Arab Times Blogs
د.يحيى أبوزكريا
abouzakaria10@gmail.com
Blog Contributor since:
08 March 2010

كاتب عربي من الجزائر

تونس من الثعالبي وإلى الغنوشي ج 5

 كان الحبيب بورقيبة يوصف بأنّه الصديق الحميم لفرنسا ووطدّ علاقات تونس بالمحور الغربي وهو ما جلب له السخط من قبل بعض جيرانه ومن قبل العديد من الدول العربية .

ولم يكتف الرئيس الحبيب بورقيبة بتكريس العلمانية بشكلها الغربي والمتوحش بل ألغى كل قوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية , كقانون تعدد الزوجات والإرث والطلاق وحتى فريضة الصوم أراد إلغاءها بحجّة أنّ الصوم يضعف الإنتاج .

وفي عهد الحبيب بورقيبة ازدهر دور الجاليّة اليهودية في تونس وخصوصا بعد أن أصبح بعض اليهود التونسيين وزراء في أول حكومة تونسية ومنهم ألبير بسيسي وتجدر الإشارة إلى أن أندري باروش مؤسس الحزب الشيوعي التونسي هو من اليهود التونسيين .

وهذا الاتجاه السياسي الذي تبنّاه الحبيب بورقيبة ساهم إلى أبعد الحدود في انبلاج التيار الإسلامي الذي حمل على عاتقه لواء المحافظة على الهويّة المصادرة و القيّم الضائعة وقاوم بكل ما أوتيّ من إمكانات الغزو الفكري والمسخ الثقافي لتونس .

وفي سنة 1970 وفي جامع سيدي يوسف بالعاصمة التونسية التقى راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو لتقديم مفاهيم عن البديل الإسلامي في مواجهة البديل التغريبي (1).

ويذهب بعض الباحثين ومنهم الدكتور إبراهيم حيدر علي إلى القول بأنّ التغريب في تونس ليس وليد البورقيبية , بل أنّ احتكاك تونس بالحضارة الغربية تمّ في مرحلة متقدمة من العهد البورقيبي , وتعتبر تونس ومصر من أقدم الدول العربية في احتكاكها بالحضارة الغربية ومحاولة تبنيّ عناصرها العملية والمفيدة فيما يخص المؤسسات والوسائل المادية (2) .

والصراع بين القديم والجديد , وبين الأصالة والمعاصرة , وبين الأسلمة والتغريب ظاهرة

لا تقتصر على تونس وحدها بل هي ظاهرة عمّت البلاد العربية والإسلامية نظرا للغزو الاستعماري الغربي لهذه البلدان .

 (1)           أنظر كتاب الإسلام الاحتجاجي في تونس لمحمد عبد الباقي الهرماسي .

(2)            أنظر كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية لإبراهيم حيدر علي .

 وكانت الجيوش الاستعمارية تحمل معها قبل الذخائر الحربية المشروع الثقافي والفكري والإيديولوجي الذي كانت تعدّه سلفا وزارات الخارجية والاستعمارية الغربية في ضوء ما لديها من معلومات عن الخصوصيات العربية والإسلامية والتي أستطاعت أن تحيط بها من خلال حركة الجواسيس والبعثات الاستكشافية الغربية المكثفّة إلى بلادنا .

وكان استراتيجيو الحركات الاستعمارية يتصورون أنّه عندما يسود الفكر الذي يحملونه معهم إلى البلاد المحتلة فانّ هذا من شأنه أن يسهلّ عملية الغزو ويجعل الناس ترضخ للإرادة الاستعمارية .

وفي المغرب العربي فانّ السلطات الاستعمارية الفرنسية كانت تقوم بتشييد المعاهد التعليمية لا حبّا في تثقيف الناس والقضاء على الأمية , بل إنّ هذه المعاهد كانت تضطلع في تكوين النخب المثقفة التي تؤمن بفكر المستعمر  .{ وفي تونس على وجه التحديد كان هناك تنافس كبير بين المدرسة الصادقيّة التي أنشئت عام 1875 وجامع الزيتونة  , وهو صراع بين رمز المشروع  التحديثي كما جسدته المدرسة الصادقيّة والتي كانت تنتج كوادر الدولة المتخصصة لإدارة الدولة والمجتمع في مواجهة جامع الزيتونة الذي يحاول الإبقاء على الأمر الواقع أو العودة إلى الماضي الذهبي }  (1) .

وهذا الصراع انعكس سلبا على الحركة الوطنية التونسيّة التي أنقسمت على نفسها بين شخصيات تؤمن بالثقافة العربية والإسلامية وجدواها في الحياة السياسية وتسيير شؤون الدولة وحملة الثقافة الفرنسية الذين أبدوا انبهارهم بالمشروع الثقافي الغربي ومع هؤلاء تفاوضت الحكومة الفرنسية عندما أرادت أن ترفع يدها عن تونس لتتفرغّ للثورة الجزائرية.

وعن هذه المرحلة يقول الهاشمي الحامدي : أنّ الانشقاق الذي حدث في الحركة الوطنية أدّى الى قيام الحزب الحر الدستوري الجديد الذي أصبح الحبيب بورقيبة سكرتيره العام في آذار – مارس 1934 , وضم ّ الحزب القديم خريجي الزيتونة والشخصيات ذات الميول العربية والإسلامية , بينما جمع الحزب الجديد المثقفين الجدد من المدرسة الصادقية والمعاهد الثانوية الخاصة وجامعات باريس . (2)

(1)    الدولة والمسألة الثقافية في تونس للمنصف ونّاس . (2) أنظر أشواق الحرية : قصة الحركة الإسلامية في تونس للهاشمي الحامدي .


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز