محمد راغب
g
Blog Contributor since:
09 August 2007

مصرى يهوى الكتابة

 More articles 


Arab Times Blogs
الملك مينا نارمر .. موحد القطرين أم مجرم القطرين !؟

تعلمنا فى حصص التاريخ أن "الملك مينا هو موحد القطرين".. تحولت هذه العبارة الشهيرة إلى كتلة واحدة صماء تتردد على ألسن المصريين و فى وسائل الإعلام و على صفحات الكتب و الصحف.. فإذا ذُكر اسم مينا فانتظر بقية العبارة أن تتلى عليك .. و إذا تسلل إلى سمعك عبارة " موحد القطرين " فأنت على يقين أن الكلام عن الملك مينا .. فصارت الجملة - من كثرة التكرار - أشبه بالإسم الثلاثى أكثر منها عبارة تصف حدثاً تاريخياً معيناً فى تاريخ مصر القديم.

و مينا نارمر - لمن لا يعلم - هو أحد مؤسسى " الأسرة الأولى " فى الحقبة الفرعونية من تاريخ مصر .. أما " القطرين" اللذين توحدا فهما شمال وادى النيل و جنوبه الذى يشمل بلاد النوبة .. أو "بحرى" و "جبلى"- بالجيم المكسورة - كما تقول عامة المصريين.

الظاهرو الثابت إذن أن الملك مينا و قد كان ملكاً على القطر الجنوبى قرر أن يضم القطر الشمالى لملكه لتصبح مصر بشمال الوادى الزراعى الخصب و جنوبه الغنى بالذهب و المعادن دولة موحدة مركزية قوية.. و قد كان.

و تُعد لوحة الملك مينا نارمر بوجهيها و الموجودة بالمتحف المصرى فى وسط القاهرة هى أقدم وثيقة تاريخية تسجل هذه الوحدة بين الشمال و الجنوب.. لا زلت أذكر هذه الصورة المعبرة التى ملأت صفحة كاملة (على اليمين) من كتاب التاريخ المقرر على المرحلة الإعدادية .. ذلك المشهد الذى نرى فيه الملك مينا بقوامه الممشوق متوجاً بتاج القطر الجنوبى " الأملس " و ممسكاً بيده اليسرى ناصية واحد من الأعداء .. و ذراعه الأيمن مرفوع و الصولجان فى يده لكى يهوى به على رأس العدو الراكع أمامه فى ذل الهزيمة ! (1)

لم يسمع طالب الإعدادى شرح المدرس و هو يحكى عن إنجازات الملك مينا و بطولاته إذ كان ذهنه سارحاً فى تفاصيل الصورة المدهشة .. نعم اللقطة جد مدهشة و إختيار المشهد كان بارعاً حقاً.. و لكن !
ولكن شيئاً ما فى الصورة كان يحيك فى صدر الغلام !
لم يتبينه و لكنه كان هناك .. ذلك أنه كان صعباً على عقله فى هذه السن الحديثة أن يُمسك به!

ما لم تذكره لوحة مينا نارمر و ما لم يذكره المؤرخون و واضعو المناهج و المدرسون أن ذاك "العدو" الراكع أمام الملك مينا كان "مصرياً" أيضا !!
نعم هو مصرى عاش و تربى على ضفاف وادى النيل و ربما كان قائداً لجيوش القطر الشمالى "المصرى".. قد طلع ليصد إجتياحاً غاشماً قادماً من الجنوب.
لا يصور المشهد إشتباكاً حربياً بين نظيرين متكافئين بل يصور قائداً ينتقم و يذل المهزوم المستسلم شر إذلال و يقتله شر قتلة ! و يأمر الملك مينا المنتصر النحاتين ليخلدوا هذا المشهد فى لوحته المعروفة باسمه فيبقى على مر ألاف السنين شاهداً على الفخار و الإنتصار المبين.

أيضا تجاهل واضعو مناهج التاريخ الإشارة إلى المشهد الثانى فى الوجه المقابل من لوحة مينا نارمر (2) .. ذلك الذى نرى فيه الملك مينا ماشياً فى موكبه و متوجاً بتاج القطر الشمالى " الحلزونى " و من أمامه أطفال يحملون بيارق النصر العارم على " عدوهم " .. و فى أقصى اليمين - و ما أدراك ما فى اليمين ! - نرى عشرة جثث مذبوحة مسجاة على الأرض و قد وضعت الرؤوس المقطوعة بين أرجل القتلى إمعاناً فى إحتقار " العدو" المهزوم !
إذا أرجعت البصر كرَّة أخرى إلى الجثث العشرة سترى قيداً عند الأكواع !
و ماذا يعنى ذلك ؟
يعنى ببساطة أن الجثث العشرة كانت لـ" أسرى " و لم تكن لمحاربين فى ساحة المعركة .. أى أن التمثيل بجثث الجنود ووضع الرؤوس بين الأرجل حدث بعد إعلان الهزيمة و تقييد الأسرى !
و ما لم يذكره المؤرخون أن تلكم الجثث العشرة المذبوحة كانت هى أيضا لـ"مصريين" من أهل الشمال !!

يلفت النظر أيضا فى المشهدين " موظفُُ " يمشى خلف الملك مينا يطلق عليه المتخصصون فى علوم المصريات بـ"حامل الصندل".. و يبدو أنها كانت وظيفة مهمة جداً فى عهد الفراعنة .. إذ نرى صورة حامل الصندل تتكرر فى منحوتات فرعونية أخرى .. و لا أعرف حقيقةً ما الحكمة فى أن يحارب الملك أو يحتفل بالإنتصار و هو حافى القدمين !!
و ما أهمية أن يصاحبه "كبير ياوران" مهمته الوحيدة أن يحمل له الصندل !؟
قد يبدو موضوع الصندل و حامله للوهلة الأولى موضوعاً ثانويا فى لوحة مينا الشهيرة .. واقع الحال هو إشارة جد معبرة - لا تغمض عنها عين المحلل - لـ" طبيعة حكم " الملك مينا و " نوعية العلاقة " التى تربط بين الحاكم و المحكوم و بين الرئيس و المرؤوس فى ذلك العهد القديم !!

و من مينا موحد مصر إلى صدام "موحد" العراق !!

سؤال : ما الفرق بين مينا الذى وحَد مصر و بين صدام حسين فى "محاولته" لتوحيد العراق بضم الكويت بالقوة المسلحة !؟
أو ليست الكويت جزءاً أصيلاً من دولة العراق - أو المحافظة التاسعة عشر كما قيل - وهذا ما يثبته التاريخ و الجغرافيا و التربية القومية أيضاً !؟
فلماذا نعتبر حاكم العراق السابق مجنوناً و مجرماً لأنه أراد أن يوحد الجزء العراقى بالكل للعراقى.. بينما نعتبر نحن المصريين مينا بطل الأبطال و أشجع الشجعان لأنه وحَّد قطرى مصر !؟
لم أقرأ أن صداماً - فى محاولته لتوحيد قطرى دولة العراق - أمسك ناصية حاكم الكويت وذبحه كما فعل مينا مع حاكم القطر الشمالى ! و لم أسمع أن صداماً ذبح الكويتيين ووضع رؤوسهم المقطوعة بين أرجل الجثث كما فعل جدُّنا الملك مينا نارمر مع أهل مصر الشماليين !

هل نكون مفتئتين على الحقيقة إذن - بعد ما سبق - إن قلنا أن " قوة السلاح " كانت أحد مكونات نجاح ورسوخ الحكم فى عهد الفراعنة !؟
و هل نكون مبالغين إن زعمنا أن الحضارة الفرعونية إنما بُنيت - من بين ما بنيت عليه - على " السيف " !؟

أيا كانت الإجابة على سؤال المبتدأ و أياً كانت دوافع الملك مينا و " شرعيتها " ـ أُذكر القارئ الكريم أننا نتحدث عن تاريخ موغل فى القدم .. توغل يناهز الخمسة ألاف عام ! ـ فالثابت أن مصر لم تتوحد - يقيناً - بالـ"مفاوضات" أو بـ"الجولات الدبلوماسية" أو بحوارات " الموائد المستديرة " أو " البيضاوية " أو " المتوازية الأضلاع " !

نعم مصر لم تتوحد بـ" الإستفتاءات الشعبية " أو بـ" الشرعية الدولية " أو بـ" المعاهدات " .. توحدت مصر- يا سادة يا كرام - بالقوة المسلحة .. و كان جدُّّنا الملك مينا موحد ومُنشأ مصر الفرعونية يؤمن - كالمتنبى - بأن " السيف أصدق أنباءاً من الكتب "!

و هو كذلك .. و إن أفتوك !

و الحمد لله رب العالمين.

*********************

(1)

(2)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز