عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
ما هيَ آيةُ زكريا؟ كيف برهنَ زكريّا لقومِهِ أنّ يحيى ابنُهُ حقيقةً؟ا

 قالَ اللهُ تعالى على لسانِ النبيِّ زكريا، عليه الصلاةُ والسلامُ، في سورة مريم الكريمة: "كهيعص. ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا. قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا(الآيات 1-11).

وجاء في الآية 41 من سورة آل عمران المجيدة: "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ".

حسناً، فما هي تلك الآيةُ؟ ما هوَ برهانُ زكريّا لقومِهِ أنّ الغلامَ هو ولدُهُ حقيقةً؟

 من الواضح أنّ النبيّ زكريّا، عليه السلام، كان يتخوّفُ من مواليهِ، كان قد أحسّ من أقاربِهِ صراعاً على مَنْ سيخلفُه في تركته؛ إذ كانوا طامعينَ في أن يرثوه ويرثوا ما صار إليه من إرث آلِ يعقوبَ، عليه السلام، أيْ: إنّ هؤلاء الأقاربَ كانوا يتربّصون به مستعجلينَ موتَهُ، وقد طال عمرُهُ كثيراً. وإذ هو في حالٍ من عِتيِّ الكبَرِ، وامرأته عاقر، وكان من المعهود والمألوف أن لا يكون للإنسان على هذه الحال ذرّيّةٌ؛ إلّا أنّ ما شاهده هو من أمر مريم، عليها السلامُ، من الرزقِ الذي يأتيها بغيرِ حسابٍ، قد بثّ في نفسه الأملَ في أن يرزقه اللهُ سبحانه ولداً بغير حسابٍ، أيْ: من خلال الحدوث بإرادةِ اللهِ، بالحدوث على غير ما هو جارٍ من سُننِه سبحانَه في تناسل البشر. ولمّا استجاب اللهُ تعالى دعاءَ زكريا فقد قامَ يسأل عن كيفيّة مجيء ذلك الولدِ المبشَّرِ بهِ: هل يتداوى؟ هل يتزوّج من غير امرأتهِ العاقر؟ ... هل ..؟ وهل...؟ ..الخ. فكان الجوابُ هوَ أنّ الغلامَ سيكون منه ومنها نفسِها دونَ دواءٍ، وما ذلك إلّا بمشيئة اللهِ جلّ وعلا.

 ولا ريْبَ في أنّ زكريّا كان على اطمئنانٍ كاملٍ بأن الغلامَ سيأتيهِ من امرأتهِ نفسِها ودون تداوٍ، ولكنّهُ كان يعرف من خبرتِهِ أنّ قومَه وبخاصةٍ مواليَهِ لن يمرّروا القبولَ بأنّ الغلامَ هو ابنُه على الحقيقة؛ إذ إنّ أطماعَهم في ميراثِهِ ستدفعُهم للتشكيك في أمر هذا الغلام؛ وذلك لنفيِ أنه من آل يعقوبَ، وللحيلولة دون ميراثهِ له. فقد كان يمكنهم أن يثيروا الشبهات حول "يحيى" بأنه ليس ابناً حقيقيّاً لزكريّا كأن يقولوا: إنّ "يحيى" لقيطٌ عثر عليه زكريّا أو اشتراهُ، أو كأن يقولوا: إنّ والديّ "يحيى" الحقيقيّيْنِ قد تبرّعا به لزكريّا ليكونَ وريثَهُ مستقبلاً.

 أجل، فاحتياطاً واحترازاً من "زكريّا"، عليه السلام، وحتّى لا يتعرّضَ لحملاتٍ من مثل هذه الأقاويل والتشكيكات التي تريد نفيَ أبوّتِهِ الحقيقيّةِ ليحيى، فإنه قد طلب من اللهِ تعالى أن يجعل له آيةً بها تندرءُ وتندفع كلُّ هذه الشبهات دون أن يدخل هو في صراعٍ مع قومِهِ لأجلِ الإثباتِ، طلبَ آيةً برهاناً له تجعل كلّ واحدٍ منهم يُخرسُ لسانَهُ ويمنعه من إصدار أيّ تشكيكٍ في حقيقة أن يحيى ابنٌ شرعيٌّ له من نفس امرأته يقيناً.

 لقد طلب زكريّاءُ آيةً برهاناً تجعله قادراً على إخراسِهم، آيةً تخرس كلّ مَنْ يريد التشكيكَ في كون يحيى ابناً له من صُلبِهِ حقيقةً، تخرس كلّ  مَنْ يريد من قومِهِ أن يتهم زكريّاءَ بأنّ يحيى شيءٌ فرِيٌّ، أو أنّه ليس ولداً لفراشِه، فجاءت الآيةُ ليست إخراساً لهم عن هكذا تشكيكٍ فحسْبُ، بل جاءتْ بجعلِهم أنفسِهم "خرسان" حقيقةً لفترة أيامٍ ثلاثةٍ، لقد تمّ انعقادُ ألسنتِهم، وأصابهم الصممُ فكانوا أيضاً مع الطرشان؛ فأصبح الحديثُ إليهم أو منهم أو التكلّم معهم أو بينهم، يتمّ رمزاً وإشارةً.

 ولمّا أدرك قومُ زكريّا أنّهم قد اجتاحهم انعقادُ الألسنةِ والصممُ، إلّا هوَ وزوجتَهُ، فقد ذهبوا إليه يُهرَعونَ لعلّهُ أن يدعوَ إلى اللهِ تعالى أن يكشفَ هذه المصيبةَ عنهم، فخرجَ عليهم من المحرابِ وكلّمهم بالرموز والإشارات معلماً لهم أنّه قد أوحيَ إليهِ أنّ هذهِ المصيبةَ من الصممِ والخرسِ عابرةٌ يدومُ حالهم عليها ثلاثةَ أيّامٍ فقط، وعليهم أن يديموا فيها التسبيح تضرّعاً للهِ تعالى، ومعلماً لهم في الوقتِ نفسِه أنّهُ قد تمّ تبشيرُهُ بولدٍ له من ظهرِهِ ومنَ امرأتهِ العاقرِ بمشيئةٍ من ربّهِ.

 ومرّت الأيامُ ثلاثتُها، مرّت ثلاثُ ليالٍ بالتمامِ والكمال، فعادَ السمعُ إلى آذانِهم والنطقُ إلى ألسنتِهم، تماماً كما أنبأهم من قبلُ، وأخذوا يراقبون زوجتَهُ إذ بطنُها يرتفع بالحملِ شيئاً فشيئاً، حتّى إذا ما تمت مدةُ الحملِ المألوفةُ المعهودةُ بأشهرِها التسعةِ، فقد وضعت يحيى، عليه السلام، فلم يجرؤ أحدٌ من قومِ زوجِها على إثارة أيّ تشكيكٍ في كونِهِ ابناً شرعيّاً لها ولزكريّا؛ إذ لم يقلْ لهما أحدٌ من الناسِ: ((لقد جئتما شيئاً فريّا)).

 ولا بدّ هنا من التذكير بأنّ ما كُتبَتْ عليهِ مصاحفُ عثمانَ يسمحُ بقراءة "قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا" قراءةً ثانيةً تفيدُ انعقادَ ألسنةِ قومِهِ؛ وذلك هكذا : ((قالَ آيتُكَ أَلاَّ يَكَّلَّمَ الناسُ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا))، وبقراءة "قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا .." قراءةً ثانيةً تفيدُ انعقادَ ألسنةِ الناس من حولِهِ؛ وذلك هكذا: ((قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ يَكَّلَّمَ النَّاسُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا ..)).

أجلْ، كانَ انعقادُ ألسنةِ الناسِ، قوم زكريّا، ثلاثَ ليالٍ سويّاً، هو آيتَهُ، أيْ: كان ذلك برهانَهُ المسبقَ على أنّ يحيى ولدُهُ من صلبِهِ وأنهُ ليس ذرّيّةً مفتراةً، وأنه وحدَه المستحقُّ لميراثِهِ.

من كتاب "التفسير الغائب"

******

الخليل في 31-3-2021







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز