Arab Times Blogs
الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

الدين و السياسة اتصال أم انفصال ؟ الجزء 3

"العلمانية" بأي مفهوم ؟                        

    يثور جدل حاد بين السياسيين و المثقفين حول "العلمانية" كمفهوم أنتجه الغرب بناء على ملابسات تاريخية و ظروف محددة ، و قد اتخذ هذا الصراع الفكري أشكالا متعددة من الحوارات و السجالات إلى المناظرات المباشرة بين أقطاب ينتمون إلى مدارس مختلفة ، فالناظر لحجم الكتب التي دارت حول "العلمانية" يدرك بجلاء أننا أمام مفهوم يمثل مفترق طرق بين النخب و الكتاب ، و يمكننا أن نذكر على سبيل الجرد بعض الكتب التي تناولت الموضوع تحليلا و نقدا ما يلي :

+ ( العلمنة و الدين : الإسلام.المسيحية.الغرب) محمد أركون دار التاقي (عبارة عن مجموعة محاضرات )

+ ( الإسلام و العلمانية وجها لوجه ) يوسف القرضاوي مكتبة وهبة الكتاب عبارة عن استدراك بعد المناظرة الشهيرة التي عقدت في دار الحكمة مقر نقابة الأطباء بالقاهرة بين العلماني الماركسي فؤاد زكرياء و القرضاوي و محمد الغزالي رحمه الله  

+ ( التطرف العلماني في مواجهة الإسلام ) القرضاوي ط 1 أندلسية للنشر و التوزيع

+ ( العلمانية في ميزان العقل ) عيد الدويهيس

+ ( العلمانية تحت المجهر ) حوار بين العلماني عزيز العظمة و الإسلامي عبد الوهاب المسيري نشر في سلسلة حوارات لقرن جديد

+ ( العلمانية في الإسلام ) إنعام أحمد قدوح دار السيرة بيروت

+ ( تحطيم الصنم العلماني ) محمد شاكر الشربي دار البيارق

+ ( تهافت العلمانية في الصحافة العربية ) المستشار سالم علي الهنساوي دار الوفاء للطباعة

+ ( العلمانية الجزئية ) و ( العلمانية الشاملة ) عبد الوهاب المسيري

+ ( الحوار الإسلامي العلماني ) المستشار طارق البشري دار الشروق

+ ( الدولة الإسلامية بين العلمانية و السلطة الدينية ) محمد عمارة دار الشروق

+ ( الشريعة الإسلامية و العلمانية الغربية ) محمد عمارة دار الشروق

+ ( سقوط الغلو العلماني ) محمد عمارة دار الشروق رد على كتب محمد سعيد العشماوي

+ ( ردود على أطروحات علمانية ) منير شفيق  منشورات الفرقان

+ ( أزمة العقل العربي ) مناظرة مباشرة بين الإسلامي محمد عمارة و العلماني فؤاد زكرياء نشرت في سلسلة ( في التنوير الإسلامي )

+ ( المناظرة حول الدولة الدينية و الدولة المدنية ) محمد الغزالي و محمد عمارة و المستشار الهضيبي و محمد خلف الله و فرج فودة

    هذه الكتب تمثل عينة بسيطة لما كتب في موضوع العلمانية في العالم الإسلامي. فإذا كان نظام فصل الدين عن الدولة لم تطرح مشكلة في الغرب باعتبار الدين المسيحي دين روحي لم يأتي بنظم تشريعية للمجتمع فإن الأمر قد اختلف تماما بالنسبة للإسلام كدين لا يستطيع أحدا التغاضي عن طبيعته الشمولية حتى باعتراف الغربيين أنفسهم في كتبهم . حتى نمسك الموضوع من جوانبه المختلفة سيكون علينا لزاما طرح خيار العلمانية كمفهوم في العالم الغربي و التساؤل حول المعاني و الأسس التي تقوم عليها في بناء النسق السياسي للدولة العلمانية و إذا ما أردنا الوصول إلى حكم عام نُـقيِّم به صلاحية هذا النظام للعالم الإسلامي أخذا بمبدأ الأصوليين " تصور الشيء سابق على الحكم عليه " فكيف فهم العقل الغربي "العلمانية" و كيف تجلت في واقع التطبيق؟.

    يمكن القول أن العلمانية في التاريخ الغربي قد جاءت نتيجة ظروف فرضها واقع الصراع مع السلطة الكهنوتية التي وقفت مع الجهل ضد العدل الحرية و مع الملوك و الإقطاعيين ضد الشعب ، فكان أن تحول الدين (المسيحية) في أعين الثائرين و الطبقات البورجوازية الصاعدة إلى عامل كبح لمصالحهم خصوصا في ظل التحولات الاقتصادية التي عرفتها أوروبا في عصر "النهضة" فجرى الحديث عن وجود تناقض مطلق بين العلم و الدين (كل الدين) استقر في العقل الغربي كسلطة ذهنية كان لابد لأحدهما بالبقاء على حساب الآخر  النقيض ، في السياق يقول إميل بوترو (إن أمر العلاقات بين الدين و العلم حين يراقب في ثنايا التاريخ يثير أشد العجب ، فإنه على الرغم من تصالح العلم و الدين مرة بعد مرة . و على الرغم من جهود أعاظم المفكرين التي بذلوها ملحين في حل المشكل حلا عقليا لم يبرح العلم و الدين قائمين على قدم الكفاح ، و لم ينقطع بينهما صراع يريد كل منهما أن يدمر صاحبه لا أن يغلبه فحسب) ( العلم و الدين في الفلسفة المعاصرة .إميل بوترو ترجمة فؤاد الأهـواني الهيئة المصرية للكتاب ص 242 ) ، لقد تحول العلم من منهج للبحث و التحليل إلى نزعة علموية صارمة نريد أن تعيد كل شيء إلى أصول مادية كرد فعل مفرط لأساليب التفكير الكهنوتي الموغلة في التجريد و الخرافة ، و أصبح للعلم سلطة- بالمعنى الدقيق للعلم- معيارية يحتكم إليه كل شيء و غدت المذاهب الفلسفية نفسها تسابق الزمن لتنعت تصوراتها بالعلمية حتى فيما يرتبط بالدراسات الاجتماعية و السيكولوجية ، فوجدنا مثلا رايشتاخ ـ أحد فلاسفة دائرة فيينا ـ يصف فلسفته بأنها علمية ، و وجدنا الماركسية تصف اشتراكيتها بالعلمية ووجدنا المدرسة الوضعية مع أوغست كونت و دوركايم توصف بان أبحاثها علمية... كان من الطبيعي أن يتسابق الجميع إلى نيل شرف العلمية بعدما تهاوت التحليلات الغيبية تحت ضربات الكشوفات و الإنجازات العلمية .

 في هذا المناخ العام الذي فتح مجالا واسعا من الحرية و البحث العلمي و الفلسفي يمكن أن نتحدث عن ظهور "العلمانية" في الخطاب السياسي و التفكير الغربي بحيث كان قد استقر في العقل الغربي أن لا مصالحة بين الدين و العلم و أن البديل المطروح في نظام الحكم ينبغي أن يأخذ طريقا يعتمد على الفصل التام بين الكنيسة و بين الدولة ، أي بتعبير الإنجيل للمسيح الفصل بين (ما لله لله و ما لقيصر لقيصر ) . لقد ارتبطت "العلمانية" حقا بسيادة النزعة العقلية الإلحادية و اعتبار الدين شأن خاص بين الفرد و ربه يتمتع بحرية الاعتقاد و العبادة بعيدا عن التدخل في نظام الدولة و تشريعاتها للمجتمع ، في حين اعتبرت الدولة العلمانية نفسها محايدة تجاه الأديان بحيث لا تتدخل في السلطة الروحية إلا بالقدر الذي يضمن عدم الإخلال بالنظام العام .

 باختصار أصبحت الدولة لا دينية في مرجعيتها السياسية . على أن "العلمانية" ليست طريقة في التفكير تستمد أسسها من نتائج البحث العلمي الدقيق ، و إنما أسلوب في التنظيم يلغي الدين كطرف في ضبط المجتمع و يعتمد على آليات وضعية لا دينية لا شان لها بالآخرة تفصل الدين عن الحياة و يصبح فيه العقل الحكم . و هذا ما يجعلنا نرى "العلمانية" تمثل مرجعية دهرية و رؤية للإنسان و الحياة بموجبها بنم التشريع للإنسان "الحيوان" بما يشبع حاجاته المادية و يلبي رغباته المحسوسة بعيدا عن الأسئلة الكبرى حول ماهية الوجود و غاياته ، فالنظام العلماني لا يأبه في سننه بالمجال الأخلاقي و بنظام القيم بقدر ما تدور أساساته حول المصالح المادية و تحقيق قدر من التمدن الصناعي و التقني حتى لو اصطدم ذلك بالقيم الأخلاقية ، و لذلك وجدنا معظم القواميس الغربية في تعريفاتها "للعلمانية" sécularisme  تدور حول الاهتمام بما هو دنيوي محض ، ففي معجم اللغة البريطانية نقرأ في مادة "العلمانية"  أنها تهتم بالدنيوي أو الاعتقاد بالدنيويات و أن العلمانيséculariste هو ذلك الشخص الذي يؤسس سعادة الجنس البشري في هذا العالم دون اعتبار للنظم الدينية أو أشكال العبادة ...و في معجم أكسفورد أن معنى secular  دنيوي أو مادي و ليس دينيا و لا روحيا مثل التربية اللادينية و الفن و الموسيقى اللادينية .. و تعني أيضا الرأي الذي يقول إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسا للأخلاق و التربية (أنظر العلمانية سفر الحوالي دار مكة للطباعة و النشر ط 1/1982 ص 22 ) ، و أيضا نقرأ في المعجم الدولي الثالث الجديد تعريف مادة  sécularisme أنها "اتجاه في الحياة أو في شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب أن لا تتدخل في الحكومة ، فهي تعني مثلا السياسة اللادينية البحتة في الحكومة و هي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية و الخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة و التضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين (نفسه ص 23 رسالة ماجستير بإشراف محمد قطيس ) ، و في دائرة المعارف البريطانية أن sécularisme هي "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس و توجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها" (نفسه ص 22  ) ، و كذلك دائرة المعارف الأمريكية و دائرة معارف الدين و الأخلاق ... بالإجمال ثمة إجماع بين المعاجم و دوائر المعارف بأن "العلمانية" مناهضة للدين في الاهتمام بمطالب الإنسان و أنها نظام لا يقوم على السهر لتمكين الدين و أنها على التقليل من قيمة الإيمان بالله عز و جل و الآخرة.

 على أن "العلمانية" كنظام و ممارسة لم تسع فقط إلى تحجيم دور الدين في المجتمع و أنما أيضا إلى تقويض الاعتقادات الغيبية و السخرية من الاهتمام بالعالم الآخر ، بحيث ظهر بشكل جلي ذلك في الدراسات الأنتروبولوجية و السوسيولوجية خصوصا مع اوغست كونت و الفلسفة الماركسية ، فارتبطت العلمانية بالتفكير الفلسفي القاضي بعزل الدين و تصنيفه في إطار الأساطير و الرموز و الماورائيات ، و قد حاول هوليوك 1817م ـ 1906م أن يأتي بتعريف يصور فيه "العلمانية" بالحياد فقال عنها "أنها الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض" ((العلمانية تحت المجهر  عبد الوهاب المسيري ص 12 دار الفكر المعاصر بيروت )  و هوليوك يمثل أحد أول من صاغ مصطلح "العلمانية" كما يذهب إلى ذلك البروفيسور عبد الوهاب المسيري رحمه الله ، فحاول أن يعطي لها صفة الحياد في التعامل مع الأديان ، إلا أنه بنفسه كان يعترف بعدم وجود أدلة كافية للإيمان بالله (  أنظر الإلحاد في الغرب رمسيس عوض ص 246 ) و في عام 1969 م صدر كتاب لهارفي كوكس بعنوان (المدينة العلمانية) يعرف فيه "العلمانية" بأنها انتقال المسؤولية من السلطة الكنسية إلى السلطة السياسية ، و أنها عملية يتحرر فيها المجتمع  من القبضة الدينية و الرؤية الميتافيزيقية و نحن نجد أنه ميز بين الإنسان العلماني و الإنسان ما قبل  العلماني الذي يعيش و يحيا في عالم الأرواح  الخيرة و الشريرة (أنظر الأصولية و العلمانية  مراد وهبة سلسلة قضايا العصر ط 1 ص 56 ).  ( يُــتبع )   


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز