المستشار محمد سعيد العشماوي
saidalashmawy@hotmail
Blog Contributor since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

 More articles 


Arab Times Blogs
صراع الامم ... دراسة في حلقات ... ج 15

لم يعد النظام الدولى ، ولا الدبلوماسية الحديثة ، ولا المخابرات العصرية ، لتسمح بالمواجهات الصريحة ، أو العبارات الحادة ، أو التصرفات الفجّة ؛ لكنها تنتهج نهجا آخر ، يجرح ولا يسيل دما ، ويقتل والقتيل يرقص ، مجنونا من الفرح أو مذبوحا من الألم . وينجح هذا الأسلوب أكثر وأكثر فى البلاد الدكتاتورية والشمولية ، حيث لا يكون الحكم والقرار والتصرف فى أيدى مؤسسات متعددة وفى دوائر متغيرة ، يصعب إن لم يكن من المستحيل ، أن يحدث إختراق لها جميعا وتأثير عليها كلها . وحيثما يكون الحكم والقرار والتصرف فى يد شخص واحد ، أو حتى مجموعة من الأفراد ، فإن الإختراق يكون أسهل والتأثير يكون أشد . وهو مع ذلك ، لايحدث مباشرة ولا يقع بخشونة . لكنه يلجأ إلى دراسة الحاكم المطلق ، أو المجموعة التى تتحلق حوله ، ويعرف مواطن الضعف فيه وفيها ، ومكامن الوهن عنده وعندها ، ومناطق الإستهواء لديه ولديها ، ثم يدخل إلى هذه المناطق والمكامن والمواطن ، بهدوء وأناة ودهاء حتى يصدر عن الحاكم ما يريده الخصم من  قرارات  أو تصرفات ، وهو يظن – وأكثر الظن جهل – أنه حر القرار طلِق التصرف ، مع أن واقع الحال الذى قد يراه الغير واضحا مؤكدا ، أن هذا الحاكم يرقص على الأنغام التى أرسلها عدوه ، وأنه أصدر القرار وأنجز التصرف الذى ينصب له المقصلة ، ويؤدى بشعبه إلى التهلكة ، فى حين أنه هو وشعبه يظنان كل الظن أن لا تغابن ولا هزيمة ولا فناء .

والذى يريد تطبيقا واضحا عمليا لذلك ، عليه أن يقرأ كتاب " لعبة الأمم " للأمريكى مايلز كوبلاند
 Miles Copland ; Game of Nations .
ذلك بيان (Statement) لابد منه ، حتى يدرك القارئ ما وراء الأحداث التى جرت ، والتى تجرى ، لتؤجج ما يُسمى بصراع الأمم ، حيث تعمل بعض الأمم دون ضجيج ، وتضج بعض الأمم دون عمل .

(ع) وقَر لدى الغرب ، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إبتداء ، أن السياسة الخارجية التى تحددت أثناء حكم الوفد فى الفترة من 1950 حتى 1952 هى التى تعبر عن رغبات الشعوب العربية ، وتبلور آمالها وتعبر عن أحلامها ؛ وأنه إذا كان الوفد صاحب الشعبية الضخمة فى مصر كبرى البلاد العربية لم يستطع تجاوز هذه الأحلام وتلك الآمال ، بل إنه أكدها وشدد عليها ، فإنه لن توجد حكومة أخرى ، أو رئيس آخر ، يمكنه أن يتجاوزها أو يتخطاها أو يتعداها ؛ بل على العكس من ذلك ، سوف تحدث مزايدة على هذه وتلك ، قد تصل إلى أقصى نطاقات المبالغة . هذه السياسة على ما سلف ، هى جلاء القوات الأجنبية من مصر والبلاد العربية ، ورفض وجود قواعد أجنبية ، وعدم الموافقة على دخول أحلاف مع الغرب ، وتقوية العلاقة مع الإتحاد السوفييتى لموازنة قوى الغرب .

كان الأمريكيون قد عُنوا بالشرق الأوسط منذ عقدوا مع المملكة العربية (السعودية) عام 1935 عقود التنقيب عن النفط ، وإذ أدت ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى إنتشارهم على المستوى العالمى ، فقد لوحظ تزايد الوجود الأمريكى فى مصر خلال الفترة من 1950 حتى 1952 ، ورصد الأمريكيون واقع الحال فى مصر فى النقاط التالية :

 الملك فاروق لا يُعنى بمسئوليات الحكم قدر إهتمامه باللهو والعبث الذى ينزع إليه من يملك الشباب والفراغ والجِدَة ، وهم كما يقول الشاعر ، مفسدة للمرء أى مفسدة !

 مصطفى النحاس زعيم الوفد ، وزعيم الأغلبية آنذاك ، رجل صلب متمسك بأهداف ثورة 1919 ، التى هى أساس زعامته ، ولا يستطيع أن يتجاوز هذه الأهداف برؤية بعيدة ، تستشرف آفاق المستقبل ، وتتعرف على الواقع الجديد الذى صارت فيه القيادة الغربية للولايات المتحدة ، وتدفَّق النفط فى بلاد عربية دون أن يظهر فى مصر ، وقَوىَ النفوذ الماركسى الذى طفق مدة ينتشر إلى بلاد العالم واحدة بعد الأخرى  ، وأنشئت دولة إسرائيل على الحدود الشرقية لمصر .

 زعامة الوفد وقعت تحت سيطرة كبار ملاك الأراضى الزراعية ، وهم عائلات محدودة ، تقف بقوة ضد أى إصلاح يستهدف إرضاء المزارعين والعمال وصغار الموظفين ، الذين يشكلون الغالبية من أبناء الشعب المصرى ، خاصة أن اتساع نطاق التعليم وانتشار مداه ، بعد معاهدة 1936 ، فتح أبواب الجامعات والكليات العسكرية أمام أبناء هذه الطبقة العاملة ، بما زرع فيهم طموحات للإصلاح الإجتماعى ورغبات للمساواة مع الآخرين وتطلعات إلى المساهمة فى الأنشطة الحكومية والمجالات الصناعية والأسواق المالية ، وهى طموحات ورغبات وتطلعات كان لابد من أن تُفتح لها آمال التحقيق ، حتى لا تتحول إلى العنف والتدمير والتقويض.

 نتيجة لوقوع قيادة الوفد ، حزب الأغلبية ، تحت تأثير قوى الملاك ، وأصحاب الثروات ، فقد نشأ فى الوفد جناح ماركسى ، يتزعمه بعض الشباب من قيادييه ، تسمى باسم الطليعة الوفدية ، وحمل أفكاراً ماركسية وإتجاهات شيوعية ، الأمر الذى كان يؤدى ، إن تُرك الحبل على غاربه ، وتُركت الأمور تسير فى مجراها ، أن تصل هذه الطليعة إلى قيادة الوفد ، وزعامة الشعب ، فتحول مصر إلى دولة ماركسية وتجعل منها قاعدة شيوعية ، بما يستتبع ذلك ضرورة أن تصبح البلاد العربية ، على نحو أو آخر  ، ضمن النفوذ السوفييتى (وهو ما حدث فعلا إلى حد كبير ، خلال الستينيات والسبعينيات) .

ولأن أهداف الوفد كانت تتحصل أساسا فى إنهاء الإحتلال البريطانى وإلغاء النظام الملكى ، فقد سألت كبار رجال الوفد (الذين كانت لى بهم علاقات وطيدة) عن سبب رغبتهم ودعوتهم إلى التخلص من الملَكِية ومن الإحتلال معا ، فى حين أن المنظومة السياسية آنذاك كانت تقوم على مثلث أضلاعه الوفد ممثل الشعب ، والإحتلال صاحب القوة التنفيذية ، والملك رمز الشرعية للدولة والحكم ، فأجابنى كل من فؤاد سراج الدين ومحمد صلاح الدين وإبراهيم فرج بأنهم كانوا يهدفون إلى إجلاء البريطانيين وإنهاء الملكية معا . ولما سألت عن الوسيلة التى رسموها فى ذلك ، مع ما هو معروف من أن السراى الملكية كانت تتساند بالقوة البريطانية ، وأن القوى البريطانية كانت تتراكن إلى السراى الملكية ، هذا فضلا عن أن الوفد الذى يمثل الأغلبية آنذاك لم يصل إلى الحكم إلا من خلال إنتخابات ، كانت تكون حرة عندما يُراد وصوله إلى الحكم ، بما يعنى أن الديمقراطية  كانت ديمقراطية اليوم الواحد ، الذى يُسمح فيه لصناديق الإنتخابات أن تتلقى  أصواتا صحيحة ، فهى من ثم ديمقراطية الصوت الواحد ، عندما تريد له قوى عليا أن يبدى رأيه فى دقيقة واحدة ، كلما عنّ لها ذلك أو شاءت منه غرضا محددا ؟.. لما سألت ، صمت كل منهم ولم يَحَر جوابا ، ولا غرابة فى ذلك عن أبناء ثقافة شمولية مهيمنة ، تؤمل فى رغبة ولا تحدد وسيلة صحيحة لتحقيق هذه الرغبة ، وترفع شعارا ثم تقف عند مجرد القول أو الصياح دون أن تسلك سبيلا واضحا لوضع الشعار موضع التنفيذ ، وتأسرها اللحظة الراهنة فلا تتبصر المستقبل البعيد ولا تتحسب للعوامل الطارئة ، وتأخذها أوهام المجد الزائف ، ولو كان خطبا فى الشرفات أو عناوين بارزة (مانشيتات Head liens, Manchetts)  فى الصحف دون أن تعمل على المجد البعيد ، للوطن والجماعة ، ولو أنكرت ذاتها وضحت بنفسها .

(ف) كما حدث ويحدث فى مصر ، منذ ثورة 1919 ، استقطب العمل السياسى كل جهود الشعب وكل أعمال الحكومة ، ولولا أن المجتمع ، حتى آخر الخمسينيات ، كان يعمل وحده فى حرية إلى حد كبير ، دون تدخل حكومى صارخ ، لولا ذلك ، ولولا وجود مؤسسات للحكم ونظم للإدارة ، لأدّى الاستقطاب فى العمل السياسى إلى إنهيار مصر من الداخل ، وسقوطها داخليا وخارجيا منذ زمن بعيد .

وعلى ماكان عليه أسلوب الحكم ، فقد شرعت حكومة الوفد فى المفاوضة مع الحكومة البريطانية ، للحصول على إستقلال مصر والسودان . وفى منطق القانون ومفهوم السياسة ، أن المفاوضات تعنى إيجاد حلول وسطى , لابد أن تكون نتيجة لتنازلات ¬(Compromise) من كل طرف ، ولو زاد التنازل من طرف وقلّ من آخر . أما عندما يتمسك كل طرف بوجهة نظره كلها ، دون أى مساومة أو تسوية أو تعديل أو تأجيل فلا تكون ثم مفاوضات ، بل مصادمات ومنازعات وقتالات ، وهذا ما كان يحدث دائما فى كل المفاوضات التى كانت تجرى بين مصر وبريطانيا ، إذ كانت تتحطم عند رغبة مصر المشروعة فى إجلاء القوات البريطانية دون إبقاء قواعد لها ، وإخراج النفوذ البريطانى من السودان لتصبح مع مصر وطنا واحدا حرا مستقلا . وإلى هذا انتهت المفاوضات المصرية البريطانية من فشل ، وآذن  ذلك بسقوط وزارة الوفد ، لفشلها فى تحقيق الغرض الأساسى التى ربطت نفسها به وقيدت الشعب بتحقيقه ، ومن ثم فقد لجأت إلى عمل سياسى له دوىّ شديد ، هو إلغاء معاهدة 1936 ، وتنظيم الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية ، وبذلك تحللت وتقوضت البنية السياسية كلها ، ومنظومة الحكم فى مصر ، وبدأ العد التنازلى ليحل محلها نظام جديد ، لا يقوم على المعادلة الهرمية السابقة ، ويتشكل على النمط الذى بدأ فى سوريا مارس 1949 ، وهو الإنقلاب العسكرى .

(ص) فى علم السياسة أنه يوجد فارق مهم بين الثورة والإنقلاب ، بحيث لا يجوز الخلط بينهما ، ولا ينبغى أن يُنزل وصف الثورة على ما هو فى حقيقته إنقلاب ، أو أن يُسقط وصف الإنقلاب على ما هو فى طبيعته ثورة .
الثورة تصدر عن الشعب ، أى من أدنى القوى إلى أعلاها ، فتقوض نظام الحكم بكل مؤسساته ، وكل فلسفاته ، وكل مبانيه وكل معانيه  . أما الانقلاب فإنه يقع من أحد أجهزة الحكم أو السلطة ليستلب الحكم ويستقل بالسلطة لهذا الجهاز أو لمجموعة منه ، فهو من ثم عمل من أعلى القوى (من فوق) يصل فيما بعد إلى أدناها (إلى تحت) .

بهذا التعريف المحدد تكون الثورات فى العصر الحديث هى الثورة الفرنسية 1789 ، والثورة الشيوعية 1917 ، والثورة الخمينية الشيعية 1979 ، أما ما عدا هذه الثورات الثلاث فهو إنقلاب عسكرى أو إنقلاب سلطوى ، مهما قيل عنه إنه ثورة ، حتى ولو حظى بقبول شعبى ؛ ذلك أن كثيرا من الإنقلابات يحظى بقبول شعبى ، ليس حبا فيها ولكن كرها فى النظام السابق لها ، هذا فضلا عن أن هذا القبول الشعبى قد يُفتعل إفتعالا بمظاهرات زائفة أو إنتخابات مزورة .والصحيح فى الفهم السياسى والدستورى  ، أن التأييد الشعبى التالى ، مهما كانت أسبابه أو كانت حقائقه ، لا ينسحب إلى الماضى أبداً ، فيغيّر من وصف الإنقلاب الذى يتحدد باللحظة التى حدث فيها ويكتسب وصفه من الوضع الذى صدر عنه .

إنقلاب 23 يوليو 1952 لم يحظ بدراسة علمية سليمة تُنزل عليه الوصف العلمى الصحيح وتتقصى أسبابه ودواعيه ، وتتعقب حقائق ودافع من قاموا به ؛ مع أن التوصيف الصحيح مهم جدا والتكييف الصادق حيوى للغاية ، لترتيب ما نتج عنه من آثار ، ولأن الوصف السليم لهذا الإنقلاب والتكييف المناسب له ، يلحق بذاته كافة الإنقلابات التى قامت على غراره ثم سميت ثورة على نهجه ، ولأن هذا وذاك يحدد طبيعة القوى وحقيقة الأوضاع التى ساهمت وضاعفت من العناصر التى أججت نيران ما يسمى بصراع الأمم .

ففى 10 ديسمبر 1952 ، بعد وقوع الإنقلاب بأقل من خمسة شهور ، صدر إعلان من (القائد العام للقوات المسلحة بصفته رئيس حركة الجيش) أسقط دستور 1923. وبهذا التعبير الرسمى وضح أن الصفة الرسمية التى إتخذها الإنقلاب هى أنه "حركة الجيش" . وفى 10 فبراير 1953 ، أى فى مدى شهرين ، تغير وصف حركة الجيش إلى ثورة الجيش ، فى إعلان دستورى تكوّن بمقتضاه مجلس سُمى مجلس قيادة الثورة ، وكان التحول من تعبير حركة الجيش إلى تعبير ثورة الجيش إنسياقا لمقال كان قد نشره الدكتور السيد صبرى أستاذ القانون الدستورى بكلية حقوق القاهرة تحت عنوان "فقه الثورة" ، وفيه زعم أن ما حدث من الجيش هو ثورة ، وأن الفقه الثورى يقتضى التحلل من كل الأحكام الدستورية والقانونية حتى يمكن للثورة تحقيق أهدافها ، التى قد يعوقها أو يعطلها وضع دستورى أو نظام قانونى .

وكانت هذه المقالة ذات أثر خطير جدا على مصر والعالم العربى ، ووقودا ملتهبا فيما يُعرف بصراع الأمم ، ذلك أنها سوّغت للضباط الإنقلابيين أن يصفوا عملهم بأنه ثورة ، وإن وقفوا آنذاك عند إعتبارها ثورة الجيش ولم يمدوها لتعتبر ثورة الشعب . كما أن وصف الثورة هذا ، وفقه الثورة الذى يسمى به خروجها على الأعراف والدساتير والقوانين ، صار عملا طبيعيا وفعلا مشروعا ، وبهذا بدأت  مرحلة جديدة فى مصر ، إنتقلت فيما بعد إلى العالم العربى ، فيها تتحلل السلطة من أى نظام دستورى وأى نظام قانونى ، بدعوى الثورية .

وقد كانت مجموعة الضباط التى سُميت بالضباط الأحرار ، والتى قامت بالإنقلاب العسكرى ، تتمحور حول بؤرة من الضباط تعمل فى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ، الفريق محمد حيدر . ذلك أن حيدر من خؤولة الصاغ (الرائد) عبد الحكيم عامر (وهذه القرابة تسمى فى الريف المصرى بالخال ، ومن ثم يقال إن حيدر هو خال لعامر)  ، وبهذه الصفة فقد كان عامر هو المدبّر الفعال فى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ، وإن حجبته عن الإدارة الرسمية رتبته الصغرى آنذاك . ومن موقعه هذا ، جمع عامر صديقه الصدوق (حتى عام 1967) البكباشى (المقدم) جمال عبد الناصر ، و زكريا محيى الدين الذى كان يعمل فى مكتب الأمن (المخابرات الحربية) ذات الصلة الوثيقة بمكتب القائد العام ؛ وهكذا تتوالى المنظومة إلى صلاح سالم وخالد محيى الدين وغيرهما ، يضاف إليهم القائم مقام (العقيد) أنور السادات الذى ورد فى تحقيقات قضية مقتل أمين عثمان أنه وشركاؤه فيها كانوا على صلة بأحد كبار السراى الملكية ، كما أن علاقته بالدكتور يوسف رشاد الطبيب الخاص للملك معروفة (وثمة تقريرات تفيد أن يوسف رشاد كان هو حلقة الوصل بين السراى الملكية والحرس الحديدى الذى  كان الملك فاروق قد شكّله من بعض ضباط الجيش لإغتيال معارضيه) .

ذكر لى ، ولآخرين بطبيعة الحال ، الدكتور محمد هاشم وزير الداخلية فى وزارتى حسين سرى عام 1952 ، وزوج إبنته ، أن الملك فاروق لم يكن يحمل له مودة ، وأنه كان يحرص حتى فى اللقاءات الخاصة أن يجنّبه بعيدا ، وكان الدكتور محمد هاشم يستغرب ذلك ولا يجد له سببا ، لكنه لابد أن يكون قد أوجد نفرة فى نفسه من فاروق . وبصدد إنقلاب 23 يوليو 1952 قال لى الدكتور هاشم ، وهو ما قاله كذلك إلى الصحفى والكاتب موسى صبرى وأثبته هذا فيما بعد على لسانه ، إن الملك فاروق قدم إلى رئيس وزرائه حسين سرى قائمة بأسماء الضباط الأحرار ، وهم قادة الإنقلاب ، وطلب منه إعتقالهم ، غير أن حسين سرى إعتذر من ذلك ، أو لعله استأجل الملك التنفيذ ، فثار عليه الملك وقال له "إنت عايز تعملّى عرابى تانى فى الجيش" ، وإستقالت وزارة حسين سرى ، وعُين نجيب الهلالى رئيسا للوزراء ، وكان إسماعيل شيرين زوج الأميرة فوزية شقيقة فاروق هو وزير الحربية ، تمهيدا للقيام بالإعتقالات التى تراخى حسين سرى فى القيام بها .

وما لم يقله الدكتور محمد هاشم  ، ورأيته وسمعته فى برنامج للتليفزيون المصرى تكلم فيه المؤرخ العسكرى جمال حماد ، الذى كان أركان حرب اللواء محمد نجيب ،  أنه كان يجلس مع اللواء عندما حدثه محمد هاشم تليفونيا وطلب منه الإسراع فى القيام بالإنقلاب . ومع أن تحديد موعد المحادثة لم يكن واضحا فى حديث جمال حماد ، فالمؤكد أنه كان قبل إستقالة حسين سرى مباشرة ، وهو ما يعنى أن الدكتور محمد هاشم كان على صلة بمحمد نجيب ، وأنه كان على علم بوجود تنظيم للضباط يُعد لإنقلاب عسكرى ، وأن تريث حسين سرى فى إعتقال هؤلاء الضباط بعد أن وصل أمرهم إلى فاروق ربما كان لتمكينهم من القيام بالإنقلاب ، ثم كانت محادثة الدكتور هاشم لمحمد نجيب إشارة لهم ببدء الإنقلاب .

كذلك فقد ذكر جمال حماد ، ما هو معروف من أن الصحفى الشهير أحمد أبو الفتح كان قد علم من مدير القلم السياسى (مباحث أمن الدولة فيما بعد) عن قائمة الضباط التى طلب فاروق من حسين سرى إعتقالهم ، وأنه أخطر صهره الصاغ (الرائد) ثروت عكاشة بذلك ، وطلب منه العمل على الإسراع بالإنقلاب ، فاتصل على الفور بمحمد نجيب ، كما ذكر جمال حماد .

فى يوم 18 يونيو 1998 دعانى فؤاد سراج الدين لتناول طعام الغداء فى قصره ، لرغبة أمير عربى فى التعرف إليّ ، وقبل وصول الأمير حدثنى فؤاد سراج الدين أمام جمع من كبار رجال الوفد ، توفى الله بعضهم ، فقال إن الفريق محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة ، ورجل الملك المقرب لديه ، جاءه زائرا فى شهر فبراير 1952 ، أى بعد إقالة وزارة الوفد بشهر ، ليشكو إليه الملك فاروق ويُطلق فى حقه أقذر ألفاظ القذف والسباب ، وهو غاضب جدا ، لأنه طلب مقابلة الملك أكثر من مرة فرفض وهذا ولم يحدد له موعدا للمقابلة . ولعل حيدر كان يقصد من هذا الحديث مع فؤاد سراج الدين أن يضمه إليه ويجبّه الوفد (أى أن يجعل من الوفد خصم الملك جبهة معه) فيما يعتزم أن يفعله ، لكن سراج الدين أفلت الفرصة ، أو لعله لم ينتبه إليها ، وطلب من حيدر ألا يطلق لسانه بالسباب فى حق الملك حتى لا يعتاد ذلك ولكيلا يصل الأمر إلى الملك ، فيغضب منه على غضبه . لكن حيدر رد بتوعد الملك ، وقال لسراج الدين (أنا ح أوريه) أى إنه سوف يجعله يدفع ثمنا غاليا لما فعله به . وقد عجبت أن سراج الدين لم ينتبه إلى أبعاد هذه الواقعة ، ولم يذكرها لى من قبل ، على كثرة ما دار بيننا من أحاديث عن السياسة والمجتمع فى النصف الثانى من الستينيات ثم فى السبعينيات ، وأضفت أن هذه الواقعة تقتضى تحقيقا صحيحا ، فربما كانت هى الدافع لأن يقوم ضباط مكتب القائد العام  والمجموعة التى إستطاعوا تجنيدها ، بإنقلاب عسكرى ، وهو فى حقيقته إنقلاب من القائد العام للقوات المسلحة ضد الملك ، عاونه فيه سياسيا بعض الوزراء ، وبعض الأفراد من القلم السياسى ، وكان لدى القائد العام ورجاله كل المعلومات عن قادة الجيش وعن تحركاتهم ، وبهذا وقع الإنقلاب بسهولة ويسر .

خلاصة الواقع الصحيح أن ما حدث فى مصر يوم 23 يوليو 1952 هو إنقلاب عسكرى ، من القائد العام للقوات المسلحة ، أو من ضباط نواتهم فى مكتبه ، ضد الوضع السياسى القائم ، وعلى رأسه الملك . ومهما قيل عن الإنقلاب إنه ثورة ، فهذا لا يغير من وصفه أمام التاريخ ولا يبدل من وضعه فى ميزان التقدير . لكن صدور دستور 1956 ، مهما يكن الرأى بشأنه ، حوّل الإنقلاب إلى نظام سياسى ، وأنهى ما يسمى بالفقه الثورى الإنفعالى ليستبدل به فقه الدولة والإستقرار . ولو أن الأمور فُهمت على هذا النحو لتغير التاريخ وتبدل الواقع ، بما كان يمكن أن يجعل صراع الأمم أبطأ مسارا وأهدأ نفاذا وأقل تأثيرا . كيف كان يكون ذلك ؟ هذا هو موضوع الدراسة القادمة !.

من المحرر:

لقراءة  الحلقة 14 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17943

 لقراءة الحلقة 13  انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17890

لقراءة الحلقة 12 انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17733&a=1

 لقراءة الحلقة الحادية عشرة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17664

لقراءة الحلقة العاشرة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17579

 لقراءة الحلقة التاسعة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17467

 لقراءة الحلقة الثامنة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17372

لقراءة الحلقة السابعة انقر على هذا الرابط

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17296

 لقراءة الحلقة السادسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17205

لقراءة الحلقة الخامسة انقر هنا

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=17137

لقراءة الحلقة الرابعة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17049&a=1

لقراءة الحلقة الثالثة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17000&a=1

لقراءة الحلقة الثانية انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16910&a=1

لقراءة الحلقة الاولى انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16815&a=1


اسامة فوزي   لقائي بفؤاد سراج الدين   October 6, 2010 1:34 PM
تحياتي لسعادة المستشار .... لقد سمعت عبارة ( انقلاب عسكري ) وليس ( ثورة ) من الباشا فؤاد سراج الدين الذي التقيت به في احد فنادق البحر الاسود في رومانيا عام 1978 وكان يجلس في صالة الفندق قريبا مني ومعه ثلاثة من زعماء الوفد على ما اظن ... عرفته بنفسي كصحفي فلسطيني يعمل في الامارات وتناولت معه القهوة ودردشت معه لمدة ساعة تقريبا ولما سألته عن ثورة يوليو وحريق القاهرة ابدى دهشته لاني احيط باحداث وقعت قبل مولدي بخاصة اني لست مصريا واذكر يومها انه وصف ثورة يوليو بانها مجرد انقلاب عسكري قام به صغار الضباط بالتواطؤ مع اطراف خارجية

شلتاغ بن صولاغ السومري   الاوردغانية والنجادية هي امل الامة الاسلامية في تحرير مقدساتها (القدس ومكة وقبر الرسول)   October 6, 2010 2:03 PM
يا سيادة المستشار مهما تكتب وتمجد وتجمل وتصقل لن تغير حرف واحد في التاريخ .. العرب في هذا الزمن هم باعوا المقدسات الاسلامية للصليبيين وهم من تامر على الدولة الاسلامية العثمانية والجمهورية الاسلامية في ايران وهم من فتح راضية ونفطة وشيوخ فتاوي اسلامية حسب الطلب للصليبيين واليهود .. عرب ينتصر عليهم شوية غجر من اوربا الشرقية يقال عنهم بانهم يهود في اقل من ست ساعات .. لا يوجد امة في تاريخ تخسر ثلث اراضيها في معركة استمرت ست ساعات فقط .. مصر ام الدنيا خسرت جميع اراضيها الحدودية في اقل من اربع ساعات ونصف اما سورية فقد خسرت ثلثي مطاراتها باقل من ساعة وربع اما بلد الانصار والمهاجرين والذي يحكمة جلالة سيدنا فقد كان نصيبة اقل من ربع ساعة في معركة قال عنها جلالة سيدنا انها معركة الكرامة ولم يجد سيدنا حسين غير حفلة زواج لمجموعة من البدو في مدينة السلط (( كانوا يطخوا النار وهذا طبيعي جدا في اعراسنا )) كي يعلن جلالة سيدنا ان احفاد خالد بن الوليد يلقنون العدو درسا لن ينسوة ويعلن النصر على العدو الصيوني من عمان العرب عمان الصمود والتحدي .. الان عرفت يا سيادة المستشار لماذا نصف العرب يحتفظون بصور اوردغان والنصف الاخر يحتفظ بصور نجاد

وريا سوور   صراع الأمم   October 6, 2010 4:14 PM
الى شلتاغ بن صولاغ:عجبي من درجة غباء بعض الناس اللذين يصفون الأبراطورية العثمانية المغولية بالأسلامية ويعتبرون حكومة الملالي(الآخوند)في إيران بالجمهورية الأسلامية...لينعم الله أولادك وأحفادك بنعمة العقل((كما يقول المثل الكوردي))لأنّ الله حرمكَ
منه لحكمة هو يعرفها...

عبد الوهاب   سؤال للمستشار   October 6, 2010 7:06 PM
قرات في احد الكتب ان عبد الناصر كان اخوانيا وانه اقسم اليمين بين يدي حسن البنا واعتقد ان خالد محي الدين هو الذي قال هذا فهل هذا صحيح ولماذا انقلب عبد الناصر لاحقا على الاخوان

بسام عويضة   سؤال   October 13, 2010 11:59 PM
حضرة الاستاذ المستشار محمد سعيد العشماوي المحترم ،



تحية طيبة وبعد :



في البداية اعرفكم على نفسي ، اسمي بسام عويضة



الاستاذ الكريم ، لي سؤال واحد اذا سمحت ، وهو :



ورد في كتابكم ، العقل في الاسلام ، صفحة 89 ، مؤسسة الانتشار العربي ان ،



(ابو هريرة عاشر الرسول عام وتسعة اشهر ، وروى عن الرسول 5374 حديث ، فكانما سمع وروى عن النبي 315 حديث يوميا )



الاستاذ الكريم ، لو قسمنا هذا العدد 5374 على 21 شهر لكانت النتيجة في اليوم الواحد 8 احاديث وليس 315 حديث ،



فهل لحضرتكم توضيح هذه المسألة .



مع الاحترام والتقدير





بسام عويضة











تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز