عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أيُّ الفهميْنِ في ميراث الأولاد هو الصحيح: فهم رسول الأمة أم فهم الأئمة؟ا

 أجلْ، لقد فهمَ الرسولُ أنّ حظّ الابنِ في الميراث مثلُ حظّ البنتِ وبيّن ذلك وقضى بهِ، ولكنْ هيْهات هيهاتَ أن يستوعبَ عقلُ أيِّ أبلهِ.

 حسناً، لقد جاءَ في "فتـــْح القديــــر" للإمامِ الشوكانيّ، رحمَهُ اللهُ تعالى، في تفسيرِ الآيةِ (7) من سورةِ النساءِ الكريمة: "لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا-  جاء عنِ ابنِ عباسٍ أنّه قالَ: كانَ أهلُ الجاهليةِ لا يورّثونَ البناتِ، ولا الصغارَ حتى يدركوا، فماتَ رجلٌ من الأنصارِ يُقال له: أوسُ بنُ ثابتٍ، وترك ابنتيْنِ، وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمِّهِ، وهما عَصَبتُهُ، إلى رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، فأخذا ميراثَهُ كُلَّهُ، فجاءتِ امرأتُهُ إلى رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، فنزلتِ الآيةُ [السابعة من سورة النساء]، فأرسلَ إليهما رسولُ اللهِ فقالَ: "لا تحركا من الميراثِ شيئاً، فإنّهُ قد أُنزِل عليّ شيءٌ احترتُ فيهِ: أنّ للذكرِ والأنثى نصيباً". ثم نزلَ بعدَ ذلكَ { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء} (النساء 127)، ثم نزلَ { يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ } (النساء )11، فدعا بالميراثِ، فأعطى المرأةَ الثمنَ، وقسمَ ما بقيَ "للذكرِ مثلُ حظ الأنثييْنِ".

والأمرُ في نقاطٍ:

 (1)  جاء في الآيةِ المذكورة: "لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا."

 (2) ماذا فهم الرسولُ، عليه الصلاةُ والسلامُ، من الآية المذكورة؟

فهم "أنّ للذكر والأنثى نصيباً".

 (3)  ما هو الذي حيّرَ الرسول؟

الذي سببَ حيرة الرسولِ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ، ليسَ أنّ الآية قد بينت أنّ للأنثى نصيباً في تركة الوالديْنِ؛ فقد سبَق في سورة البقرة بيانُ أنّ الأنثى تستحقُ على الوجوب ميراثاً نصيباً مما تركَ والداها أحدُهما أو كلاهما.

ولم تكن حيرتُه، عليه الصلاة والسلامُ، في فهمِهِ أنّ نصيبَ البنتِ هوَ مثلُ نصيبِ الابنِ مساواةً، بل كانت في وصف النصيبِ من حيثُ كونهُ "مفروضاً": هل هوَ مفروضٌ بالفرْضِ قطعاً وفرزاً من التركةِ على سبيل الفريضة والوجوب من اللهِ تعالى، أم على سبيلِ الندب؟ ثم كم هو من التركةِ قَسْماً؟

فالآيةُ (7) من سورة النساء ذاتُ إبهامٍ وإجمالٍ، وهذا ممّا يتطّلبُ التبيينَ والتفصيلَ، لرفع الغموضِ واللّبْسِ والحيْرة.

فجاءت الآية 11 تبينُ أنّ المساواة هي بالفرض من التركة، أيْ: بالقطعِ والفرزِ من التركة على سبيلِ الفريضة، وبيّنت الحظوظَ مفصّلةً؛ فتمّ بذلكَ نزعُ كلّ الإبهام والإجمالِ الموجوديْنِ في الآية السابعة، من سورة النساءِ، واللذيْنِ كانا محلّ حيْرة الرسولِ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ.

(4)  وحينئذٍ فقد قسم الرسولُ كلّ تركة "أوْسِ بنِ ثابتٍ" الأنصاريّ في زوجتِهِ وبنتيْهِ وابنِهِ، فلم يعطِ منها ابنيْ عمّه شيئاً؛ لأنّ وجودَ الأبناءِ حاجبٌ حتى لإخوة المورّثِ، بلْهَ أبناءَهم. فلوْ لم يكنِ الحكمُ على الفريضةِ أو الوجوب، لقامَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، بتطييبِ خاطر ابنيْ عمِّ أوسٍ بشيءٍ من التركة على سبيل المراضاة؛ وبخاصةٍ أنهُ كان قد سلّم التركة لهما بنفسِهِ؛ فلمّا تبيّنَ لهُ عدمُ رضا ورثتِهِ، فقد نزعَها منهُما برضاهما فنزلا عنها تكريماً له واحتشاماً.

(5)  ما الذي طبّقهُ الرسولُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ؟

طبّقَ قولَ الله تعالى "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ" حسبَ المعنى الذي قد فهمَهُ، وهوَ "أنّ للذكرِ والأنثى نصيباً"، أيْ: إنّ للذكرِ والأنثى نصيباً واحداً في التركة، أيْ: هما سيّانِ متساويانِ حظّاً. وأعطى كلّ وارثٍ حظّهُ. ففهْمُ الرسولِ، عليْهِ الصلاةُ والسلامُ، بأنّ الآيةَ (7) من سورةِ النساءِ تعني أنّ حظّ الذكر (الابن) يساوي حظّ الأنثى (البنت)، هوَ دلالةٌ قطعيّةٌ منطبقةٌ على جملةِ "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ".

ولوْ أنّ حكمَ اللهِ تعالى أنّ نصيبَ الابنِ هوَ ضعفُ نصيبِ البنتِ، لَجاءَت الآيةُ (7) من سورةِ النساء في مثلِ هذهِ الصيغةِ: ((للرجال نصيبٌ مِمّا تركَ الوالدانِ والأقربونَ مِمّا قلّ منهُ أوْ كثُرَ وللنساء نصفُهُ)).

أوْ هذهِ: ((للذكرِ مِثلا نصيبِ الأنثى مِمّا تركَ الوالدانِ والأقربونَ مِمّا قلَّ منهُ أوْ كانَ كثيراً)).

 

ومما يجزم بأنّ الرسول الكريم قد فهمَ من الآية السابعةَ من سورة النساءِ:"لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا"- مما يجزمُ أنه قد فهمَ منها أن نصيبَ الابنِ مماثلٌ على التساوي لنصيبِ البنت هوَ ما جاء في الآية التي تليها مباشرةً وذلك قولُ اللهِ تعالى: "وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا" (آية 8)

فماذا في الآية الثامنة عالية الذكر؟

لا ريْبَ أنّ الآية المذكورة تتحدّثُ عن قسمة التركة "وإذا حضرَ القسمة..." وهنا تنشأُ مثل هذه التساؤلات: كيفَ تكون تلك القسمة؟ كيف تجري تلك القسمة بين الأولاد؟ على أيّ قاعدة أو مبدأ سيتمّ تطبيقُ هذه القسمة؟

 حسناً، قبل الإجابة لا بدّ من الانتباه إلى أن "القسمة" جاءت محلّاةً بأل التعريف، ومجيئها معرّفةً يفيد أنَه قد سلفَ ذكرُها. فأين سبقَ ذكر القسمة قبل الآية الثامنة؟

 سبق ذكر القسمة المذكورة في الآية الثامنة من سورة النساء في الآية السابعة من نفس السورة، وبالتالي، فإن المطلوب هو أنّ هذه القسمةَ المنشودةَ تجري على وَفْقِ وحسب ما جاء عن تفريقِ وتوزيع وتحصيصِ التركة بين الأولاد في الآية السابعة. فما الذي جاء عن تقسيم التركة بين الأولادِ في الآية السابعة؟

جاء أنّ حال نصيبِ الابنِ مثلُ حالِ نصيبِ البنتِ مماثلةً على المساواةِ "نصيباً مفروضاً".  وكيفَ فهمَ الرسولُ الكريمُ الآية السابعة نفسَها؟

فهمَ منها أنّ للابنِ وللبنتِ نصيباً واحداً.

وأخيراً، فلا بدّ من سؤالٍ ذي تحدٍّ لكلّ مَنْ يوصفُ أو يصفُ نفسَهُ بأنَهُ مرجعيّةٌ فقهيّة: هل لو اجتمع كلّ الأئمةِ وجميع فقهاء الأمّةِ لإثبات أنّ الآية السابعة تفيد أنّ حظّ الابنِ هو ضعف حظّ البنتِ- هل يمكنُهم ذلكَ؟

إّنهم لن يستطيعوا ذلك أبداً ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيراً وسنداً.

من كتاب "مواريث عطية"

*******

الخليل في4-4-2021








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز