مخلص الخطيب
mokhlesselkhatib@aol.com
Blog Contributor since:
14 May 2008

محلل بشؤون السياسة والمجتمع
محاضر جامعي تاريخ العرب والإسلام بفرنسا
مدير معهد عالي للتجارة والسياحة بفرنسا
ماجستير تاريخ العصور الوسطى
ماجستير إدارة أعمال الشركات الخاصة

 More articles 


Arab Times Blogs
عروبتنا تحتضر... مواقفنا تندحر... فما الحل

 

  مما لا شك به أنّ أيّ عودة لتاريخ الوطن العربي لما قبل الاستقلال يُـدخل بمتاهات لا نفع ولا جدوى منها، فهذه المُساهمة تنحصر على فترة ما بعد استقلال أوّل بلد عربيّ سنة 1943. فبعد هذا التاريخ، مرّت أمام المواطن العربي :

 

* مشاهد تُـبكي... أكثرها  أهمُّـيّـة :

قيام دولة الاغتصاب وخسارة حرب الـ 48 وتقسيم فلسطين وتشريد شعبها، وما تبع من خُزي.

 

* مشاهد أُخرى كانت مليئة بالآمال والأحلام... من أهمها :

- نجاح ثورة يوليو 1952 في مصر، - انطلاق ثورة نوفمبر 1954 في الجزائر للتحرر من استعمار استيطاني دام 132 سنة، - إعلاء وسماع  كلمة العرب في العالم من خلال مؤتمر باندونغ سنة 1955 وما نتج عنه [ مؤتمر عدم الانحياز ]، - تأميم قناة السويس سنة 1956 بتضحية طبيعيّة حتميّة دفعها شعب مصر ليستعيد سيادته على كلّ ممتلكاته، - بداية زوال الاستعمار في بقية البلدان العربيّة كالمغرب وتونس... وزوال حلف بغداد سنة 1958،...

 

أمّا أكثر الانجازات الايجابيّة التي حُـقّـقت بجرأة نادرة، لكن بـ [ عفويّة وتسرُّع وعاطفيّة ونقص دراسة وغياب توعية مُسبقة ] من جهة، ولـ [حسابات مصلحيّة حزبيّة ] من جهة أُخرى، فهو : تحقيق أوّل وحدة بين قطرين عربيّين، مصر وسوريا [ الجمهوريّة العربيّة المُتّحدة ] الّتي التفّ حولها كلّ العرب، حالمين بتحقيق ** الوحدة العربية الكبرى **.

لكنّ الاستعمار وحكّام العرب التّابعين له، تآمروا على هذا الانجاز وأقنعوا قلّة من ضباط سوريا وقاموا بانقلاب عسكريّ أدّى بانفصال سوريا عن مصر سنة 1961، وهنا بدأ [ أوّل إحباط للمُواطن العربيّ ] ولقائده في ذلك الوقت، الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وبرأيي الشّخصي، انفصال سوريا عن مصر كان أوّل نكسة عربيّة مُعاصرة، ساهمت بهزيمة الـ 67.

 

بدأ خلاف قادة العرب على نهج تحرير فلسطين، فظهرت أصوات تُطالب باسم [ الواقعيّة ] بقبول تقسيم فلسطين، سُمعت أُخرى تُـنادي باعتبار النكبة قضيّة فلسطينيّة أوّلا ثم عربيّة، أمّا دول النفط فاقتصرت على المُساهمة المادّيّة، ثمّ تردّد شعار اللاءات الثلاثة...  أما الجماهير العربية فبقيت تحلم بفكرة تحرير فلسطين بالقوّة [ كما أُخذت بالقوّة ]. شبّت حرب الـ67 وخاب أمل المواطن العربي بخسارة عسكريّة تفوق نكسة الانفصال السّياسيّة.

شكّلت هاتان النّكستان الحدثين الأكثر إحباطا للمُواطن العربي و[ بدأ دخول عروبتنا في غيبوبة]، أفاق منها سنة 1973 حين حقّقت سوريا ومصر شبه انتصار على إسرائيل، وتفاءل العرب من جديد.

  

لم يستمر تفاؤلهم طويلا، فقد عادت سلسلة الإحباط المُذلّة :

1) بتنازل سياسي تمثّل بزيارة السادات لإسرائيل سنة 1977 التي أدّت إلى مفاوضات كامب دافيد وانتهت بمعاهدة سلام سنة 1979.

2) بتمزّق عربي ما سبقه نظير أدّى إلى انقسام الحكام العرب بين معارضين متشدّدين، حياديين مُعارضين وحياديين موافقين.

 

تزامن هذا التّمزق العربيّ مع ظهور أحداث عربيّة وعالميّة غيّرت وجه التّاريخ العربي المُعاصر :

* غزو أفغانستان من الجيش السوفيتي سنة 1978 وبداية الحركة الجهاديّة الأفغانيّة سنة 1989 بدعم من باكستان وأمريكا وبمشاركة مجاهدين مُسلمين [عرب].

* نجاح الثورة الإسلاميّة في إيران سنة 1979 ولجوء شاه إيران المُؤازر لإسرائيل إلى مصر [ العربيّة ].

* عودة الأحزاب الدّينيّة في مصر العربيّة، اغتيل السّادات سنة 1981 من الجهاد الإسلامي المصري وارتاح [ العرب ] نسبيّا.

* اندلاع الحرب بين العراق [ العربيّ ] و الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة اليانعة سنة 1980، حرب دمار دامت عشر سنوات، بلا منتصر.

* اجتياح لبنان العربي سنة 1982 بموافقة الدول الكبرى وعلى مرأى ومسمع من حكامنا العرب، إضافة لمجازر صبرا وشاتيلا التي تلت الاحتلال.

* قيام انتفاضة حجارة أطفال فلسطين سنة 1987، وقبول منظمة التحرير بالشرعيّة الدّوليّة سنة 1988، مع [ عدم تفهّم الشّارع العربيّ  ],

* انسحاب الجيش السوفييتي من أفغانستان سنة 1989 وبدء الصّدام بين الإسلاميّين الأفغان بتشجيع وعون جهاديّين [ عرب ] لطالبان.

* اجتياح الكويت من جيش العراق العربيّ سنة 1990 وشن حرب أمريكيّة ضروس سنة 1991 ضد العراق، بمؤازرة بعض الدّول العربيّة ومعارضة الجماهير العربية للاجتياح وللحرب خاصّة. شاركت مصر وعادت للحضن [ العربيّ ].

* بدء اللّقاءات العربيّة – الإسرائيليّة سرّا وعلنا من سنة 1991 لسنة 2000، وبدء قناعة قادة العرب بقبول [ الشّرعيّة الدّوليّة ] ووقف أعمال المُقاومة : مدريد، واشنطن، القاهرة، أوسلو...

* قيام حكومة طالبان الأفغانيّة الإسلاميّة سنة 1996 باتفاق سياسيّ باكستاني-أمريكي وبدعم من جهاديّين [ عرب ] قدموا للتدريب بأفغانستان.

 

تأثّر المُجتمع العربيّ بهذه الأحداث وانتقل من مجتمع سلك طريق الانفتاح والتّحرّر إلى مجتمع حُصر ضمن مقولات جهاديّة بعيدة عن حقيقة الإسلام، فانتشرت أفكار وظاهرات جديدة في مجتمعاتنا العربيّة :

* ابتغاء الجنّة من قبل شباب [ عرب ] عن طريق "الجهاد المُقدّس" ضد الغرب وأعوانه، بهدف خلق أنظمة إسلاميّة بدلا من الأنظمة القائمة.

* انتقال القتال الجهادي إلى بلاد عربيّة عن طريق مواطنين [ عرب ] أُعدّوا في أفغانستان وتأثّروا بأفكار القادة الإسلاميّين المتطرّفين هناك،

* التّركيز على ازدواجيّة الانتماء العربي والإسلامي، فباتت كلمة [ أمّة ] بدون محتوى فمنهم من يراها عربيّة ومنهم من يعتبرها إسلاميّة.

* ترويج مُكثّف ضد فكرة الوحدة العربيّة وغياب الاهتمام بقضيّتنا العربيّة الأساسيّة، قضية فلسطين وتحرير الأراضي العربيّة المُحتلّة، لصالح الاهتمام بقضايا إسلاميّة في أفغانستان وإيران وباكستان...

* نشر فكرة " إصلاح المجتمع الإسلامي " بفرض ظاهرات غير دقيقة وبتفسير خاطئ، كحجاب المرأة ومعاملتها ولحية الرّجل وقوامته...

 

أُحبط المُجتمع العربيّ وضاع، فإن وصف نفسه قوميّا عربيّا، أُجيب بأنّه [ قومجيّ مُتخلّف ]، وإن افتخر بعروبته، قوبل بسخرية [ إسلاماتيّة ] وكُفّر. فماشى [ الموضة الإسلاماتيّة ] وبدأ بفرض أو بنصح وضع الحجاب لغطاء شعر ابنته وزوجته و تزويج ابنته لمن [ يدفع أكثر ]  وبالتّعامُل الأُسريّ والعائليّ والمدرسيّ والمُجتمعيّ والعلاقاتيّ، بكذب ونفاق وفسق ونميمة وغيبة ورشوة متسترا بالذهاب إلى الجامع ليُصلّي وبصيام رمضان ليُصدّق جهرا وعلنا...

 

نعم أُحبط المُجتمع العربيّ في أُمّة غنيّة وهو فقير يجري وراء لقمة العيش، أمّة بطاقات بشريّة متعلّمة لكنّها مُهمّشة، أُمّة بتاريخ ولغة وعادات مشتركة بين مجتمعاتها المُتمزّقة بسبب حُكّامها المُتغطرسين المُتخاصمين المغرورين المُتفائلين البُلهاء، عفوا [ المُعتدلين ] ومُثقّفيها الخانعين. أُمّة بدينين سماويّين سمحين الإسلامي والمسيحي وبخصام وصراع لا مُبرّر له، أمّة بعروق مُتعدّدة لا تعتبر أنّ [ الاختلاف ثروة وغنى ]، أُمّة تفاخر بحضارتها وظاهرات الفساد تملأ مُجتمعاتها العربيّة : أولاد الشّوارع الفُقراء اليتامى، اغتصاب الأطفال من قبل مرضى جنسيّين ونفسانيّين، الدّعارة المتستّرة بالدّين الكريم، أنواع زواج كنّا نسمع بوجوده وإذ به ينتشر في كلّ الأقطار العربيّة، زواج المتعة، الزواج العرفي السّرّي، الزّواج السّياحي... وصل المجتمع العربيّ إلى هكذا انحلال خلقي وراء ستار الدّين، فكيف حال انتمائه ؟

 

بات المُواطن العربيّ يفتخر، بحقّ، بهُويّته الوطنيّة، فالمصريّ يعتزّ بمصريّته والسّوريّ بسوريّته والجزائريّ بجزائريته... ثمّ يجترّ ما سمع وما قرأ وما لُـقّـن من حلال وحرام، من حسن وعيب، من جنّة ونار، من عقاب وغفران،  من مسموح وممنوع، ليُبرّر فخره بهُويّته الوطنيّة. أما انتماؤه العربيّ فيسمعه من خلال لقاءات القادة العرب وخلافاتهم وصراعاتهم. إنّه لا ينسى أنّ عروبته تحتضر منذ 2002 حين قرّر بوش غزو العراق بعد عقاب طالبان على هجمتهم على بُرجي نيويورك، كيف ينسى أنّ أحد أسباب احتضار هذه العُروبة هو [ مبادرة السّلام العربيّة ]  الهادفة للتّطبيع مع إسرائيل والّتي أطلقها السّعوديّون بموافقة أمريكيّة في قمّة بيروت سنة 2002 كهديّة لإسرائيل ؟ قمّة تمّ خلالها صلح بين قادة العراق والكويت ! كيف لا تحتضر هذه العروبة ؟ وحرب شُنّت على عراقنا العربيّ على مسمع ومرأى من كل حُكّام العرب وبدعم عسكريّ ولوجستيّ من بعضهم. القلّة من حُكّام العرب الّذين مارسوا سياسة المُمانعة، سُمّوا [ مُتشدّدين ] لأنّهم يحتضنون علنا قادة المقاومة الفلسطينيّة ويدعمون بقوّة المُقاومة اللّبنانيّة، إنّها القلّة الّتي تعتني بصحّة عروبتنا المُتدهورة والّتي تزرع التّفاؤل في نفس المواطن العربيّ.

 

شعر المُواطن العربيّ بإحباط كبير، قُبيل وخلال وبعد مُؤتمر القمة العربيّة في دمشق وخشي على عروبته من الموت حين قام [ المُعتدلون ] صراحة بالدّعوة لمُقاطعة القمّة ولعزل سوريا عن حضنها العربيّ، لكنّهم أخفقوا بفضل تفهُّم دول شقيقة مُتّزنة كالجزائر والسّودان وقطر وتونس والكويت والإمارات... يشترط مُعتدلو العرب على سوريا عدم التّدخّل بأزمة لبنان أو التّدخّل لصالح حلفائهم، وسوريا تردّد أن أزمة لبنان لا تُحلّ إلاّ من اللّبنانيين أنفسهم... يستقبل معتدلو العرب قادة العالم المُؤيّدين لإسرائيل ولها فقط، ويستمعون تصريحاتهم المُتدخّلة بلبنان والأُخرى الدّاعمة لإسرائيل وليهوديّة إسرائيل كعرق ودين وللقدس كعاصمة لها، يُساهمون معهم بنقد سوريا وقبول التّهجّم عليها من على أرض عربيّة مصريّة أو جزيراتيّة، يسمحون لهم بالرّقص بسيف خالد على أرض الرّسول والرّسالة والمُعتدلون سعداء مما يرون ويسمعون من سادتهم، ثم يُستغرب من احتضار عُروبتنا...

 

منذ أسبوع كادت عروبتنا أن تموت حين سمعت خطاب بوش في كنيست دولة الاحتلال مؤكّدا لملايينها الأربعة أنّ ملايين أمريكا الثلاثمائة سيدافعون عن حق بقاء إسرائيل وأمنها وسلامتها، كادت تموت عندما استُقبل من ملك السّعوديّين ورئيس مصر ثانية وثالثة وعندما استقبل هو رئيس سلطة وملك هاشميّ، كادت تموت حين رأت على شاشة التّلفاز رئيس مصر يستقبل قادة أحزاب دولة الاغتصاب... لكنها لن تموت.

 

لا... لن تموت عروبتنا، فحُماتُها أحياء يُرزقون وسيُدافعون عنها بكُلّ ما أوتوا من قوّة، والحلول كفيلة بإعادة العافية لعُروبتنا الّتي تحتضر... حلول ستكون موضوع مقالات قادمة. فإلى اللّقاء.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز