محيى الدين غريب
moheygharib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 December 2017



Arab Times Blogs
خدش المبادئ !!

8 فبراير 2021 

     جميع الدول الديمقراطية ، خاصة الأوروبية لا تعتمد أى مراسم دينية فى مراسم تنصيب الرؤساء، فيما عدا الولايات المتحدة الأمريكية، التى تعتمد فيها على الصلاة فى الكنيسة وعلى حلف اليمين على الإنجيل. وعلى الرغم من أن القانون الأمريكي لا يفرض مثل هذه الإجراءات فى التنصيب، إلا أنه أصبح تقليدا متبعا لدى الرؤساء، منذ الرئيس الأسبق فرانكلين رزوفلت عام 1933.

 ولكن يظل هذا مشهدا منتقدا ومستهجنا للغاية، وخدشا لأبسط المبادئ الديمقراطية كما شاهدنا. فكيف أن الولايات المتحدة الامريكية وهى التى تدعو دول العالم إلى عدم إقحام الدين فى السياسة، والفصل بين الدين والدولة، وأن الدين لله والوطن للجميع..... فما الذى سيحدث لو أن الرئيس الأمريكى فى المستقبل كانت ديانته بوذية أو إسلامية، هل ستكون المراسيم فى معبد بوذى أو جامع؟. هل سيحلف الرئيس على الكتاب البوذى أو على القرآن؟.

 الولايات المتحدة الأمريكية وهى القوى العظمى فى العالم، والتى يعتمد نظامها ودستورها على المبادئ الديمقراطية، والتى تضم مهاجرين من كل دول العالم ومن كل الديانات والملل والأعراق والطوائف، والتى تعطى الفرصة لجميع مهاجريها من أى مكان،  ليكونوا رئيسا  لها أوعضوا لبرلمانها أولمجلس شيوخها، عليها أن تجد طريقة أخرى لتكون نموذجا يقتضى به ويناسب مكانتها، لا يتعارض مع المبادئ الديمقراطية التى أرساها الغرب.

معظم الرؤساء فى أمريكا بالطبع يحاولون جهرا تسليط الضوء بالذات على مثل هذه المراسم، فمن ناحية للتعبيرعن احترامهم للعقيدة الدينية التى يعتنقها نسبة كبيرة من شعبهم، ومن ناحية أخرى لكسب أصواتهم.

وكما استنكرت النخب العلمانية بأن المشهد هو خدش للمبادئ الديمقراطية ويتعارض مع ضرورة فصل الدين عن الدولة، خرج أيضا الإسلام السياسى يستشهد بما حدث على أنه الوضع الطبيعى، ويعقد المقارنات، ويتخذ الأعذار لضرورة إقحام الدين فى السياسة أسوة بأمريكا. وكانت فرصة لهم للهجوم على الأفكار العلمانية وعلى النظام الديمقراطي. وكيف أن الغرب سمح لنفسه الخلط بين الدين والدولة في الوقت الذي يدعو فيه إلى ضرورة الفصل بينهما، وما إلى ذلك.

والآن يتباكى الإسلام السياسى على نجاح الأفكار العلمانية في  بعض المجتمعات المسلمة التى فرضت النظام الديمقراطي الكافر وحققت الفصل التام بين الدين والدولة بما يخالف ويناقض عقيدتها وأحكام دينها. وعلى الغرب أن يعلن انهزامه أمام حضارة الإسلام الصاعدة.

وهم فى الحالة الأمريكية معهم كل الحق، حتى أن العلمانية الغربية أيضا قامت بالإنتقاد ولكن على إستحياء وليس بالحدية اللازمة كما يجب أن يكون للأسباب التالية.  

العلمانية الغربية، بالفعل لم تعترض  كثيراعلى إقحام أي من مظاهر التدين في الحياة السياسية الأمريكية، ولم تتهم أحد بالتعصب الديني، أو أنها دولة دينية،  ذلك لأن الجميع يعرف إن طقوس التنصيب في الكنيسة مجرد إجراء شكلي ليس من أجل إقامة حكم ديني،  ولاعلاقة للدين بالحكم، سواء كانت الإدارة للدولة  كاثوليكية أو بروتستانتية أو يهودية، مؤمنة أو ملحدة، أو غير ذلك. وأيا كانت هذه الطقوس فهذا لن يغير كون الولايات المتحدة الأمريكية دولة علمانية ديمقراطية. هم قد يقسمون على الإنجيل، ويتمسحون على أعتاب الكنائس في المناسبات السياسية، إلا أنهم يلتزمون وينفذون فقط دستيورالدولة المدنى.

 أيضا هناك فرقا شاسعا بين مفهوم الدين فى الدول الديمقراطية الحالية، إذ أنه ليس إلا ممارسة وجدانية فردية من  تبرك وصلاة ودعاء وبضعة طقوس روحية، ولا علاقة له بالسياسة ونظام المجتمع ولا بالعلم.

ففي المجتمعات الأوروبية بعد هيمنة الكنيسة (السلطة الدينية) على مفاصل الدولة في العصور الوسطى، وبعد تصادمها مع السلطة المدنية ومع المفكرين العلمانيين، أصبح منذ ذلك الحين فصل الدين عن الدولة من أهم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة وفقا لنظرية "العقد الاجتماعي" المسلّم بها في الفكر السياسي الغربي.

 بينما تقوم العقيدة الإسلامية على نظام شمولي يقحم الدين ليس فقط فى السياسة، بل يشمل جميع الأحكام المتعلقة بالاقتصاد والاجتماع والتعليم وكل مناحى الحياة العامة والخاصة، بصرف النظر عن الهوية الثقافية للمجتمع والحرية الشخصية بمعناها العام، وحرية العقيدة الدينية والفكرية.

وبناء على ما شاهدناه، فإن النموذخ الأمريكى فى تنصيب رؤساءه يعد إخفاقا للإنسان الغربى وخدشا فى حق الديمقراطية التى هى أفضل ما عرفه وحققه الإنسان حتى الآن.  







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز