Blog Contributor since:

 More articles 


Arab Times Blogs
أحداث أم درمان السودانية:الإنقاذ دعت لبنان لتحكيم العقل وفقدت عقلها فى اليوم التالى

عملية ( كان صَدَقـَتْ التجارة ) التى قامت بها حركة العدل والمساواة السودانية الإسبوع الماضى وأجهضت لأسباب يبدو أنها ستكون مثيرة وخطيرة ومفاجأة لأن دخول خليل إبراهيم بهذه الثقة لا تقدر عليه تشاد بل هو أكبر من مقدراتها ومقدرات عدة دول إفريقية من الوزن التشادي ، أما عملية ( أضانْ الحامل ) التى تعد لها الحكومة الآن ضد الحركة ورموزها ومنتسبيها أو ضد تشاد ستقلب ما جنته الحكومة من مكاسب وتعاطف سواءً من المجتمع الدولي أو الإقليمي بعد أن أصيبت فى كبريائها وطـُعنت فى شرفها الذى جعلها تهذى وتتخبط مرتجفة ومذهولة وتكاد لا تصدق أن ما حدث أمامها حقيقة وليس كابوسا أو مزحا أو كاميرا خفية 

 وهكذا حال من لم يتعظ بالتاريخ سيكون هو عظة ً لغيره تاريخياً . لا يمكن أن تقنع الإنقاذ طفلاً صغيراً إن ما جرى فى أم درمان من أحداث سريعة ومباغتة قد حدث بإرادتها وعلى مسمع ومرأى من أجهزتها الأمنية والإستخباراتية وأن الطائرات بدون طيار الحديثة جداً التى أعلن عنها وزير الدفاع عبدالرحيم حسين فى سبتمبر الماضى كانت ترصد وتتابع وتلتقط وتسمع حتى دبيب النمل وفرقعة الصراصير لأصابعها وخشخشة الجراد لأثوابها أثناء طوافها فوق سماء السودان وتخومه ليلاً ونهاراً ، فلا يمكن أن تبرر الحكومة فشلها الأمني المريع بأنها هي من إستدرجت قوات العدل والمساواة إلى داخل الأحياء وأزقة المدينة لتلقنهم درساً فى فنون الإحتواء حتى لا يفلت منهم أحد ، فإذا كانت الحكومة كما تدعي زوراً وبهتاناً وكذباً أنها هي من إستدرج هؤلاء إلى داخل أم درمان إذن فكل مواطن قـُتل أو تعرض للرصاص فى هذه الحالة تكون الإنقاذ هي المسؤولة عن ذلك مع سبق الإصرار والترصد ، وإن كانت لا تدرى وأنها فوجئت أو أخذت على حين غرة وهذا هو المرجح عندى تكون أيضاً مقصرة فى واجبها تجاه المواطن وسلامته وبدل هذه التبريرات الغير مجدية كان عليها أن تتحمل مسؤولياتها بشجاعة وتعترف بوجود خلل أمني بيِّـن لا يحتاج إلى أدلة أو براهين لإثباته 

 وإذا كانت حركة العدل والمساواة كما تقول الحكومة ضعيفة ومعزولة وتدعمها دولة هي الأخرى فقيرة ومهلهلة وإستطاعت رغم ذلك الوصول إلى أم درمان نهاراً دون أن يستطيع أحد أن يوقفها ، فالمنطق إذن يقول لوكانت هذه القوات تمتلك طائرة إف 16 واحدة لكانت إستطاعت أن تحتل حتى أريتريا ناهيك عن العاصمة السودانية وبالتالى يمكننا أيضاً أن نتوقع بأن الولايات المتحدة تستطيع بكل بساطة إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل أن تـُقيم قاعدة عسكرية ( تحت الأرض أو فوقها لا يهم ) بالقرب من وادى سيدنا أو فى جبال البحر الأحمر وتهبط بطائرات الشبح وقتما تشاء إلى أن تسأم وتغادر دون أن يدرى بها أحد !!

يجب أن تستحي كل الأجهزة الأمنية والإستخبارات والجيش ويقال مسؤولوها ويجردوا من رتبهم العسكرية بسبب ما حدث ومن ثم فليبحثوا ويقلبوا فى تفاصيل الخطة التى تمت بها عملية مهاجمة أم درمان فى وضح النهار ويدرسونها للطلاب فى الكلية الحربية لأنها تنم على ذكاء وجرأة وإقدام من قاموا بها بغض النظر على إتفاقنا أو إختلافنا معهم أوعن مدى نجاح أو فشل العملية التى أعتقد أنها ناجحة بنسبة عالية ولكن العبرة فى مثل هذه العمليات العسكرية فى النهاية لأنها تقسم إلى ثلاثة أجزاء فإذا نجح الجزء الأول والثاني فيما يختص بالمهاجمين وفشل الجزء الأخير تعتبر العملية فاشلة برغم نجاح الجزء الأول والثاني أما فى حالة النظام أو المدافع فإن فشل الجزء الأول والثانى ونجاح الجزء الأخير سواءٍ بالقبض على المهاجمين أو دحرهم أو قتلهم ووالتمثيل بجثثهم يعتبر نجاحاً له بالرغم من فشل الجزء الأول والثانى .

بما أن المقام ليس مقام غالب أو مغلوب بقدر ما هو مقام رثاء وأسف لهذا الوطن ودماء أهله التى أصبحت مشاعاً للحكام والساسة وحاملى السلاح بعد أكثر من نصف قرن على الإستقلال من بريطانيا ولا زال الجميع يتخبطون فى نوع الحكم الذى يصلح لهذا الشعب أو كيف تقسم ثرواته وهل يجب أن نزرع قمحاً أم عدساً أم زيتوناً فى هذا العام ، كلما أرى نقطة دم تسقط بين أبناء هذه الأرض أشعر أننا لا نستحق هذه البلاد التى تـُسمى بالسودان ، فبدل أن تضع هذه الحكومة عقلها على رأسها لا أن تدوس عليه بقدميها بعد هذه الهزة العنيفة والقاسية وتتعامل مع الحدث بتعقل نراها تريد إعادة إنتاج النسخة السابقة من ساحات الفداء وكتائب الخرساء وصيف العبور وأبو الإبادة وأم الحارقات التى راح ضحيتها عشرات الآلاف إن لم يكن مئاتها خدمة لأهداف ذاتية ضيقة لم يكن الدين من بينها فى يوم ٍ من الأيام لأن الدين ينادى بحفظ الأرواح وصونها فى المقام الأول لا إزهاقها وجزها والشماتة فيها ، وهذا السودان ليس فى حاجة على الإطلاق لعضلات الإنقاذ ولا عضلات غيرها ليستقيم أمره بل يحتاج إلى ضمير أناس يعرفون قيمته ومن ثم يقدرونها حق قدرها .

 إن ما حدث فى أم درمان لأمر مؤسف تماماً كالذى يجرى فى دارفور منذ أكثر من خمس سنوات فالخاسر فى هذه اللعبة السياسية والعسكرية القذرة هم الأبرياء وهذا الحدث بالطبع إمتداد لتراكم المشكلات التى أصبحت غبناً ثم إنقلبت لتصير يأساً من إيجاد الحلول الصادقة والعادلة لها وهذا اليأس أصبح يتجلى فى عدة صور وأشكال ، فمن الفرار من الوطن والتسكع فى أقرب دولة دون هدى إلى الإرتماء فى أي حضن حتى إن كان مليئاً بالأشواك والسموم إلى فقدان القيم والأخلاق التى كنا نتمتع ونشتهر بها فى كل العالم مما أدى إلى خلل كبير وأحدث شرخاً عميقاً فى النسيج الإجتماعي يصعب رتقه على المدى المنظور .

 هذا اليأس الذى أصبح حاداً عما قبل هو الذى دفع بخليل إبراهيم ومن معه إلى ما أقدموا عليه تماماً كما فعلت ( قوات الجبهة الوطنية ) التى تكونت من حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي وحركة الإخوان المسلمين فى يونيو 76 بقيادة العميد محمد نور سعد لجناحها العسكري وهو نفس اليأس الذى دفع بالتجمع ومن بعده مؤتمر البجة للهجوم على مدينة كسلا وتهديد حياة الناس وهو ذات اليأس الذى خلق الحركة الشعبية من قبل وسيخلق حركات وفصائل أخرى كثيرة ، وسيمتد هذا اليأس وسيظهر فى أشكال وأثواب وتكتيكات أخرى والنماذج والسيناريوهات المحتملة معروضة فى أسواق العديد من الدول أقربها أنموذج الصومال ( دولة دون حكومة / ثم دولة تحتمى بدولة أخرى / قبليات / جوع / قتل / نهب / لجوء ) وأقرب منه أنموذج العراق ( تفجيرات / قنص / إنتحاريين / نزوح / إغتيالات / ذبح على الريق ) ويليه أنموذج لبنان ( ولاءات طائفية / تعصب حزبي / تدخل دولي وإقليمي خطير / إنتشار أسلحة / نسف / إغتيالات ) وهناك نماذج لدول أفريقية معروفة مثل رواندا وليبريا والكنغو وغيرها ستطبق بوحشية إن لم يتعقل الجميع وعلى رأسهم الإنقاذ التى تمسك بالسلطة والتى يجب عليها ألا تدخل فى تحد ٍ مع أياً كان ليس خوفاً أو جبناً أو إنهزام بل رأفة ً بهذا الوطن ففى سبيله يجب أن تفعل الشىء الصحيح ولا أعتقد أن الصحيح هنا هو إثارة النعرات والمناداة بالسحق والبطش والتنكيل لأن النتيجة ستكون إحدى هذه النماذج السيئة أو ربما تجتمع كلها فى هذا السودان وبعدها لا ينفع نادم ٌ ندماً ولا لاطم ٌ لطماً .

 يجب على حكومة الإنقاذ أن تتوقف عن وصف حركة العدل والمساوة بأنهم تشاديون ومرتزقة وهو نفس الوصف الذى أطلقته من قبل على التجمع وجبهة الشرق بأنهم أرتيريون وعملاء وإتهمت أفورقي حينها بتدبير مؤامرة ضد نظامها ثم عادت المياه إلى مجاريها بعد إتفاقية أسمرا ونسيت كل ما كانت تصف به الآخرين لأنه ببساطة ليس صحيحاً ، وهذه الأوصاف هي نفسها التى أطلقها النميري على بعض الأعضاء المشاركين فى الحكومة الان وبعض رموز المعارضة الحالية أيضاً ، أما النصح الذى وجهته الحكومة عن طريق وزارة الخارجية للبنانيين بالتعقل جراء الأزمة التى يمرون بها فإنها فى أشد الحاجة إليها فى هذه اللحظات بعد أن رأيناها كيف فقدت عقلها وطار صوابها فى اليوم التالى لنصيحتها القيمة تلك ، فقد أصبحت ترعد وتزبد طلباً للإنتقام والسحل والضرب والقتل والشنق والتنكيل والإبادة لكل مشتبه به ثم لا تتورع عن عرض هذا القبح الذى يدينها أخلاقياً فى المستقبل القريب على الأكثر ، ولولا أنه قد ثبت بأن سكان دارفور مسلمون عن بكرة أبيهم لأعلنت الحكومة الجهاد الأكبر هناك ليرتوى كل متعطش ٍ للدماء مستحل للحرمات بعد هذه التعبئة النووية التى يقوم بها التلفزيون الذى يسمى بالقومي لتأجيج المشكلة ورفع درجات الغليان لحرق ما تبقى من قيم وأخلاق ، فالدين عند الإنقاذ فى مثل هذه الحالات ليس له قيمة تذكر وإلا لتقافزت أمامها نصوص القرءان وأحاديث المصطفى ( ص ) تجاه الأسرى وكيفية معاملتهم هذا إذا صرفنا النظر عن مسألة حقوق الإنسان .

 عجيبٌ أمر هذا البلد الذى يتسع لجميع دول الجوار وغيرها ويضيق بأهله .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز