Arab Times Blogs
عبدالله المالكي
abdullahaz2000@hotmail.com
Blog Contributor since:
03 February 2010

تفسير القرآن بالقرآن

 

 

 

إن اشتراك اللغة الأم بين أكثر من بلد وإن كانت مفهومة لدى أبناء تلك البلدان إلا أن هناك روحية تكاد لا تميز بل ولا تفهم إلا بين أبناء البلد الواحد ولا أقصد اللهجات لأن طريقة التعامل قد تفهم برموز قد يجهلها الآخر وإن اشترك معهم في نفس اللغة، فتراهم يمدحون من حيث يذمون أو العكس دون أن تفهم مقاصدهم المتفق عليها لا عن زمان ومكان معينين، وهذا يصل بنا إلى أن كل كتاب يطرح قضية، وتلك القضية يجب أن تكون مفهومة لمن يهمه الأمر دون الفهم الذي يكون عابراً على سبيل الاطلاع، فالحس القرآني وإن كان في متناول الجميع إلا أن هناك بعض اللوازم التي تلقى على عاتق أهل القرآن دون العامة من الناس، فإن قيل: إذا سلمنا بما تقول أصبح القرآن كتاب ألغاز ولا يمكن الوصول إليه فضلاً عن فهم أحكامه؟ أقول: ليس هذا هو المقصود لأن القرآن كالغدير الذي يروي الإنسان بمفرده ويروي الجمع من الناس ويروي الأمة بكاملها.

 

أو كالماء النازل من السماء حين يملأ الأودية كلاً حسب حجمه وسعته، كما قال تعالى: (أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها ...... الآية) الرعد 17. فالقرآن حين يتلى على مسامع مجموعة من الناس لا يمكن أن يفهمه الجميع بنفس المستوى بل يكون فهمهم حسب القابل الذي يُميز به كل شخص منهم فهو سهل يسير على بعض الناس وممتنع على آخرين، لأن السبيل إليه ناتج عن استجابة الإنسان إلى الهدى، باعتبار أن القرآن كتاب هداية لا كتاب ألغاز، فمن ناحية يقول الله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر 17. ومن جهة أخرى يقول: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) آل عمران 7.

 

وهذا يدلنا على أن كل إنسان يستطيع أن يتدبر القرآن حسب درجة الفهم المتوفرة لديه والتي تختلف من شخص لآخر فعند تلقينا لقوله تعالى: (والله سريع الحساب) البقرة 202. فإن كلاً منا يذهب ظنه إلى تحليل مختلف عما يذهب إليه الآخر، فمنا من يقول إن الله سريع الحساب أي لا يشغله حساب الناس أفرادا كانوا أو جماعات ومنا من يفهمها على أنها السرعة الخارقة وهناك من يتبادر إلى ذهنه قرب الوقت المعد للحساب، وهذا الفهم الذي اختلف من شخص لآخر يجري في جميع القرآن.

 

لذلك دعت الحاجة إلى دراسة التفسير ليفتح على الناس ما خفي من أسرار القرآن الكريم التي تصعب على البعض دون البعض الآخر والتي ربما تكون مفهومة لدى العلماء بمقاييس متفاوتة أيضاً فالعالم لا يحيط بمقاصده إلا من علم المراد ولو بوجه وهذا كالمثال الذي في مقدمة المقال لأن الأسرار القرآنية تحتاج إلى من يستخرجها، لذلك تتفاوت مراحل التقاط الشاهد القرآني من عالم إلى آخر ومن باحث إلى آخر، وقد يصعب على العامة من الناس أبسط قواعد تفسير القرآن بالقرآن رغم مرورهم المتكرر والمستفاد أحياناً لكن التوظيف ليس في متناول الجميع، فمثلاً هناك تفسير يسمى التصريح بعد الإبهام وهذا أبسط أنواع تفسير القرآن بالقرآن دون علم البعض إن هذا جزء من التفسير رغم استعمالهم له، ولأجل تقريب المعنى أضرب لك الأمثلة التالية:

 

قوله تعالى: (القارعة***مالقارعة***وما أدراك مالقارعة) القارعة 1-3. في هذه الآيات لا يفهم المراد من القارعة حتى بمصاحبة التحليل اللغوي لأن المراد أمر خارج عن نطاق المفردات المألوفة لأصل الوضع اللغوي وإن دلت فإنما تدل على الشيء القارع الذي يكون له ضجيج إما أن يتبادر إلى الذهن أن المراد بها القيامة فهذا لا يستدل عليه بمعاني الكلمات التي وضعها أهل اللغة، ولذلك جاء التصريح بعد هذا الإبهام بقوله: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث***وتكون الجبال كالعهن المنفوش) القارعة 4-5. فدل تعالى بهذا التصريح على أن القارعة هي القيامة، وإن توسع المفسرون بمعناها.

 

وهذا يجري في الطارق المراد به النجم الثاقب والغاشية والعقبة التي فسرها بفك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة وكذلك الطامة الكبرى والصاخة ومبهمات أخرى كثيرة فسرها القرآن بعد ابهامها. وهناك نوع آخر من أنواع تفسير القرآن بالقرآن يسمى التفسير الدلالي أي ما يستدل بمعلومه على مجهوله وهذا يعرف من السياق، كقوله تعالى: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً) مريم 28. فقوله: [ما كان أبوك ... الخ] دل على أن المراد من: [أخت هارون] المرأة العفيفة لذا أنزل الكلام منزلة التذكير بأبيها وأمها بعد نسبتها إلى هارون. وهذا كالمصطلح المشهور لديهم.

 

وهناك تفسير يفهم بالطباق، كقوله تعالى: (وفاكهة وأبا***متاعاً لكم ولأنعامكم) عبس 31-32. والمعنى ظاهر وهذا كثير جداً كقوله: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) القصص 73. وهناك نوع يفهم تفسيره من المواضع الأخرى وهذا يحتاج إلى فهم وملكة ودراسة شاملة لمتفرقات القرآن الكريم ولا أقصد الحفظ المتسلسل لأن الكثير من الحفاظ لا يستطيع الربط بين متفرقات الذكر الحكيم لذا فإن هذا النوع من التفسير يعتمد على المعاهدة القرآنية المتواصلة فايجاد الشاهد المناسب ورد المتشابه إلى المحكم والتفريق بين الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص لا يتوصل إليه الإنسان بمجرد حفظه المتسلسل وهذه ليست دعوة للابتعاد عن الحفظ، فقوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) الفاتحة 7. لا نجد فيه التصريح والاشارة إلى المنعم عليهم ولكن نجد التفسير في قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأؤلئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أؤلئك رفيقاً) النساء 69. وهذا كثير في القرآن الكريم.

 

ونوع آخر يعرف بالحذف والاختصار فما حذف في موضع نجده في موضع آخر. كقوله تعالى: (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً) الرعد 31. فهذه الآية الكريمة لا نجد فيها جواب [لو] ولذلك ذهب بعض المفسرين على أن هذه الآية فسرت بقوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) الحشر 21. لذلك كان تقديرهم لكان هذا القرآن، وذهب آخرون على أن جواب [لو] قد وجد في قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) الأنعام 111. فكان تقديرهم [ما كانوا ليؤمنوا] وهذا هو الأقرب لتشابه موضوع الآيتين.

 

وهناك نوع آخر يفهم من القواعد القرآنية التي لاتختلف في الطرح وإن اختلفت الأشخاص والمناسبات ويسمى هذا النوع [الاستدلال العقلي] ومنه الاستدلال على أن الشاهد الذي قضى ليوسف رغم إنه من أهلها إلا أن العلامات التي توصل لها جعلته على يقين من براءة يوسف، لذلك قدم صدقها وأخر كذب يوسف لأجل التمويه على الحاضرين وبنفس القاعدة جعل يوسف السقاية في رحل أخيه ثم بدأ بتفتيش أوعية إخوته قبله كما قال تعالى: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) يوسف 76. ونفس السياسة التي اعتمدها الشاهد ويوسف نجدها تتبع في موضع آخر من قبل مؤمن آل فرعون كما قال تعالى: (وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم) غافر 28. فقدم الكذب المفترض لموسى على صدقه فتأمل. 

 

وهنالك طرق أخرى لتفسير القرآن بالقرآن لا يمكن أن نسلط الضوء عليها بمقال واحد لذا نكتفي بما قدمنا، وكل الطرق التي ذكرناها والتي لم نذكرها لا يمكن الوصول إليها بمجرد قراءة القرآن أو حفظه على ظهر قلب بل لا بد من الدراسة والاطلاع على كتب التفسير وعلوم القرآن ومن كان هذا نهجه ودأبه فسوف يجد القرآن في متناول يديه لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً ويشهد بعضه على بعض.



(273034) 1
يا سلام يا شيخ عبدالله بوركت مقال مفيد ورائع
ابو اسلام القدس
حفظك الله تعالى شيخنا ونفعنا بك .

تحياتي لك
October 4, 2010 11:40 PM


(273058) 2
thank u sir
muhannad
more than v good its awsome thank you again bark allah feek
October 5, 2010 6:07 AM


(273062) 3
تفسير
مفسراتي
ومن التفاسيرالتي ما زال معمولا بها -على سبيل المثال- ان الشياطين تسافر الى السماء لتسمع بعص الاخبار فتقوم جحافل الملائكة بصدها ورجمها بالشهب مع ان طفل في الصف الثالث بعد ان يقرأ هذا يتبادر الى ذهنه (اليست الشهب صخور تحترق بفعل الغلاف الجوي) وعلى هذا قس
October 5, 2010 6:19 AM


(273089) 4
شي بجنن
جو
يا أخي دخيل الله ما تتعب نفسك بهيك مواضيع

فلسطين ضاعت والعراق ضاع ولبنان في الطريق والأقصى سوف يهدم قريبآ وحكامنا دايسين على روسنا بالصرمايه وأنت مشغول بالتفسير ؟

اتق الله يا رجل واكتبلك حاجة تنفع
October 5, 2010 12:53 PM


(273124) 5
الى شيخنا الفاضل عبدالله المالكي حفظه المولى
ابو اسلام القدس
سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

صدقني شيخنا لا أعرف إن قال الشعب كلمته؟ أم سيطر المجانين على المصحة ؟

(وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا) [الفرقان : 58]

صدق الله العظيم

October 5, 2010 7:51 PM


(273141) 6
Masha Allah
Nabil
Masha Allah as always good article, I wait for your articles always to read, thank you
October 6, 2010 4:09 AM


(273293) 7
تجربة
أبو القاسم
جرب عزيزى القارئ أن تتكلم مع ابنتك أو ابنك بهذا الاسلوب:

"لو استذكرت دروسك جيدا وحصلت على درجات مرتفعه، ولكن العلم لا يكال بالبتنجان."

واذا سألك ابنائك عما تقول، فقل لهم أن هذا نوع من البلاغة يعرف بالحذف والاختصار.
وبعدها ستسمع الهمس: سلامة عقلك يابابا.
October 7, 2010 1:24 PM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز