الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
تــأحــيد الفلسفة و الموقف الدوغمائي الجزء 5

         نُــــواصل في هذه الحلقة ما نـــراه نزعة غربية في مسخ عطاءات الشرق في المنتوج الفلسفي و العلمي

       إذا كان اليونان قد قدحوا في شأن التجربة والفنون اليدوية عامة، فإن الأمر يختلف في حضارات الشرق حيث لا انفصام بين النظر والعمل،بين التأمل والتجربة،وهما وجهان لعملة واحدة على خط مستقيم، " ذلك أن الفلاسفة الشرقيين يستمرون في التواصل عن كثب مع الحياة عائدين إلى محك التجربة الإنسانية لاختبار نظرياتهم"( عالم المعرفة : الفكر الشرقي القديم .جون كولر ترجمة : يوسف حسين العدد159 ص 21 ) وهم على وعي بضرورة إخضاع النظر للعمل وتوظيف العقل للتمهيد للفعل لتكتمل صورة الحياة في تناغم وانسجام متوازن لا يغلب أحدهما على الآخر لا بتفريط ولا بإفراط ونحن نلمس ذلك بجلاء في الفلسفة الهندية والصينية والمصرية على حد سواء بسببها أقصيت من تداول قاموس الفكر الفلسفي "فالفلاسفة الصينيون لم يعتبروا المعرفة شيئا  ذات قيمة في حد ذاتها مما صدفهم عن نشدان المعرفة من أجل مجرد المعرفة، بل انه حتى بالنسبة للمعرفة العملية المنحى التي تأثر تأثيرا مباشرا على السعادة العاجلة نجد الفلاسفة الصينيين يؤثرون تطبيق  هذه المعرفة على السلوك الواقعي الذي يقود إلى السعادة مباشرة بدلا من الخوض في مناقشات جدلية يعتبرونها فارغة لا جدوى من ورائها"( حكمة  الصين  دراسة  تحليلية لمعالم الفكر الصيني منذ أقدم العصور ج 1 .محمد فؤاد شبلي ص 8-9 )، بمعنى أنهم لا يعترفون بأية فلسفة إذا لم يصاحبها عمل يأتي كنتيجة للمجهود الذهني و كترجمة" للعقل المكون" ،وهو موقف يتناقض مع الطرح اليوناني ذي النزعة العقلية الواحدية التي تضع استبعاد المنافع  كقنطرة تتجه صوب الفلسفة ،و قد أدرك الصينيون على أن الواقع في حاجة أكثر  إلى العمل وليس إلى مجالات جدلية لا تخرج  بشيء حتى " أن الحكيم الصيني تراه عندما  يفشل في الفوز بمركز ووظيفة رسمية يمارس فيها تطبيق مبادئه عمليا  يولي وجهه شطر تأليف الكتب كوسيلة لتشييد مذهبه الفكري فإن ظفر بمنصب  يرتضيه يصدف عن الكتابة ،و هذا هو سبب قلة الإنتاج الفلسفي الصيني القديم " ( نفسه ص 9. ) وهكذا يسير التفكر جنبا ‘إلى جنب مع التطبيق حيث لا قيمة للأولى بدون الثانية ،وهي رؤية تعبر عن عمق تفكيرهم وسلامة اختيارهم وتوازن منطقهم، ويحدثنا تاريخ الصين -عندما سيطرت الفلسفة الكونفوشيوسية -على" استحالة الحصول على وظيفة حكومية دون معرفة أعمال كونفوشيوش ،كما يخبرنا عن  العديد من الملوك والفنانين والمثقفين الذين كانوا فلاسفة، وينظر الصينيون إلى الفكر والفلسفة والممارسة على أنه لا ينفصل أحدهما عن الآخر كجانبين لنشاط واحد " (عالم المعرفة:  الفكر الشرقي القديم.جون كولر ص :21)، وهو أمر يكفي للتدليل على نظرتهم السديدة لما تقتضيه طبيعة الحياة كان من المفترض أن تدخل تاريخ الفلسفة من باب واسع بدل التدليل عليها ورميها بالرغبات المنفعية والطقوس الدينية.

            إن الفلسفة الهندية لا تختلف مع نظيرتها الصينية في تصورها لما ينبغي أن يكون حيث تقاسمها نفس الرؤية فنجد "الدارما" تنصب على مفهوم العمل والسلوك، أي يحدد ما يجب أن يكون ويقوم به الفرد تجاهه وتجاه الآخرين ،فهي مطلوبة على مستوى الفرد و المجتمع لأجل الوصول إلى مجتمع يخلوا من المنازعات البينية وتحقيق قدر من الرفاهية، و" أكثر السمات إثارة في الفكر الفلسفي  الهندي بعد ثرائه وشموله  تتمثل في طابعه العملي، فقد نشأت تأملات حكماء الهند منذ البداية من محاولاتهم تحسين الحياة،فقد واجه الفلاسفة الهنود العذاب الجسدي والذهني والروحي  وسعوا إلى فهم مبرراته وأسبابه" (نفسه ص 27 ) ، كما سعى الفكر الهندي في سبيل ربط العلم بالعمل إلى تحديد الأغراض الأساسية للحياة لأجل تنظيم سلوكيات الأشخاص  وترويضها لتتفاعل مع مؤسسات المجتمع في خط تصاعدي نحو الأمثل، ويعبر عنها(بوروشارئا) أي هدف ما ،و" تتوزع إلى أربعة أهداف:العيش الفاضل أو الورع (الدارما) و وسائل الحياة (أرثا) و المتعة (كاما) ثم تحرير النفس (موكشا)" ( نفسه ص 72-73. (

            إن الناظر لفلسفات الشرق عامة يدرك حجم تعلقهم بضرورة الجمع بين الوجهين النظري والعملي، فكان أولى بها أن تتبوأ مكانة متميزة تناسب مقامها في تاريخ الفكر بدل النعوتات المسددة لها من الغربيين و"المتأينين" الذين يريدون أن تكون الفلسفة كما تحلوا لهم أن تكون وفق المنظور اليوناني ، ونحن نسلم بالفلسفة الإغريقية ولا أحد يجادل في تراكماتها الفلسفية ولكننا لا نسلم بأنها فلسفة واحدية ووحيدة ومرجعا يحكم الفلسفات الأخرى، وإذا كانت فلسفات الشرق غنية بالأساطير فماذا سنقول عن أساطير هوميروس  وهوزيود  في ملحماتهم ؟وماذا نقول عن الفكر السفسطائي وعن تأملات فلاسفة الطبيعة؟ثم هل اشتهرت اليونان عن باقي الأمم بالعصمة والفطنة حتى نرفعها إلى قمة القمم ونعلن بخلود فلسفاتها  ! فما كان شعب اليونان بأكمله متفلسفا إنما نبغ فيهم قلة ممن حاولوا الإصلاح في مجتمع انحلت فيه القيم  و تبددت فيه المثل سيما مع عصر السفسطة، ثم لم نُــنكر عن الشرقيين الفلسفة لمجرد اهتمامهم بما يعود على مصالحهم؟ أليس من حقنا أن ننكر عن الشرقيين انغماسهم في التجريد والاقتصار بالنظر البرهاني حتى دأبوا على إنكار الحواس وقيمة وظيفتها؟ " ولئن لم نجد لدى المصريين ما نجده عند اليونان من نظريات علمية وقوانين مفسرة للظواهر،و كان طابع العلم عندهم لم يكشف عن تلك الرغبة في المعرفة لذاتها فليس في هذا الاختلاف ما يقلل من أصالتهم العلمية أو ما يدعوا إلى استبعاد المنهج العلمي عن عقليتهم وتراثهم" (الفلسفة  اليونانية  : تاريخها ومشكلاتها. أميرة حلمي مطر  ص 29) ، مرة أخرى نؤكد على أن حضارة كيفما كانت ينبغي أن تفهم في نطاق خصوصياتها ومجمل ثوابتها، فإذا كان مثلا الدين عند اليونان يقوم على تصورات وهمية لا تقدم ما يكفي من معلومات حول غاية الوجود حيث نجم عنه غزارة في البحث في مسائل الميتافيزيقا أفيجوز أن نعيب على حضارة يكون فيها الدين عمودها الفقري ومحددا لكل شيء؟ " إن من التعسف الشديد أن ننكر عليهم القدرة العلمية لان علمهم قد ارتبط بالتطبيق العملي، ذلك أن هذا التطبيق نفسه حجة لهم لا عليم وهي  ثمرة لمعرفتهم العلمية" ( نفسه  ص29 )  وأن من البشاعة بفلسفة حركتها ظرفيتها التاريخية كانت في حاجة ماسة إلى ما يشبع فضول المسائلين حول حقيقة الكون ويذهب حيرة اليونانيين لاسيما إذا علمنا أن اليونان تتوزع على اثني عشر إلها يترأسهم الإله زيوس. و لا يسعنا إلا أن  نردد مع د.علي زيعور:" إن المتغلب قد أحدث فينا موقف اللاتوازن فنظرنا فترة إلى الفلسفة على أنها بنت اليونان ونتاج أوربا  حديثا ، وبذلك فان المغلوب أخذ نفسه على أنه دون الغرب نظرا وبحثا  وقدرات ،لقد بخست الضحية ذاتها بذاتها فكأنها تعاقب نفسها بالاستسلام" (الفلسفات  الهندية : علي زيعور  دار الأندلس . الطبعة الثانية 1943:ص 9 ) ، ونضيف بأن " المغلوب مولع بتقليد الغالب في شعاره ونظمه" على حد المؤرخ ابن خلدون .

    موقع الفلسفة في حضارات الشرق

         لم تكن فكرة الرجوع إلى الفكر الشرقي لفهمه وإدراك خفاياه  ما قبل القرن العشرين مطروحة بنفس القوة التي طرحت إبان فواتح القرن العشرين حيث وجهت ضربة قوية لأنصار الفكر الدوغماتي اليوناني، فلم يكن لهم سوى أن يتجرعوها على مضض شاكين في مدى مصداقية تلك الدعوى وهم الذين دأبوا على التعامل مع الإغريق بصفتهم يجسدون فلسفة واحدية وحيدة في شكل تكاملي جاءت وليدة نفسها بمعزل عن أي تأثير خارجي ،ومن ثم رفض باقي الفلسفات الهندية منها أو الصينية أو حتى المصرية على أساس انتمائها إلى عالم الميثولوجيا وتداخلاتها مع الدين و التجربة الحسية بحسب ما اعتادت أن تصنفها خارج "إطار" الفلسفة حتى غدا فكرا شبيها بفكر ما قبل التاريخ مجرد من كل مقتضيات التأمل والتدبر، ومع تصاعد الدعوات إلى تفكيك الفكر الشرقي  وحل ألغازه تصاعدت بالمقابل دعوات الانطواء على الفلسفة اليونانية الواحدية ونفي ما يزاحمه ويرمي إلى إلغائه عن طريق شتى أنواع الأوصاف والنعوت التعسفية في حين لو سمحوا لأنفسهم بتحليل عالم الحضارات وفلسفاتها لما بقوا على نزعتهم في ترييد الفكر اليوناني وتنزيل غيره.

    إن دارس الفكر الشرقي ليجد نفسه بعيدا عن تلك الصورة التي اصطنعتها الأيادي الموالية للنزعة الوثوقية ويقف وقفة تفكر وإمعان في مفاهيمهم وتأملاتهم وتصوراتهم التي تنم عن رؤية ليست عبثية عشوائية بقدر ما هي أنسقة تحاول تفسير العالم بموجوداته ولا موجوداته في صيغ مثلت ألغازا استعصى على العادي استكشافه وتحليل أسراره شأنه في ذلك شأن الفلسفة الصينية،وإذا كانت الفلسفة في مجموعها هي ركام من التساؤلات تتبلور عن فضول الإنسان لأجل النفاذ داخل العالم لمعرفته في أصوله وفروعه وتتوزع نحو إيجاد حلول لكبريات القضايا بشقيها "الحسي" "والغيبي"فإن ذلك لم يعدم وجودها في قاموس الفكر الشرقي وظلت حاضرة تسجل مواقفها من الإنسان ووظيفته في الحياة في شكل تهجين بين العلم والعمل بين الإدراك والممارسة، كما أنها انقسمت على مدارس متعددة على حسب اتجاهاتها وأطرها المرجعية في الاستدلال والبرهنة ،فهناك على سبيل المثال " مدارس  ترفض الجوهر والهوية والدوام والثبات  وترى أن هوية الأشياء و دوامها مسألة وهمية .و من ثم فإن رؤية الواقع من خلال منظور الجوهر هي زعم باطل لا أساس له  لأن الأشياء لا تكف عن الظهور والاختفاء، فلا هوية دائمة بين الأشخاص بل عناصر تنشأ وتتفرق وتتوقف وتظهر وتختفي على نحو مستمر" (عالم  المعرفة : الفكر الشرقي القديم جون كولر ترجمة:  كامل حسين يوسف العدد 199.مقدمة ع. الفتاح  إمام  الطبعة الثانية ص  11 ) كما نجد مذاهب ذات نزوع مثالي وآخر مادي ساهمت في إثراء الفكر الفلسفي سيما الهندي منه وهو شبيه إلى حد ما بالمدارس الأيونية اليونانية في تأويلات للعالم ومصير الإنسان.

            لقد اختلف المفكرون في أصل الفلسفة ومنشئها فتأرجحت بين الشرق والغرب وانتظم غالبيتهم في كفة الغرب في حين تمسك قلة منهم بالحكمة الشرقية، وقد مثلها " ابل ريه في كتابه (شباب العلم اليوناني ) ثم في المناقشة التي حدثت في الجمعية الفرنسية للموضوع الذي قدمه وهو(العلم عند الشرقيين في العصر السابق على العلم عند اليونان" (ريع الفكر اليوناني: عبد الرحمان بدوي  الطبعة  الخامسة  1979 .دار القلم  بيروت  لبنان  ص 9 )  وشايعه في ذلك إميل برهيه و دلتهي و ياسبز بريس و راد أكرشنان و غلاديش و روث، وفي رأي جورج سارطون في" تاريخ العلم" أن من  سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم قد بدأ في بلاد الإغريق فإن المعجزة اليونانية قد سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وبلاد ما بين النهرين  وغيرهما من الأقاليم والعلم اليوناني كان إحياء أكثر من اختراعا " (تاريخ العلم . جورج سارطون  ج 1 ص 20-21  نقلا عن –( من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ).محمد عبد الرحمان مرحبا الطبعة 2/1981ص  78.) ،كما جاء نتيجة للرحلات المتعددة لليونانيين إلى أراضي الشرق لاستلهام العلوم والاستفادة من بواكير فكرها على مستويات مختلفة بل حتى اليونان لا ينكرون فضل الشرقيين على حضارة الإغريق وأسبقيتهم لكثير من الحقائق التي كانت محل إعجاب وانبهار من قبل الإغريق ،" فمنذ القرن الخامس ق. م سجل هيرودوت إعجابه بحضارات قدماء المصيريين واعترف بتفوقهم على أهل بلاده في كثير من الصناعات والفنون العلمية وذكر ما يدين به فلاسفة اليونان وعلمائهم من علوم ونظريات أخذوها عن المصريين" (الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها د أميرة حلمي مطر  ص 26 ) اعتبرت إرهاصات لتطور الفكر اليوناني وبدايات وضحت معالم الفكر عامة ،بل نجد غلاديش وروث تبنيا الأصل الشرقي للفكر اليوناني وبالأخص الحضارة المصرية العريقة،وبالرغم من ذلك فكثير من القصص التي نسجها المؤرخون حول مصر اتسمت بالانحيازية والذاتية وتلفيق الأحداث وتزيينها بكثير من الخرافات والأساطير إما عن قصد أو عن جهل بمقومات الحضارة المصرية،و لذلك جاءت كتاباتهم تلفيقية و مفعمة بالروايات الهلامية، "و قد تميزت الفترة ما بين القرنين السادس ق.م إلى الثاني ب.م  بزيارة عدد كبير من  الاغارقة مؤرخين كانوا  أم رحالة ...غير أن كثيرا منهم قد أساءوا فهم ما رأوه و ذهب بهم خيالهم في تفسير أو تعليل ما سمعوه، كما أن هؤلاء زاروا  مصر في أيام ضعفها ...وان هؤلاء كانت إقامتهم قي مدن الدلتا وان الكتاب قد اعتمدوا في الكثير من معلوماتهم على الأحاديث الشفوية مع صغار الكهنة والتراجمة الوطنيين بالإضافة إلى روح التعصب التي عرفت عن الغربيين لحضارتهم" ( دراسات في تاريخ الشرق الأدنى .د.أحمد  أمين  سليم  .دار النهضة العربية للنشر و الطباعة  .بيروت1989 ص: 16 ) و من أشهر هؤلاء المؤرخين  هيكاته الملتي و هيرودوت و هيكاته الأبديري  و ديودور الصقلي و فلوتارخيس وغيرهم.فما كانت نزعتهم في التأريخ للحضارات تمنعهم من الميل إلى تمجيد مراكزهم ووصف غيرها بالأساطير الفجة، وكيف لنا أن ننكر على المصريين ابتكاراتهم العلمية في ميدان الرياضيات وعلى البابليين علم الفضاء و الفلك حتى بنا عليها الإغريق أبحاثهم وأضافوا إليها من عبقريتهم؟ " فقد عرف الكهنة البابليون منذ  القرن الثامن ق.م حسابات و أنظمة مدارات النجوم إلى جانب معرفتهم لظواهر فلكية أخرى كخسوف القمر وكسوف الشمس،إن معرفة حسابات هذه المدارات التي يمكن أن تكون قد قادت الإنسان ولأول مرة إلى المعرفة بأن الفلك يحكم ويسير من قبل قانون قد شددت الاعتقاد بوحدة حكم العالم" (تاريخ  الشرق الأدنى القديم .د.أنطون مرتكات .تعريب توفيق سليمان، قاسم الطويل ص 354 ) كما نجد جاستون مليو يشيد بالمكانة التي يحتفظ بها المصريون و الشرقيون عموما في ميدان الرياضيات.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز