
Arab Times Blogs
الفيروس العاقل
ليس هناك شك في وجود نوعين من الأدمغة عند الإنسان. لا يتعلق الموضوع باختلال وظيفي في الدماغ عند الإنسان، إنما يتعلق بإنسان معاصر بدماغ مختلف تماما في خلقته و موروث من أسلاف منقرضة تماما من الوجود، بغض النظر عن كونه ذكر أو أنثى و عن مركزه الاجتماعي.

و هل يمكن لإنسان معاصر من فصيلتنا أن يولد بدماغ من فصيلة بدائية متخلفة منقرضة ؟

بما أن الإنسان هو النوع الوحيد المتبقي من الجنس الأناسي المعروف بإسم ”هومو“ Homo، الذي كان يشمل نوع ”نياندرتال“ Neandertal المنقرض، و كذلك أنواع أخرى من القردة العليا و غيرها، سنبدأ إذن بلوزة الدماغ، أولا، هي مسؤولة أساسا عن إشارات القلق و استشعار التهديد و الخوف و الفزع من الأخطار التي تواجه حياة الإنسان. ثانيا، هي مسؤولة عن المتعة و المواقف الجندرية و الميولات الجنسية و المثلية و السحاق، و ذلك حسب اختلاف كثافة نشاطها في شقيها، فهناك نشاط أكبر في الشق الأيمن عند الذكور، و هناك نشاط أكبر في الشق الأيسر عند الإناث، و بالتالي اختلال النشاط عند الجنين من جهة إلى أخرى يتنج انعكاس الميولات الجنسية. ثالثا، تكون لوزة الدماغ حساسة جدا و متألقة في عملها عند الإنسان المفكر و الإنسان العبقري، و تكون ميتة النشاط و خاملة تماما عند السيكوبات المجرم، و هو إنسان معتل نفسيا Psychopath، حيث تكون مجالات متعددة من دماغه متصلة فيما بينها بشكل مختلف تماما عن المعتاد، و خصوصا المناطق الخاصة بالتعاطف و المشاعر الاجتماعية كالخجل و لوم الذات و الإحساس بالذنب و الحرج و التفكير الاخلاقي، و عادة يكون شديد العنف و العدوانية، على خلاف المعتل النفسي العاجز الذي لا تتسم تصرفاته بالعنف و العدوانية المفرطة.  

و كان هذا ملحوظا و واضحا أثناء دراسة سلوكيات مجموعة من القتلة و آكلي لحوم البشر و ناكحي الأموات و مغتصبي الأطفال و سيكوباتيين قاموا بجرائم متنوعة. و من الأطباء من كان مقتنعا باعتلالهم النفسي، و حتى بعض أفراد المجموعة كانوا يقرون ”جنونهم“ من تلقاء أنفسهم، و يفسرون أن لهم أنظمة إدراك و تفكير مختلفة جدريا عن الأنظمة المعتادة لدى الإنسان العادي و ”الطبيعي“، و ذلك منذ طفولاتهم.

السيكوبات المجرم له دماغ لا يشعر بأية إنسانية أو ندم، لا يشعر بأنه بحاجة أن يكون إنسانا جيدا أو نافعا أو مفيدا، بل له خيال نرجسي و سادية يستمتع بها بعد قيامه بجريمة ما، و أضعفها هي جريمة عدم مساعدة إنسان في حالة خطر. هذا الدماغ ميال لكل أنواع الشذوذ و الجرائم. إنه دماغ يمكن وصفه بالمنقوص عاطفيا. ففي أفضل الأحوال، تكون له موهبة وحيدة، موهبة الإغراء و التلاعب، موهبة ناتجة من الانعدام التام بالإحساس بالحواجز العاطفية، و هذا لا يمنعه من امتلاك مجموعة من العبيد المتطوعين الذين يألهونه و يسفكون دمائهم في سبيل عبادته، إنما لو أعرضوا عنه فلابد لهم من الفرار، و إلا سينتظر أدنى فرصة ليقوم بالجريمة الكاملة.

و من قبيل الصدفة، إن السيكوبات المجرم لا يتتاءب أبدا، و هذا حال المنقوص عاطفيا كذلك، فهو لا يتتاءب إلا في مرات نادرة. رغم أن التتاؤب فعل معدي جدا عند كل الثدييات ما عدا الزرافة، و أن كل القفريات تتتاءب، كالزواحف و الأسماك و الطيور، لكن لا نعرف لماذا لا تتتاءب أنثى الشامبنزي و صغارها في حضور الذكر الشامبنزي الأب أو رئيس العائلة؟

إن أدمغة السيكوبات المجرم و أدمغة المنقوص عاطفيا تتميز بذهاء و قدرة شيطانية هائلة على التخطيط و الحساب، و دائما في اتجاه مصلحتهم و الاستفادة الذاتية. و مهما تلقى السيكوبات ماديا من الآخرين، و لأنهم لا يستطيعون أصلا بناء أي شيء غير مادي معه، و لا أي شيء ثقافي أو اجتماعي، لن يتلقوا منه أدنى كلمة شكر أو تفاعل انساني.

و قد قام Pr Sheilagh Hodgins و Dr Nigel Blackwood بتفسير نتائج أبحاثهما الطبية و العصبية حول المجرم ”العادي“ و المجرم ”السيكوبات“، و استخلصا أن المجرم العادي غالبا ما يكون حساسا للتهديد و يتفاعل بشكل طببعي مع الغضب و العدوانية التي تمارس عليه من طرف الغير. أما المجرم السيكوبات له ردود فعل و حساسية ضعيفة تجاه التهديد الممارس عليه، و لا يتفاعل و لا يتأثر بالغضب الشديد عليه، فيظل باردا تجاه هذه السلوكات، إلا أنه أحيانا قد يتصدى لها بعدوانية مفرطة.

و تشير معطيات طبية أن لكل من المجرم العادي و المجرم السيكوبات تشوهات هيكلية في تطور الدماغ منذ الطفولة، و لكل واحد منهما تشوهات خاصة به، و تكشف صورة الرنين الكهرومغناطيسي لوظائف الدماغ وجود تشوهات هيكلية في المادة الرمادية و بعض الألياف العصبية المكونة للمادة البيضاء لدى المجرمين العدوانيين المعتلين نفسيا.

و للتذكير، المادة الرمادية تتعامل مع المعلومات من حيث العمليات المعرفية، و تنسق المادة البيضاء توصيل و نقل المعلومات بين مختلف أجزاء الدماغ.

و مقارنة مع إنسان عادي له صحة نفسية سليمة، و مقارنة أيضا مع مجرم عادي، يكون حجم المادة الرمادية عند المجرم السيكوبات منخفضا من ناحية الفص الجبهي الأمامي و ناحية الفص الصدغي، كما تظهر تشوهات شاذة في ألياف المادة البيضاء، و خصوصا في منطقة القشرة الحزامية الخلفية التي تربط بين قشرة الفص الجبهي الأمامي و قشرة الفص الجبهي الوسطي، و هذه التشوهات هي سبب نقصان التعاطف الملحوظ عند السيكوبات، و هذه المناطق من الدماغ تلعب دورا في التعلم من خلال منطق المكافأة و العقوبة.

أثناء فحص أدمغة ”مجموعة المجرمين الأشرار“ بالرنين الكهرومغناطيسي، كانوا يتلقون أسئلة تقنية متنوعة في الثقافة العامة، و رغم أن مهلة التأمل و التفكير كانت طويلة جدا، فغالبا ما كانوا يعطون أجوبة غير دقيقة أو خاطئة. و أوضح تحليل الرنين الكهرومغناطيسي أن المجرمين المعتلين نفسيا، مقارنة بالمجرمين غير المصابين بأي اعتلال نفسي، يتميزون ببرودة ردة الفعل غير عادية تجاه العقوبة المفروضة عليهم، حتى و لو كانوا يعرفون أنهم يستحقون النتويه و المكافأة عند إعطاء جواب صحيح على سؤال ما. و ينتج هذا التشوه في ردود الفعل على مستوى تشوهات في الفص الحزامي الخلفي و الجسم الجزيري، و أبرزت أبحاث علمية سابقة وجود تشوهات في ألياف المادة البيضاء التي تربط هذين المجالين. 

و في مجمل الأبحاث الطبية، تكون وظائف الدماغ عند الإنسان السليم متطابقة و متشابهة سواء كان إنسانا صالحا في مجتمعه أو مجرما، و هذه النتائج تقترح أن دماغ السيكوبات المجرم يتميز عن غيره بمنظومة خاصة لشبكة الأعصاب التي تخول للإنسان التعلم بطريقة المكافأة و العقوبة. 

إن اتخاذ القرار عند الإنسان يتضمن إنشاء قائمة للأفعال و الإجراءات الممكنة و المحتملة، ثم تقييم تبعياتها الايجابية و السلبية، و بالتالي يختار السلوك الأنسب و الأكثر احتمالا للوصول إلى حصيلة ايجابية، لكن المجرم السيكوبات ينظر فقط إلى النتائج الايجابية الممكنة و يتجاهل الآثار السلبية، لذلك يؤدي به سلوكه هذا إلى معاقبته بدلا من مكافأته، و يكون هذا عكس ما كان يتوقعه.

فالعقاب يشير إلى ضرورة تغيير السلوك، و بشكل واضح، في بعض الحالات، يجد المجرمون صعوبة في التعلم من العقاب لاستخلاص دروس الحياة و تغيير سلوكهم، لأن مشاكل السلوك و الميولات السيكوباتية تظهر منذ الطفولة، و تستطيع التدخلات التعليمية في هذه المرحلة تغيير هندسة و وظائف الدماغ. 

إن البرامج الاجتماعية التي تمنح للآباء و الأمهات أمثل قدرة تعليمية و أفضل لياقة تربوية تؤدي إلى انخفاض كبير في مشاكل السلوك عند الطفل، باستثناء الطفل الشرس، الجامد حسيا، عديم الشعور بالآخرين، و ذلك بسبب التشوهات الخفية و المعقدة في تركيبة و وظائف الدماغ المتعلقة بالسلوك العنيف و العدواني المستمر، و التي تستوجب دراستها و معالجتها لخفض الأرقام الاحصائية الاجرامية، أو على الأقل إخراج المجرم من دائرة الإجرام المغلقة و عدم تكراره لنفس الجريمة مرات عديدة. 
هاكر   استغلال   July 31, 2017 6:21 PM
في الحقيقة ،استغل هذا الحيز المخصص للاستاذ الفاضل صاحب المقال..لاقول ان موقع عرب تايمز الازال مهكرا..مقرصنا على الهاتف النقال..ولا ادخل اليه إلا عبر ارشيف في البحث عبر المتصفح كروم.
والسلام







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز