نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
هل يدافع الدين عن الوطن أم يدافع الوطن عن الدين؟ الكون الاسلامي الجديد

مهما اختلفنا مع الفيلسوف الألماني هيغل في تفسيره للحرب على انها شكل من أشكال صراع الأضداد الضروري للتطور فان قراءة التاريخ في بعض نواحيها تنسجم مع هذه الرؤية .. فالحرب يتلوها دوما شق وصدع في جدار الزمن الكتيم .. وهي ارهاصات عنيفة لميلاد منظومة علاقات انسانية واقتصادية جديدة وأخلاق جديدة قد تكون ديانة جديدة لزمن وليد .. لأن ماتحدثه الحرب ليس هدما للبيوت والمدن بل هدما للعصور والأفكار التي هرمت وشاخت وخرفت وهي تحكم العصور التي ولدت للتو .. فتتمرد العصور على العصور وتشتبك فيما بينها بالحرب .. ويجري على العصور مايجري على الطبيعة من قانون التطور والارتقاء واصطفاء الأنواع الذي وضعه داروين للكائنات الحية .. فبعد الحروب تنقرض منظومات قيم وتسود منظومات قيم .. ولاتستمر الا القيم الأقوى التي تناسب بقاء العصر الأقوى الذي انتصر في معركة البقاء .. انها اعادة تركيب الثواني والساعات واعادة ترتيب الوجود .. كل الوجود .. فالحرب في أوروبة بين الكنيسة واللاكنيسة في العصور الوسطى كانت لاعادة ترتيب الكون المسيحي الذي في عهد الكنيسة كانت الشمس فيه تدور حول الأرض .. ولما هزمت الكنيسة صارت الأرض هي التي تدور حول الشمس .. وانقلبت المفاهيم ولكنه انقلاب في الاتجاه الصحيح وحركة تقويم لمسار لم يكن سليما .. وماحدث بانتصار العصر اللاكنسي هو تطور ونشوء لأنواع الأفكار التي تصارعت لبناء كون مسيحي جديد .. ولكن بقي منها ماهو الأصلح للبقاء لأنه الأقوى تلبية لحاجة البشر الذين تطوروا ولم يعد من الممكن أن يستمروا في جلابيب الآباء والأجداد .. فعصر التنوير كان يقترب والظلام كان يتقهقر وحقائق العلم التجريبي كانت تكتسح الفلسفات القديمة الماورائية التي بني عليها العلم القديم كله والتي بنيت عليها الديانات القديمة الكلاسيكية المكتظة بالغيبيات .. وكان من المستحيل ألا تغير الديانات من طريقة تأقلمها مع العلوم التجريبية الصريحة النتائج ضد الميتافيزيق الذي يستسلم للبدهيات الغيبية النظرية .. فطورت المسيحية نفسها وتغير شكلها الى حد كبير .. وتغيرت علاقتها بالمؤمنين وتغيرت علاقتهم بها .. والبعض يرى أن التغير في الشكل الظاهري لم يغير قلب المسيحية الذي بقي ينبض .. وأن ماجرى هو زرع قلب المسيحية في جسد جديد ..

هذه النظرة لجدلية الصراع قد تلتقي مع منطق صراع الأضداد للفيلسوف الألماني هيغل الذي يرى أن الحرب جزء ضروري للنمو والتطور والذي كان يرى أن الثقافة هي ثمرة الانسان والانسان هو ثمرة أرضه التي يعيش عليها ويأكل منها .. فكل أرض بمناخها ومياهها تنتج خلطة ثمرة للانسان التي تتميز عن ثمار أراض أخرى .. فمن يشرب من الفرات ودجلة والنيل لايشبه تكوينه ومعدنه من يشرب من نهر الدانوب أو نهر الأمازون أو الكونغو .. ولذلك تختلف طباع الناس وأخلاقهم وميزاتهم بحسب الأرض التي نبتوا فيها وشربوا منها واثرت في خلاياهم .. وهذه الثمار البشرية للأرض سيكون لها طعوم ومذاقات مختلفة ومزايا مختلفة .. ومذاق البشر هو فكرهم وحضارتهم وافكارهم وثقافتهم .. وهو لذلك كان يرى أن أفضل الحضارات هي التي تقوم في المناطق المعتدلة .. وهو بهذا يربط بين تأثير الجغرافيا في التاريخ (الجغرافيا التاريخية) .. فالمناطق المعتدلة تنتج بشرا أفضل وهؤلاء ينتجون ثقافة وحضارة أفضل .. ولذلك فان أفضل الحضارات والثقافات هي التي أنتجها حوض البحر المتوسط ذو المناخ المعتدل .. ولكن هيغل انطلق من هذه المنصة العنصرية ليعطي العرق الآري الجرماني راية أفضل الشعوب .. وقد تغذت على نظريته أفكار النازية الشهيرة ..

اليوم وبغض النظر عن انحرافات هيغل العنصرية فان قوة نظريته في تأثير الجغرافيا في الانسان وكونه ثمرة لجغرافيته تتوافق برأي كثير من الفلاسفة وعلماء التاريخ مع الاعتراف أن الحضارات والثقافات المشرقية تنسجم بعظمتها مع هذه الملاحظة ولاينكر ذلك الا الجاهل بالتاريخ .. ولكن يجب أن ننظر الى الربيع العربي وبخاصة الحرب على سورية على أنها حرب بين العصور وأنها حرب ستلد كوكبا جديدا وعصرا جديدا وأنها ستخضع حركة التاريخ لارهاصات نظام جديد وداورينية تطورية لن تبقي الا الأفكار الأقوى التي تنتمي للفكر الأقوى والأقدر على الاستمرار .. وبشكل أدق فانها حرب بين العصور الاسلامية مهما كانت هوية المنخرطين بها من الغرب والشرق لأن الصراع خاضته أدوات اسلامية وشعوب اسلامية وثقافة اسلامية وشعارات وثقافات اسلامية متصارعة .. هذه الحرب على الشعب السوري لم تكن حربا على شعب بل على منظومة كاملة بشرية لعصور شرقية كاملة كانت منضبطة الايقاع الى حد بعيد .. وهي المنظومة الثلاثية التي صدمتها الحرب والتي تمثلت بالانسان والدين والوطن .. وكان بامكاننا أن نسمع صوت سيوف الزمن تبارز سيوف الزمن وصوت معاول الزمن تهدم الكون القديم الذي أقامه المسلمون لأنفسهم وكان فيه الانسان يدور حول الله .. ويجب علينا أن نتوقع أو ننتظر أن يبدأ نشوء كون جديد اسلامي يبدأ من دمشق كما انطلق الكون الاسلامي القديم من دمشق ذاتها قبل 14 قرنا .. حيث لايتغير فيه مكان الله بل يتغير فيه دوران المخلوق حول الخالق كما حدث عندما انهار الكون المسيحي القديم وتوقف دوران الشمس حول الأرض حين سكنت الشمس وتحركت الارض حولها لتبدأ الدوران وبناء الكون المسيحي الجديد .. وفي الكون الاسلامي الجديد الذي سيولد من رحم الحرب السورية يجب ان يدور الله فيه حول الانسان بعد أن دار حوله الانسان المسلم 1500 سنة كما طاف حول الكعبة منذ أن بناها ابراهيم ..

بمعنى آخر فان الاسلام الاول انتصر في الأرض في المشرق لأنه كان يخوض معركة مع العصور القديمة التي قادتها المسيحية القديمة حيث كان الله يتجسد في الآب الذي يضحي بابنه (المسيح) من أجل الانسان .. فقلب الاسلام الدور بين الانسان والله حيث صار الانسان يضحي بنفسه من أجل الله (الآب والروح القدس) .. في الحالة الاولى يكون الانسان أنانيا فيضحي بابن الاله وفي الثانية يكون الأب أنانيا حيث سضحي الانسان من أجله وفي سبيله .. ..
وعلينا اليوم ان نراجع دورنا في التاريخ من خلال التاريخ الذي درسناه عن الصراع مع الآخر .. وعلينا أن نبدأ بناء الكون الاسلامي الجديد ببناء نقد كامل للكون القديم الذي عشنا فيه .. لاأعني بالنقد هنا أن نكيل السباب والشتائم للتراث لاهانته وتحميله مسؤولية هذه الصدمة الدينية واعتبار أن داعش والنصرة والقاعدة والحركات الاسلامية والاخوان انما كانوا يغيرون علينا وهم على صهوات التراث وكتب السيرة والحديث .. ويضربون اعناقنا بسيوف الصحابة وآل البيت والتابعين .. ففي هذا المجال ستجدون شتى الناس وشتى الملل والنحل والجنسيات وهو يضربون في التراث ويهدمونه بعضهم صادق مثل أولئك الباحثين العرب الذين يريدون محاكمة التراث وحبس التراث الرديء في أقفاص العقل .. وبعضهم عن سوء نية من سلمان رشدي الى القس جونز الذي أراد أن يحرق القرآن الى النائب الهولندي خيرت فيلدرزت وجورج بوش وحتى الرئيس دونالد ترامب الذي يباهي باحتقاره الاسلام وكادت ابنته وزوجته تسيران عاريتين قرب قبر النبي امعانا في احتقار الاسلام والمسلمين ..
وماأقصده بالنقد هو نقد الطريقة التي كنا نفكر فيها ونفسر فيها علاقة التاريخ والجغرافيا والانسان في الشرق .. احدى التساؤلات التي يجب أن نجيب عليها كمجتمعات مسلمة هي تحديد ان كان المسلمون في حروبهم على الجغرافيا منذ انطلاق (الفتوحات) وحتى حروب التحرير الدفاعية .. هل كانوا كانوا يدافعون عن دينهم أم عن أرضهم؟؟ ..هل انتصر الانسان من أجل الجغرافيا (أو الوطن) أم من أجل الدين (الاسلام)؟؟ ..

هذا الكلام ليس دعوة للكفر وللهرطقة كما سيقول الاسلاميون لكنه دعوة صريحة لأن نملك شجاعة السؤال ان كان الاسلام هو الذي حمى الوطن طوال هذه الفترة التي تمدد فيها الدين على هذا الشرق منذ 1500 سنة أم أن الوطن هو الذي حمى الاسلام .. ؟؟

فالمؤرخون يقدمون لنا حروب المسلمين على أنها حروب من أجل الاسلام وليست من أجل الأوطان .. فالفتوحات كانت من أجل الله ورفع راية الاسلام التي قام بها عرب الجزيرة العربية وليس لأن عرب الجزيرة أرادوا تحرير العرب في بلاد الشام والعراق أبناء عمومتهم وقرروا مساعدتهم ضد الاحتلال الروماني مثلا لأن هذا يعني انتقاصا للحرب المقدسة وتصبح الفتوحات دنيوية واقل قدسية لأنها ليست لاهوتية .. ويقدم لنا المؤرخون معركة اليرموك على أنها معجزة خالد بن الوليد وليس لأن جيش الروم كانت فيه ثغرة انتماء لأنه ضم مقاتلين عربا مسيحيين من بلاد الشام وهؤلاء لم يقاتلوا بل أعانوا اخوانهم القادمين ولو أن هؤلاء القادمين كانوا يحملون في جعبتهم دينا جديدا .. وأن سكان البلاد المسيحيين فتحوا لهم أسوار دمشق دون قتال لاحساسهم أن الفاتحين عرب وأقرب اليهم من الروم المسيحيين .. بل ان حركة التاريخ السريعة في تمدد المسلمين في شمال افريقيا بسرعة قياسية لايمكن تفسيرها الا بأن سكان البلاد لم يقاوموا القادمين لدوافع أخرى غير ميلهم للدين الجديد أو الخوف من سيوف القادمين الذين يحملون دينا مختلفا لأن الجغرافيا وهبت رحمها للتاريخ ليلقحه .. والدليل أن الاسبان ظلوا على مسيحيتهم بعد دخول الجيوش المسلمة رغم ثمانية قرون من الوجود الاسلامي .. وان الفرس والأتراك وبلاد الهند والسند دخلوا الاسلام ولكنهم لم يغيروا لسانهم ولغتهم ..

وفي مرحلة الحروب الصليبية يصر المؤرخون على أن الهاجس الاسلامي هو الذي حرر بيت المقدس وأن المسلمين كانوا مسكونين بفكرة فريضة الجهاد لتحرير أرض الاسلام من الغزو الصليبي الذي شكل استفزازا دينيا .. اي أن استرداد الأرض كان لاعادة الاسلام اليها وليس لاستعادتها كوطن مسلوب من غرباء .. فالجهاد فرض عين أو فرض كفاية للدفاع عن أرض الاسلام وكأن الأرض لايمكن أن ندافع عنها طالما انها ليست للاسلام .. وهذا ماخلق الاشكالية الكبرى لدى أجيال متتابعة لأن الجهاد مرتبط بالدفاع عن الاسلام وليس عن الأرض ..
ولكن لايجيب أحد عن سؤال سبب غياب المجاهدين الباكستانيين والأفغان والشيشان والفرس والتركستان عن معركة حطين وعن كل حروب التحرير التي يفترض أنها حروب دينية مقدسة من أجل الاسلام فقط .. بل على العكس كان هناك مسيحيون عرب يقاتلون الى جانب صلاح الدين واشهرهم عيسى العوام .. والأهم أن جيش صلاح الدين تشكل من ابناء بلاد الشام والعراق ومصر في غالبيته الساحقة .. ورغم كل الاشارات العنصرية ضد العلويين والاسماعيليين في فترة الحروب الصليبية فان لاأحد يسال عن سبب الحروب التي قام بها العلويون ضد المحتلين الصليبيين الذين فقدوا 11 أميرا من كبار أمرائهم في تلك الحروب .. أي أن الحروب الصليبية التي قادها في النهاية وحسمها شخص كردي كانت حروبا وطنية وحروبا من أجل الجغرافيا الوطنية وليست من أجل الاسلام والا لكان بيننا مقاتلون مسلمون شيشان وايرانيون وهنود .. وهذا لم يكن أبدا .. ومن جديد يتدخل المؤرخون ويخفون الحقيقة .. فيقولون بأن تلك الحروب اختصرت تاريخيا في أنها حروب بين المسلمين والصليبيين .. ولكن هل حقا كانت بين دينين مختلفين أم بين وطن وغزاة؟؟ ..

لاندري ان كان لتركة وذكريات الحروب الصليبية أي أثر على مفهوم الأرض والدين .. فالغزو الصليبي كان انتصارا لدين آخر ضد دين المجموعة السكانية التي كانت في بلاد الشام وكانت مسلمة .. وهذا ربما مزج بين مفهوم الأرض والاسلام .. فصار الدفاع عن الاسلام دفاعا عن الأرض وصار الدفاع عن الأرض دفاعا عن الاسلام .. فامتزج المفهومان وصار الجهاد دفاعا عن أرض الاسلام .. وليس عن الأرض .. ولاأدري ان كانت الحروب الصليبية ستتوقف اذا ماأسلم الصليبيون وبقوا في الأرض لأنهم مسلمون ويحق لهم البقاء في أرض الاسلام حتى لو كانوا يتكلمون لغات مختلفة ولهم عيون زرقاء ووجوه شقراء .. حتى وان كانوا غرباء على سكان تلك الأرض ..

في الحرب على سورية تجلت عقدة تقاطع الكونين الاسلاميين القديم والوليد .. فالاسلام الوليد يريد أن يتحرر من اسر المفهوم التقليدي للاسلام بأنه يملك الأرض ويسمها بأنها (أرض الاسلام) وهي التي تحميه لأن الناس يقاتلون لحماية الجغرافيا التي يعيش فيها الاسلام .. وهذه الأرض ثمرة من ثمار الاسلام .. المفهوم الوليد للاسلام يرى أنه يجب أن يقاتل بالاسلام من أجل حماية الأرض التي يستوطن عليها وتحميه كثمرة من ثمارها .. وان الأرض هي التي تبقى وهي الثابت .. وبقية الأشياء هي المتحول .. بما فيها علاقة الله بالانسان وعلاقة الانسان بالله .. أي بما فيها الاسلام نفسه ..

من جديد .. السؤال الذي يجب ان نطرحه الآن هو: هل يدافع المسلمون عن دينهم أم عن أرضهم عندما يواجهون عدوا.. أو هل حارب المسلمون في التاريخ دفاعا عن دينهم أم عن أوطانهم؟ وهل خسر المسلمون اسبانيا لأنهم اعتبروا خروجهم منها معركة دينية وليس خسارة لوطن كان لهم لثمانية قرون كانت أطول من أعمار ممالك أوروبية؟؟ وهل كنا نحرض الناس في حروبنا للقتال باثارة حميتهم الدينية وغيرتهم على الاسلام أم باثارة حميتهم الوطنية للأرض والجغرافيا بغض النظر عن دينهم؟؟

وهذا السؤال الاشكالي طرحه اليوم قبول الاسلاميين في الربيع العربي من منطق ديني صرف انهم لم يكونوا يدافعون عن أرضهم (التي يطلق عليها الوطن) بل كانوا يدافعون عن دينهم الذي احتكر كل الولاءات له بما فيها ولاء الجغرافيا والأرض والانسان .. ولذلك تحول اي عدو يريد الأرض الى صديق طالما أنه سينصر الدين الذي يدينون به .. وهذا مايفسر قبول جميع الحركات الاسلامية السياسية بما فيها حماس هيمنة العنصر التركي على القرار الوطني السوري أو المصري لأنها ستفضي من وجهة النظر الاسلامية الى هيمنة دينية وانتصار للدين .. وكذلك قبلت جبهة النصرة وجيش الاسلام بعلاقات وتنسيق وتعاضد وتنسيق مع الجيش الاسرائيلي بلغ حد التكبير شكرا لله على الغارات الاسرائيلية على الوطن (الكافر اللامسلم) .. لأن الجيش الاسرائيلي يريد من الاسلاميين الأرض ثمنا لتقديم مساعدة لنهضتهم الدينية التي ستصون الدين وطقوسه وخصوصيته السنية التي صارت ترى أن العلمانية خطيرة على الاسلام ككل كما هي ولاية الفقيه تتحدى التراث السني التقليدي .. وبلغ الأمر مبلغا مأساويا عندما منع الناس من الدعاء لحزب الله في حربه مع اسرائيل بل والدعاء لاسرائيل في الانتصار على حزب الله والجيش السوري .. ووجد الاسلاميون ان الاسلام أهم من الأرض ومن عليها فتم التنازل عن الأرض حيث تخلى الاخوان المسلمون عن لواء اسكندرون لتركيا وأرسلوا كمال اللبواني الى تل ابيب ليتخلى عن الجولان وعن فلسطين عموما .. وكذلك فعلت حماس بالتخلي نظريا عن ثلثي فلسطين في ميثاقها الأخير وذلك في سبيل بقاء الحركة الاسلامية التي تريد اعادة احياء الدين وحكم الدين تحت عنوان (فقه البقاء لا في الأرض بل في السماء) .. وكذلك قبل الاسلاميون بفتوى القرضاوي أن النبي محمدا لو بعث الآن لوضع يده في يد الناتو الذي سينصب الاسلاميين في السلطة .. اي أن غاية الاسلام هي انتصار الدين ولو رمزيا حتى ولو خسر الأرض .. لأن همّه هو الدين وليس الحفاظ على الأرض .. على أساس أن التعاقد مع الناتو سيكون مشروطا بأنه من أجل الدفاع عن دين الاسلام وحكم الاسلام وحقه في السلطة (أو نهج الخلافة) وليس عن أرض الوطن .. لأن الاسلام أهم من الوطن ..

في الحروب الوطنية العظمى يتراجع الدين وتنتصر ثمار الجغرافيا للجغرافيا وهذا يضعنا امام سؤال خطر آخر هو ان كانت الأقليات التي قاتلت في المنطقة تنتمي الى الأرض اكثر من القوى الاسلامية التي تنتمي الى الدين قبل الأرض وترى ان الأرض تخدم الدين وليس العكس .. فاذا قاتلت الأقليات من أجل بقاء الأقلية واستمرارها الوجودي المحدود ككينونة لها شخصيتها وأطوارها المذهبية التي تحدد هويتها فان هذا يضعها في نفس مستوى الاسلاميين الذين باعوا الأرض من أجل الاسلام .. أما اذا كانت قاتلت من أجل الأرض وفي سبيل الأكثرية والبقاء مع الأكثرية في جغرافيا واحدة فان هذا سيضعها في مرتبة متفوقة ورفيعة وطنيا لأنها تخلت عن ولائها الديني من أجل الأرض والجغرافيا والانسان .. أي من أجل الوطن الذي كان أهم من هوية الطائفة أو المذهب أو الأقلية ..

وهذا السؤال يقودنا لنقف أمام أمام سؤال ماكر عن تجربة حزب الله ومدى انسجامه مع ولاءاته اللاهوتية وراياته التي تتمحور حول مدرسة فقهية تتبع لآل بيت رسول الله وبين شعاراته الوطنية .. وهنا نحاكم حزب الله مثلا بما فعل في الحرب على سورية لأنها الاختبار الحقيقي والمعيار الذي لايخطئ .. حيث أن الحرب في سورية أخرجته خارج جغرافيته المحدودة في جنوب لبنان ودخل ضمن جغرافيته الكبرى التي تنسجم مع مفهوم (الأرض قبل الاسلام) .. فلاشك ان حزب الله تمكن من النجاة من مطحنة الأديان ومطحنة التاريخ لأنه حتى هذه اللحظة لم يقاتل من أجل أرض شيعية أو اسلامية وكان بامكانه أن يقوم بصفقة مع اسرائيل أو الغرب من أجل حماية كيانه ككيان شيعي ويتصرف ويناور ويترك الجغرافيا نهبا لمن يريد من أجل رفع راية الحسين .. ولكن منظري الحزب يدركون أن راية الحسين لامعنى لها اذا ارتفعت فقط من اجل حماية المذهب دون جماية الأرض .. وقد ثبت من انتشار حزب الله من دمشق الى حلب أن مفهومه للقتال له مفهوم وطني متغلب على مفهومه المذهبي الضيق و يقصد به الأرض والجغرافيا والانسان .. وهو يسخّر الاسلام الشيعي من أجل الجغرافيا الوطنية الشاملة التي يعيش فيها السنة والشيعة والتي تعتبر وطنه الكبير ومجاله الحيوي ولايزال تحركه في الفضاء الجغرافي الوطني لسوراقيا التي صارت فوق الأديان وفوق شعار (أرض الاسلام) وهي جغرافية الشرق التي تتعرض للانتهاك من قبل الغرب الغريب وأعضاء الناتو والمعتدي على كل مكونات الشرق وجغرافيته .. المسلمة والمسيحية وكل الأقليات وكل الأكثرية .. وسينهار حزب الله بسرعة ولن يتمكن من التأقلم مع تطور التاريخ اذا تخلى عن علاقته القوية بالجغرافيا والتاريخ والانسان في كل الشرق لصالح علاقته بالدين والمذهب وصارت حروبه فقط من أجل انتصار مذهب على مذهب .. أو دين على دين .. وعندها لن يكون هناك فرق بين حزب الله وجبهة النصرة وجيش الاسلام .. أو داعش .. ..
ان هذه الحرب الكبرى يجب أن تكون فرصة لاتفوت لاعادة تعريف الاسلام اليوم .. فالاسلام الجديد لايريد أن يقول بأنه سيوقف الطواف حول الكعبة بل سيبقى لصيقا بها ولكن في التعريف الجديد للاسلام فان الكعبة هي التي ستبدأ - معنويا - الطواف حول الانسان كقيمة عليا لخلق الله .. وهذا ينسجم جدا مع مقولة النبي الكريم (لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون على الله من قتل مسلم ..) وهذا دليل على أن الانسان الجديد الذي أطلق زمنه النبي - أي المسلم - كان في رأي النبي أهم من الكعبة ذاتها وأنها يجب أن تقدم حجارتها قربانا وفداء للانسان .. وأنه محور الكون الذي يجب أن يكون .. فهل نبني الكون الاسلامي الجديد من حجارة هذه الحرب؟؟ وهل نعيد بناء الكعبة التي هدمها الاسلاميون بقتلهم للانسان؟؟ بل هل نبني الانسان الجديد من حجارة هذه الكعبة؟؟

الكون الاسلامي القديم الذي نهض بأول وأكبر امبراطورية اسلامية من دمشق بدأ يتشقق ويتصدع بعد 15 قرنا .. ولم يعد قابلا للحياة .. وليس أمامه من سبيل الا أن يترجل عن صهوة الزمن ليعتليها الكون الاسلامي الجديد الذي وللمفارقة يبدأ رحلته الطويلة نحو المستقبل من نفس العاصمة .. دمشق .. التي تنتصر .. وستقدم للعالم انبلاج الكون الاسلامي الجديد .. حيث الكعبة تطوف حول الانسان .. وحيث كل انسان هو حجر من الكعبة .. ليزرع قلب الاسلام العتيق في جسد جديد ..

Image may contain: night and sky
وحيد الدهر   لا فض فوك   June 11, 2017 1:25 AM
لا فض فوك......روعة.....خلاصة الخلاصات....عصارة العصارات....

كيف يهزم وطن فيه قلم بالف رمح، مثل قلم نارام، بالله كيف؟!!

وكيف تنتصر أقوام النفط النتن وليس فيهم قلم ولا رمح ولا ذرة فهم، او إدراك او ذرة عقل؟!

hamed   coment 1   June 11, 2017 11:18 AM
Does religion defend the homeland or the homeland defend the religion ,abstract sentence but it carry inside it the same morality and mentality ,which both distract the attention from the education to respect the homeland where the citizen feel free comfort and necessary ,enjoying the right of the citizenship , freedom and social rights , Our superstructure should not remain captives of the one dogmatic thinking .There are problems and serious errors which our ministry of education and the muselms religious scholars should resolve,. they should not leave the education over the hands of ignorant and obscurantists persons ,castrated persons who resort to the aggressiveness and the hatred for the other destroying the mentality and the morality of the entire society ,dumping it by prejudices taboos superstitions vengeance hatred and discrimination They have make to recover the roots civilization and our historical memory not to repeat as parrots we were great even the idiots can say .Our history and its outstanding men is buried under the pretext of sacred ,taboos to dig in it is realities , the result mind limited no get benefit from the history like vegetative , poor culture and absence the adventure sense

سامي المعلم     June 11, 2017 11:18 AM
مقالة متميزة ، ننتظر أمثالها منك في العمق وتحليل أحداث التاريخ الكبري بهذا المفهوم الانساني الشامل ، وهى تمحو لك ذنب تشويه أجمل وأرقى وأنقى ليلة في عمر الانسان ألا وهى ليلة زفافه " دخلته أو دخلتها " في (لليلة ليلة دخلة ترامب على السعودية .. الله يعينه على هالليلة ).
تحياتي للكاتب الذي أنتظر مقالاته دائما ، والذي يقود مع غيره من بعض الكتاب القلائل Arab times لتكون صحافة الكترونية جيدة في زمن ملئه الانتاج الغث والردئ.

hamed   coment 2   June 11, 2017 11:20 AM
Your introduction about other civilization seems that it carry inside it the attention to make soft your subject which pretends that muselms faithful should have the honest responsibility to change the repudiable discourse of the political and the factional which was imposed over them by rascals worthy to be isolated as rabid ones , The attempt to gain the approval of others subtract effects to your article ,because those have no critical faculty ,concentrated only in their fanatic and obsessive idea they will use your introduction to justify their psychopaths actions , Don’t you see that they don’t know the history neither the civilization of our people , it is sufficient for them to rub them from their mind by two sentences JAHILIYAH and the history and the monuments are against alislam and intervenes in God attributions please consider my comment as a good intentioned democratically exposed

thesyrian   واحده من اروع.....   June 11, 2017 8:27 PM
هذه واحده من اروع ماقرأت من قلمك الشامخ استاذ نارام. نعم لو اراد حزب الله ان يرتاح من خلال دعم اسرائيل له لفعل، ولكن ابى الا ان يحقق النصر الالهي عى اسرائيل ليس فقط على حدود فلسطين المحتله لا وبل مند داخل الاراضي السوريه ومن خلال مندوبيها النصره وداعش واخواتها، لقد عاهد الله ونفسه الا ان يكون عصيا على اعداء الله والوطن بوركت سواعدك نصر الله واشكرا الكاتب المميز نارام الذي لا يقل نضاله من خلال قلمه عن نضال حزب الله والجيش العربي السوري وقائده المقدام الدكتور بشار.
شكرا نارام شكرا .

عادل   الاسلام الجديد   June 12, 2017 9:20 PM
انا أظن انه لن يكون هناك اسلام جديد على الإطلاق. الاسلام خلق ميتا ولكن المسلمين حملوا الوليد الميت ١٥ قرنا. ورفضوا ان يعترفوا بأنه ميت رغم رائحة التفسخ. الاسلام تحلل واختفى وما يحدث هذه الايام ما هو الا جنون السائرين في الجنازة. فترة قصيرة في عمر المجتمعات(٣٠ سنة في هذه الحالة) وينسى الجميع الميت.
اسبانيا لم تكن وطنا تركه المسلمين او خسروه. بل كان بلدا احتلوه.
أرجو ان لا تشهد دمشق ميلاد الاسلام الجديد كما أشار الكاتب بل أرجو ان تشهد دفنه والى غير رجعة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز