زياد السلوادي
ziadamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 February 2007

كاتب عربي من فلسطين

 More articles 

See more from this author...

Arab Times Blogs
الله .. هل يدركه العقل الإنساني ؟ الجزء الثاني

ما ستقرأه في هذه المقالة هو تأملات شخصية ومحاولة لفهم طريقة إدراك العقل الإنساني للأشياء المختلفة ، ثم مشكلة هذا العقل في إدراك ذات الله وصفاته ، قد أصيب في بعضها وقد أخطئ ، دفعني الى كتابتها ما قرأته في ردود بعض الإخوة الذين ينكرون وجود الخالق أو كون القرآن مـُنزلاً من عند الله . وأهيب بكل من يقرأها أن يضيف إليها في رده ما يعتقد أنه يكمل الفكرة ، لأن فهم قضية العقل والإدراك في حاجة الى عقل جمعيّ .

 

العقل يدرك وجوب وجود الله ويعجز عن إدراك ذات الله

 

   افرض أنك كنت تجلس مع أفراد إسرتك في منزلك ، وفجأة دق جرس الباب وتزامن مع طرق شديد على الباب نفسه ، فهب جميع أفراد الأسرة الى الباب وفتحوه فلم يجدوا أحداً بالباب ! فخرجوا جميعاً ينظرون يميناً ويساراً فلم يشاهدوا أحداً أبداً . فما الذي سيتوقعون ؟

1-   سيقول أحدهم : لعله طفل صغير أراد أن يداعبنا  فدق الجرس وطرق على الباب ثم اختبأ في مكان خفي عن الأعين .

2-  ويقول آخر : بل هو أحد من الجيران كانت له حاجة ثم بدا له بعد أن دق الجرس وطرق الباب أن يعدل عن حاجته فرجع مسرعاً الى بيته وأغلق عليه بابه قبل أن يفتح أحد .

3-   ويقول ثالث : بل هو مخلوق خفي ( من الجن ) فعل ذلك لسبب مجهول .

4-   ويقول رابع : لعله  لص أراد أن يعرف هل يوجد أحد في المنزل أم لا .

 ويستمر توقع الباقين لأشخاص آخرين كثير ، ولكن أحداً لم يقل أبداً إن الجرس والطرق على الباب كانا وهماً تخيلوه جميعاً ، بل دار حديث التوقعات جميعه على وجوب وجود أحد فعل ذلك . إذاً فوجود الفاعل حقيقي في عقول أفراد الأسرة جميعاً وهم جميعاً يدركونه ، ولكن طبيعته وذاته وشكله وطوله وهيئته تظل جميعها مجهولة تماماً ، مجهولة بالقدر ذاته الذي يؤكد لعقولهم وجود هذا الفاعل .

   تلك هي مشكلة العقل الإنساني في محاولاته إدراك ذات الله ، فهو لا يملك صورة حقيقية في مركز حفظ المعلومات في الدماغ عن الله تعالى ، فيضطر الى أن يستحضر صوراً من الخيال ليست حقيقية عنه ، وإن كان يحاول أن يضخمها ويسبغ عليها هالة من التعظيم متخيلة ، فإذا قيل له مثلاً إن الله تعالى سيحاسب الخلق يوم القيامة فإنه يتخيل قاضياً ( إنساناً ) يجلس على كرسي عال وكبير ، ولكي يعطي للصورة هالة من التعظيم فلا بأس أن يتخيل الحجم أكبر من حجم الإنسان بعشرات المرات . وإذا سمع أن الله تعالى ( علم آدم الأسماء كلها .. ) فإنه يتخيل معلماً يقف أمام لوح معلق على حائط ويكتب عليه بالطباشير أسماءً وفي الجهة المقابلة يجلس تلميذ ( آدم ) على مقعد صغير ويقرأ هذه الأسماء . بينما الحقيقة تختلف عن ذلك تماماً ، بل قد حسمها رسول الله صلى الله عليه وآله بأن علم أصحابه أن كل ما قد يخطر ببالهم عن ذات الله فالله تعالى غير ذلك . والقرآن حسم الأمر أيضاً (  .... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  ) الشورى 11 . وهذا يقودنا الى السؤال ، هل الله شيء ؟ فنقول – والله أعلم – إن الإجابة هي لا . لأن الأشياء مخلوقة والله ليس بمخلوق بل هو الخالق ، ولأن الأشياء محدودة والله ليس بمحدود وهو من وراء كل شيء محيط ،  فإن قيل لنا إن الآية الكريمة تقول ( الله نور السماوات والأرض ....) النور 35 . والمسألة المنطقية تقول إن نور السماوات والأرض شيء إذاً فالله شيء ، نقول إن استخدام مسائل المنطق في حساب المطلق مع النسبي خطأ فادح ونتيجته بالتالي ستكون خاطئة . كيف ؟ تعالوا نضرب مثلاً في المسألة المنطقية التالية باستخدام المطلق مع النسبي :

 

مالانهاية + 100 = مالانهاية ( لأن 100 لن تزيد في المالانهاية شيئاً )

مالانهاية + 1 = مالانهاية  ( لأن الواحد لن يزيد في المالانهاية شيئاً )

وبتبادل الحدود

100 = مالانهاية – مالانهاية

إذاً  100 = صفر ....... ( النتيجة الأولى )

ثم

1 = مالانهاية – مالانهاية

إذاً   1 = صفر........ ( النتيجة الثانية )

ثم

100 = صفر

1 = صفر

إذاً   100 = 1 ......... ( النتيجة الثالثة )

إذاً فقد خرجنا بثلاث نتائج كلها أضلّ من الأخرى لأن استخدام المقدمات قد أغفل حقيقة أن المطلق لا يقاس على النسبي ، وكذلك فإن استخدام المسائل المنطقية فيما يخص ذات الله تعالى لن ينفع لأن الله تعالى فوق كل القوانين وهو واضعها ابتداءً فكيف يخضع لها ؟ تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

  مما سبق يتضح لنا أن علم المنطق وتعريفه هو ( بناء فكرة معلومة على فكرة معلومة أخرى أو أكثر  للحصول على نتيجة لم تكن معلومة ) ما هو إلا قانون أرضي يصلح فقط للتطبيق على الأمور الحسية المادية التي تستطيع حواسنا إدراكها ، وهو أيضاً قانون مهم جداً نبني عليه طريقة استنتاجنا للحقائق الكلية والجزئية وكذلك استنباطنا للحقائق الفرعية من الكليات . وأنت تجد الناس جميعاً تستخدمه ، عالمهم وجاهلهم ، وكبيرهم وصغيرهم ، دون أن يدري كثير من الناس أنهم يستخدمونه ، بل وقد تجد الحيوان الأعجم يستخدمه بدافع من غريزته التي وضعها الله تعالى فيه ، ففي الوقت الذي تجد فيه الحيوان يترك طعامه ويفر إذا تعرض لخطر ما ثم يعود إليه بعد زوال الخطر ، هكذا وببساطة كبيرة ، نجد أن الفلاسفة يتعبون في التفكير والملاحظة ليتوصلوا الى الحكمة القائلة ( دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة ) . ومن العجيب أيضاً أنك تجد الحيوان الأعجم لا يخطئ أبداً في أي سلوك يسلكه ، وتجد الحكمة هي التي تحكم حركته كلها دون عقل ذاتي ، أي أنه بمعنى آخر مسيّر في أمور حياته كلها صغيرها وكبيرها ، ولو كان غير ذلك لانقرضت أنواعه المختلفة منذ زمن بعيد ، والعجيب أن الإنسان إذا تدخل في حياة الحيوان فإنه قد يفسد نمطها لأنه تدخل من عقل قاصر في شأن عقل كلي عام ، ويشبه هذا الأمر أن يدخل  غلام صغير برنامج كمبيوتر صممه مهندس خبير ويعبث فيه غير مدرك لوظائف الأوامر والبيانات التي تمت برمجتها على يد المهندس الخبير ، مما يؤدي الى إفساد وظيفة البرنامج  . ونعود الى موضوع المنطق فنقول  لعل أشهر مسألة منطقية في التاريخ هي تلك التي قيلت عن سقراط  :

كل إنسان فان ( الفكرة الأولى )

سقراط إنسان ( الفكرة الثانية )

إذاً .. سقــــراط فان ( النتيجة )

وقد حاول بعض فلاسفة المسلمين استخدامه في قضية خلق القرآن ، فأثبت بعضهم بالمنطق أن القرآن قديم ، وأثبت بعضهم الآخر بالمنطق أيضاً أن القرآن مخلوق ، فقال القائلون بقدم القرآن :

صفات الله قديمة ( الفكرة الأولى )

الكلام من صفات الله ( الفكرة الثانية )

القرآن هو كلام الله ( الفكرة الثالثة )

إذاً ... فالقرآن قديم ( النتيجة )

أما القائلون بخلق القرآن فقد قالوا :

القرآن كلام متتابع ( الفكرة الأولى )

كل متتابع محدث ( الفكرة الثانية ) على اعتبار أن ما يأتي بعد هو أحدث مما أتى قبله

كل محدث مخلوق ( الفكرة الثالثة )

إذاً ... فالقرآن مخلوق ( النتيجة )

وهكذا يتبين لنا فساد المنطق إذا وظف في غير ما وضع له ، فإذا تم توظيفه مثلاً في ما يرى النائم من أحلام فإن الأمر برمته يصبح نكتة طريفة كتلك التي تقول إن شخصاً رأى في المنام أن رجلاً غريباً يتتبعه أينما ذهب فأحس بالخوف منه ثم سأله محتجاً : لماذا تتبعني أينما أذهب ؟ ماذا تريد مني ؟ فأجابه الرجل : مالي ولك يا هذا ألست أنت الذي تحلم ؟؟؟

  اعترض أحد الإخوة في رده على الجزء الأول من هذا البحث ( الرد رقم 15 ) متسائلاً أين العدل عند الله إذا كان هو ( يهدي من يشاء ويضل من يشاء ) ثم يدخل المهتدي الجنة ويدخل الضال النار ؟ والحق أن هذا الفهم الخاطئ سببه الخلط بين مفهوم إرادة الله ومفهوم مشيئة الله . والفرق بين التعبيرين مختلف جداً . فإرادة الله غير مشيئة الله ، فإرادة الله قد لا تجبرنا على تنفيذها في كثير من الحالات ، مع أنه تعالى ( فعال لما يريد ) ، بينما نحن خاضعون لمشيئته متفاعلون معها شئنا أم أبينا ولا يمكن اختراقها إلا بإذنه . كيف ؟  سنحاول أن نوضح هذه المعاني الدقيقة ، الإرادة ، المشيئة ، الإذن . في الجزء الثالث إن شاء الله .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز