Arab Times Blogs
فهد الريماوي
44565
Blog Contributor since:
26 September 2012

رئيس تحرير جريدة المجد الاردنية

عرس الموت في كراكاس

رب اخٍ لك لم تلده امك، ورب شقيق ناصري لك لم تنجبه العروبة، ولم يُخلّفه عدنان وقحطان، بل ولد من رحم فنزويلا، وخرج من صلب سيمون بوليفار، ورضع من اثداء الاناناس في امريكا اللاتينية وليس من آبار النفط في الجزيرة العربية. رب نسر فنزويلي اسمه هوجو شافيز اخلص للعروبة من ابنائها، واوفى لفلسطين من اشقائها، واحرص على سوريا من "اصدقائها"، واقرب الى الناصرية من احبائها، واشجع في معاداة الامبريالية والصهيونية والماسونية من كل اعدائها.

مؤلم ان يغيب هذا الفارس النبيل في هذا الوقت العصيب، وان نقف بين يدي هذه المناسبة الحزينة خاشعين نذرف العبرات الحرى والعبارات الرثائية والجنائزية، مستذكرين فاجعة ناصرية اخرى دهمتنا من حيث لا نحتسب، يوم رحيل "ابو خالد" منذ نيف واربعين عاماً. مؤلم ان يرحل شافيز، ثاني قائد ناصري في التاريخ بعد جمال عبد الناصر، وصاحب اعظم تجربة في اقتباس الناصرية، وزرع مبادئها واشتالها في تربة امريكا اللاتينية، وترجمة معانيها وادبياتها وتطبيقاتها من العربية الى الفنزويلية، واغنائها بالجديد والمفيد من الاضافات والاجتهادات النظرية والعملية التي افرزتها طبيعة العصر ومستحدثاته.

مبكراً رحل شافيز شأن رائده ومعلمه عبد الناصر، فكلاهما رحل في ريعان الكهولة ولما يتجاوز العقد الخامس من العمر، وكلاهما اثار برحيله حزن الفقراء البسطاء والثائرين الشرفاء، وترك للخونة والعملاء والمستكبرين والرجعيين ان يتنفسوا الصعداء، فما شماتة امريكا واوروبا واسرائيل الراهنة بموت شافيز، سوى نسخة جديدة من شماتتها وتشفيها قديماً بموت عبدالناصر، وما فرحة عملاء واشنطن في كولومبيا وغيرها من دول امريكا اللاتينية بانزياح "كابوس" شافيز عن صدورهم، غير اعادة انتاج لفرحة عملاء تلك الواشنطن في السعودية وباقي دويلات الملح والنفط بانزياح "كابوس" عبدالناصر.

ولكن غاب عن اولئك العملاء الجهلاء الشامتين، ان العظماء قد يموتون ويغيبون، غير انهم لا يسقطون من ذاكرة التاريخ، ولا يُدفن تراثهم معهم ويُهال عليه التراب، بل يبقى حاضراً وساهراً ينتقل من عصر الى عصر، ومن قطر الى قطر، ومن قائد الى قائد.. وما انتقال الناصرية من الوطن العربي الى القارة الامريكية، وما اعتناق شافيز لها بعد عشرات السنين من رحيل مؤسسها، الا دليل على ان المبادئ والعقائد والافكار والمشاريع الكفاحية والتحررية العظيمة لا تموت بموت اصحابها، ولا تنزوي في ارشيف الفعل الماضي. يقول عبد الناصر في "الميثاق الوطني" الذي طرحه اوائل عقد الستينات ليشكل هادياً نظرياً للعمل الوطني والقومي انذاك : "ان التجارب الاجتماعية لا تعيش في عزلة عن بعضها، وانما تعيش، كجزء من الحضارة الانسانية، بالانتقال الخصب والتفاعل الخلاق.. ولقد انتقل مشعل الحضارة من بلد الى بلد، لكنه في كل بلد كان يحصل على زيت جديد يقوي به ضوءه على امتداد الزمان".

وعليه، فليجفف الشامتون تشفياتهم، وليكفكف المبتهجون ابتساماتهم، وليتوقف الواهمون عن معاقرة الاوهام.. فشافيز الجسد رحل فعلاً، ولكن شافيز الملهم والمعلم والرمز الثوري سوف يبقى حاضراً في اشواق المستقبل، وماثلاً في عموم امريكا اللاتينية، وخالداً في وجدان البشرية التقدمية، شأنه في ذلك شأن سائر الثائرين العظماء الذين انحازوا للكادحين، وتحدوا الطواغيت، وغيروا مجرى التاريخ. لقد تجرأ هذا الناصري البوليفاري على البعبع الامريكي المزمجر في واشنطن، ونازله على مدى اربعة عشر عاماً في عموم القارة اللاتينية، ثم ما لبث ان رفع راية العداء للصهيونية بمختلف تنويعاتها اليهودية والمسيحية والاسلامية، ودخل في "عروة وثقى" مع كاسترو الكوبي، وصدام العراقي، وبشار السوري، وبن بيلا الجزائري، وبوتين الروسي، ونجاد الايراني، ولولا البرازيلي، وموراليس البوليفي، وغيرهم من احرار العالم المغضوب عليهم امريكياً وصهيونياً.

ولعل تعامل هذا الثائر الاممي مع قضية النفط، ان يصلح درساً بليغاً لعربان الرمل والنفط، فهو لم يترك آبار هذا الذهب الاسود غنيمة للشركات الامريكية الشيلوكية، وفريسة للطبقة الرأسمالية الفنزويلية، بل سارع الى تأميم نفط بلاده منبعاً ومصباً، وعمد الى وضع عائداته في خدمة الطبقات المسحوقة، ولصالح التنمية والتحديث والنهوض القومي العام، وليس لتكريس التخلف، وشراء الاقلام، وانشاء الفضائيات، ونشر الفتن، وتأجير الجماعات الظلامية والارهابية القادمة من اقبية وكهوف القرون الوسطى.

غير ان اروع وابدع ما اجترحه شافيز، هو اعادة الاعتبار للاشتراكية التي هجرها الكثير من ادعيائها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ووضعها موضع التطبيق العملي والميداني في الرحاب الفنزويلي، وتشجيع اهل اليسار المحبطين على مراجعة انفسهم واستعادة يساريتهم، ثم تسفيه مزاعم المفبرك - وليس المفكر - الامريكي فرانسيس فوكوياما الذي فبرك اكذوبة "نهاية التاريخ"، وادعى ان التاريخ قد اسقط الفكر الاشتراكي من حساباته، واختار ان يجد نهايته بين يدي المذهب الرأسمالي والديموقراطية الغربية.

بالملموس، وعلى ارض الواقع، اثبت شافيز ان النظرية الاشتراكية ما زالت حية وضرورية رغم تداعي تطبيقاتها السوفياتية، وان القلاع الرأسمالية ما زالت مأزومة وملغومة رغم بريق مظاهرها الخارجية فبينما كان هذا الربان الماهر يحرز النجاح في ارساء معالم مشروعه الاشتراكي، انهارت قلعة الرأسمالية العالمية في وول ستيرت، واوشكت امريكا عام 2008 على السقوط في قعر الافلاس، مستتبعة في ذلك شقيقاتها الاوروبيات، بدءاً من اليونان، ومروراً بايطاليا، وانتهاء باسبانيا.

يكفي شافيز فخراً ومجداً وخلوداً، انه قد اعاد التوازن للفكر العالمي، فلم يتركه نهباً للادعاءات الرأسمالية، وصحح الاتجاه لبوصلة التاريخ الانساني، فلم يتركها اسيرة لتحشيشات فوكوياما، ووضع فنزويلا على خارطة الاهتمام والاحترام في سائر ارجاء المعمورة، بعدما كانت نسياً منسياً وبلداً بعيداً وقصياً، ناهيك عن رفضه العنيد لتلقي العلاج المتقدم في المستشفيات الامريكية والاوروبية، حتى وهو يعلم ان مخرز السرطان يفتك بجسده، وان ملاك الموت في انتظاره.

يا لحزننا المرير على فراق هذا الاخ الذي لم تلده امهاتنا، وهذا القطب الناصري البوليفاري الذي احتفى بالعروبة بعدما نسيها اهلها، وناضل بجد واجتهاد لاحياء المفهوم الاممي التقدمي في مواجهة ذئاب العولمة الامبريالية، وفضح حقيقة الديموقراطية الامريكية الزائفة التي حاولت مراراً اغتياله وقلب نظام حكمه، رغم انه وصل سدة الحكم بالاختيار الشعبي الحر وعبر صناديق الاقتراع.

ويا لخجلنا الشديد من عار حكام امتنا الرعاديد الذين اقعدتهم الخسة والشماتة والنذالة والعمالة لواشنطن عن المشاركة في جنازة هذا القاٌّئد المقدام، وعن تقديم بعض الوفاء له والعزاء لشعبه لقاء ما قدم لفلسطين والعروبة من مواقف وخدمات ومساعدات جليلة لا ينكرها الا الزناديق والبناديق واولاد الحرام !!

ويا لسوء حظنا برحيل قادة التحرر الوطني مبكرين، ومرورهم بمحطات الحياة مرور الكرام المسرعين، فلا يلبثون فيها الا قليلاً.. ربما لانهم يؤثرون خدمة شعوبهم على صحتهم وراحتهم، ويرهقون انفسهم في مزاولة الاشغال الشاقة، ويستنزفون عصارة عقولهم وحيوية اعمارهم باكثر من طاقة البشر.. وقد سبق لعبد الناصر ان اضاء هذا المعنى حين قال.. اشعر انني شمعة تحترق من طرفيها وليس من طرف واحد.



(404180) 1
why?
hamad
"ناهيك عن رفضه العنيد لتلقي العلاج المتقدم في المستشفيات الامريكية والاوروبية، حتى وهو يعلم ان مخرز السرطان يفتك بجسده"لماذا لا يوجد علاج متقدم الا في الدول الرأسمالية؟!!!!
March 19, 2013 12:11 PM


(404230) 2
العزاء الوحيد أن نأخذ العبر
Ahmad Sami
لقد استطاعوا أن يبطئوا من قيامنا وقعودنا في عصر الناصرية ولكن لا يستطيعوا أن يقضوا علينا.
الرجعية العربيه التي احتلت بلادنا بمساعدة الامبريالية العالميه ستنكفيء بخبرة الشعوب المقهوره والتي تسعى الآن جاهدة لاستعادة مجدها في استلام زمام المبادره في الحريه والاشتراكيه والوحدة.
March 19, 2013 9:30 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز