مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
أمباح حكم الإعدام في شريعتنا
 

الجواب جاهز وراثيا : نعم، حيث تتردد أقوال في مجتمعاتنا العربية تؤكد فرض [ قتل القاتل المتعمد والكافر والمشرك والمرتد... ]، قنع المواطن بها بسبب سماعه واجتراره لها في البيت والمدرسة والعمل والشارع والأماكن المقدسة...، كان يعرف أنّها كانت مطبقة في بلاد العالم بعد تحقيق جنائي وشهود عيان، فإن ثبت الجرم نفذ الحكم بوسائل بربرية عديدة :

- [ إطلاق الرصاص حتى الموت ]، على من كان سياسيا أو عسكريا ثبتت عليه تهمة التجسس أو الخيانة...

- [ الإعدام حتى الموت شنقا أو بمقصلة أو بكرسي كهربائيّ ]، إن كان مواطنا ثبتت عليه تهمة قتل متعمد...

 

استعمرت بلادنا العربية من عثمانيين وأوربيين كانوا يطبقون حكم الإعدام في بلادهم قانونيا. نـلنا استقلالنا وأبقينا هذا الحكم ساري المفعول في بلادنا، دون البحث بأحقيته، [ فهو إرث استعماري همجي يمارس ضد من يستحق العـقاب ]. كنا نمارسه كعادة جاهلية على مر الخلافات بقطع الرأس، وإذ بنا نعطيه طابعا قانونيا، أسوة بمن كانوا يستعمروننا، والمخجل أن تركيا وكل الدول الأوربية التي استعمرتنا ألغت حكم الإعدام من دساتيرها، في الوقت الذي بدأنا نحن العرب بتبريره بتفسيرات دينية من فقهاء مرتبطين بحكامهم لتبرير مشانقهم. استغل السلاطين العثمانيون أمـيـتـنا وجهلنا مـتخذين من الإسلام ستارا لإعدام مناضلينا في ساحاتنا، فسمحوا بتفسير القرآن على أهواءهم، ثم استغل حكامنا نفس التبريرات لإبقاء حكم الإعدام ساريا إلى يومنا هذا، في كل مجتمعاتنا العربية.

 

والأخطر من هذا كله، تبرير حكم الإعدام من قبل مفسرين – نجوم فضائيات -، تبرير يشجع مواطننا على التطرف بالحكم، فكم منهم من يطالب بإنزال عقوبات أكثر صرامة من الإعدام ذاكرين [ الخوزقة  والحرق والتّـشويه ! ]. يا للعجب...

أفلا يؤمن المخلوق أن لـلخالق وحده أخذ الروح الّذي وهب ؟ فكيف يتجرأ أن يقوم بفعل كهذا ؟

لـتـناقـش فـكـرة إلـغـاء حـكـم الإعــدام، فـي مـدارسنا وبـيـوتـنـا وأماكننا المقـدسة !...

وليكن حكم المجرم الهمجي [[ سجن مؤبد دون إمكانية عفو، أيا كان المبرر مرافقا بإعطاء عمل له يخفف من كلفة سجنه، عساه يندم ويتوب ]]...

 

* في الأيام الأخيرة، اجتاح المواطن العربي شعور الاشمئزاز، حين سمع بإعدام مواطنين سوريين اثنين في السعودية لمتاجرتهما بأدوية مخدرة ؟...

فسر الحكم من قبل مسؤولين وصحفيين سوريين بعملية سياسية تنتقم السعودية فيها من مواقف سوريا في لبنان...

فسره السعوديون بأنه [ قصاص ] متبع بالسعودية ومطبق على كل من يرتكب جريمة كهذه...

لم تخبر السلطات السعودية المعنية سوريا لا سياسيا ولا ديبلوماسيا، ولم يخبر أهل المحكومين بهذا العمل الوحشي.

 

* يعتمد مؤيدو تطبيق هذا الحكم على آيات قرآنيّة صحيحة الذّكر، خاطئة التفسير الموروث، ممنوعة من اجتهاد عصري، فالآية 179 من سورة البقرة : [[  ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون  ]]

تردد مجتمعيا لقصرها ولسهولة حفظها، وتفهم كعملية - قص رأس - وبالتالي، كمبرر لإنهاء حياة من أجرم، تفسيرها وفق اجتهاد عصري :

1- أن ( القصاص ) يعني العقاب لا - القص -.

2- أنها مُوجّهة لمرتكبي الجريمة من ( أولي الألباب ) يعني أصحاب العقول الصحيحة غير المرضى عقليا أو نفسيا.

3- لتقول لهم أنّ ( حياة لهم ) - لا موت -، ستكون مليئة بـ ( القصاص ) أي بالعقاب...

- عقاب دنيوي * من الحاكم : تحقيق جنائيّ، فحص عقلي ونفساني  يؤكد عدم غياب العقل عند المجرم، ثم حكم عادل.

                      * من الله : كفقدان سمع أو بصر أو كإنزال مرض عقيم أو كتكبيل بفقر مدقع لمستحق القصاص في الحياة، الخ.

- عقاب اليوم الآخر الذي هو شأن الخالق وحده، يتراوح من عذاب شديد إلى مغفرة رحيمة.

 

ولنذكر سيرة الرسول (ص) : بعد أن أخرج أبو سفيان الرسول وأصحابه من ديارهم وأكرههم على الهجرة من مكّة إلى يثرب، لاحقهم واعتدى عليهم وشنّ عليهم غزوات وقاتلهم وقتل الكثير منهم. حين عاد الرسول (ص) إلى مكة منتصرا لقي منه أبو سفيان الأمن والأمان، لم يقتل ولم يعدم أبا سفيان بل عامله بكل إحسان وقال متوجها لأهل مكة : [ يا معشر المسلمين من دخل دار محمد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ]. لم يثأر محمد ولم ينتقم ولم يعاقب. بلادنا العربية تعاني من غياب القدوة التي يحتذي بها.

 

* يبرر الإعدام بكونه مباحا دينيـا، بالاعتماد على آيات كريمة، كالآية 93 من ( سورة الـنّـساء ) : [[  ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما  ]]

يُفهم من هذه الآية الكريمة [ التي سُبقت بآية أخرى  تُبيّن الإجراءات الواجب اتخاذها في حال قتل غير مُتعمّد ] :

- أن القاتل لا يـقـتـل حتى إن قـتـل عـمـدا...

- أن غضب اللّه عليه ولعنته، يعني أنه سيلقى عقابا إلهيا دنيويا، لا يعرفه إلا الله...

- أنّ إنزال عُقوبة قانونيّة بمنتهى الشـّدة من الحاكم بحق القاتـل أمر واجب، بعد تحقيق نزيه وحكم عادل...

كـ [[ السجن المؤبد دون إمكانية عفو لأي مبرر كان، حتى تأتيه المنيّة ]].

فـلـيُـروّج لإلـغـاء حـكـم الإعــدام، مـن قـبـل إعـلامـنـا !...

 

* بات بديهيا ومُسلما به لدى أبناء مجتمعاتنا، أيّا كان مستواهم الاجتماعي أو العلمي أو التّربوي أن القاتل والمشرك والمرتـد يقتلون، وها هي آيات عديدة تثبت خطأ هذا التفسير:

- الآية 116  من سورة النساء : إن الله لا يغـفـر أن يُـشرك به ويغـفـر مادون ذلك لمن يشاء، [ ومن يـشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ].

- الآية 151 من سورة النساء : ... واعتدنا [ للكافرين ] عذابا مهينا.

- الآية 16 من سورة الروم : وأما [ الذين كفروا ] وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون.

- الآية 217 من سورة البقرة : ... ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا، [ ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ] فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

 

تُثبت هذه الآيات وآيات أخرى :

- أنّ الكفر والشرك والردة مـظاهـر مخـفـية الـنوايا لا يعلم سرها إلاّ الخالق...

- أن لا قـتـل في الدُّنـيـا لمخلوق من مخلوق، مـشركا كان أم كافرا أم مرتـدّا...

- أنّ صحّة الآية الكريمة ( لا إكراه في الـدّيـن ) كاملة ومن الواجب تطبيقها...

- أنّ من يُعاقب هو الـلّـه، في الدّنيا وفي الآخرة.

 

فـلـتـقرأ ولـتـفهم آيات اللـه لـلمـطالبة بإلـغـاء حـكـم الإعـدام، من قـبـل مـجـتـمـعـاتـنـا !...

 

* يُلاحظُ  أنّ [ الخلط بالمعاني  بين القتل والقتال والاعتداء ] أدى بمجتمعاتنا قبول تفسير حكم الإعدام الّذي طبقه العُثمانيّـون علينا وتركوه إرثا لنا. والمفسرون يعلمون أن الـله أباح قتل واقتتال من يقاتلوننا ومن يعتدون علينا فقط، وهذه آيات من ( سورة البقرة ) تثبت ذلك :  

- الآية 190 : وقاتلوا في سبيل الله [ الذين يقاتلونكم ] ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين.

- الآية 191 : واقتلوهم [ حيث ثقفتموهم ] و[ أخرجوهم من حيث أخرجوكم ] والفتنة اشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه [ فإن قاتلوكم فاقتلوهم ] كذلك جزاء الكافرين.

- الآية 192 : فان [ انتهوا ] فان الله غفور رحيم.

- الآية 193 : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدّين لله فان [ انتهوا ] فلا عدوان إلا على الظالمين.

- الآية 194 : ... فمن اعتدى عليكم [ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ] واتقوا الله واعلموا أنّ الله مع المتقين.

 

يُـفهم من هذه الآيات  :

- أن قتل وقتال من يعتدي علينا مباح وفرض، { ولـو بالـخطـاب والدعم والترويج والمواقف }...

[[ فــلـنـدعـم المُـقـاومـين لـقـتـل وقـتـال مـن اعـتـدى عـلـيـنـا ]].

- أن قتل وقتال من أخرجنا من ديارنا مباح وفرض...

[[ فــلـنـدعـم المُـقـاومـين لـقـتـل وقـتـال مـن أخـرجـونـا من بُـيـوتـنـا ]].

- أن قتل وقتال من يقاتلنا ويعتدي علينا مباح في كل مكان وزمان...

[[ فـلـتـكـن حربـنـا مـفـتـوحـة ضـد مـن اعـتـدى عـلـيـنـا واحـتـلـنـا ومـن أخـرجـنـا من أراضـيـنــا ]].

 

- لـنـقـاوم ونـحـارب ونـقاتـل محتلي الـعـراق الممزق...

- لـنـقـاوم ونـحـارب ونـقاتـل إسرائيل داخـل وخـارج الأراضـي المـغـتـصـبـة...

فـإن انـتـهوا مـن قـتـلنـا وقــتـالـنا واغـتـصـاب أراضـيـنـنا في غـزة المحروقة والـضـفـة المخنوقة والـقـدس المقسمة والـجـولان وشـبـعـا المحتلين والعراق، فلا عدوان عـلـيـهــم.

هـذا تفسير عصري معتمد على اللغة العربية، فلغة القرآن هي لغة الضاد، وليس كفرا أن تفسر عصريا !

 

باعتبار أن الإنسان خطاء بطبعه، فعلاج مرض الجريمة غير سهل، لكن سبل إلغاء حكم الاعدام عديدة، أهمها :

1- تربية صغارنا وشبابنا ورجالنا ونسائنا على مناهضة همجية القـتـل الدستوري [ الحكم بالإعدام ]...

2- الترويج المكثف للتخلص من ردود الفعل الغرائزية الموروثة من ثأر وانتقام...

إنهما عاملان [ قـد ] يساعدان على الجرأة بقبول إلغاء حكم الموت - حكم الاعدام -

 

فـلـيلغ الحكم بالإعدام إلى أبـد الآبـديـن، من قـبـل حكـامـنـا !...

فالمواطن العربي المتفهم يأمل هكذا جرأة من حكامه...

عسى تجربة إعدام السوريين الاثنين في السعودية لا تتكرر، وتصبح درسا لمن يعتبر.

 

 

Mokhless EL KHATIB

France

مخلص الخطيب - محاضر جامعي في فرنسا

تاريخ العرب والإسلام







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز