خالد جواد شبيل
kalidjawadkalid@hotmail.com
Blog Contributor since:
26 June 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
ارتخاءة الشعر – 16


المُتيَّمُ الإفريقي


أول الكلام:

كثيرون هم الشعراء الذين ظلوا قابعين في زوايا التاريخ المعتمة، لم يُسلَّط عليهم الضوء، ولم يقلِّب سلعتهم أحد، ولا تشفع لهم مواهبهم ولا عطاؤهم الباذخ، لأسباب عديدة، والأنكى إن ذُكروا فينالهم مؤرخو الشعر ورواته بشيء من التشويه إما حسدا لمواهبهم، أو مقتاً لهم بسبب سلاطة لسانهم، أو بتوصية من أصحاب الجاه للتندرعليهم في مجالسهم، أوحسداً من منافسيهم، وقد لايغيب البعد السياسي أو الطائفي أو كونهم من الموالي في أصولهم أو من منحدر متواضع..

 ومن يريد مثالاً على ما أقول سيحضر ابن الرومي، فهو ذو قامة شعرية كبيرة، وقد ظل مغموراً دهراً وإن يذكر فيذكر للتندرعليه في تطيره وتشاؤمه وسلاطة لسانه في أهاجيهة الساخرة، ولولا أن قُيّض له الأستاذ الموسوعي عباس محمود العقاد في كتابه الرائع " ابن الرومي حياته من شعره"  لبقي شبه مجهول، فقد جلا عنه كثيراً من شائعات باطلة ودحض كثيراً من الأكاذيب، ورسم شخصيته مقترباً من صورته الحقيقية بعيداً عن الأقاويل وأباطيلها وإنما من خلال شعر ابن الرومي نفسه..

والمثل الآخر من أمثلة كثيرة، هو شاعرنا لهذا اليوم المشهور بالُمتيم الإفريقي..

***

هو محمد بن أحمد الإفريقي وكنيته أبو الحسن ولحق به لقب إضافة لنسبه المكاني الذي اشتهر به ليكون مركباً "المتيم الإفريقي" ولاشك أن المتيم جاء من كثرة ولعه وعشقه للنساء وربما الولدان أيضاً! وما جاءنا من أخباره نزر للغاية وكذلك قليل من شعره؛ والكل عيال على ما دونه عنه صاحب "يتيمة الدهر" وأعني به الثعالبي الذي التقاه في بخارى حيث كان الشاعر مقيماً حيث قال:

"أبو الحسن محمد بن أحمد الإفريقي المتيم صاحب كتاب أشعار الندماء وكتاب الإنتصار للمتنبي وغيرهما وله ديوان شعر كبير ورأيته ببخارى شيخا رث الهيئة تلوح عليه سيماء الحرفة وكان يتطبب ويتنجم"؛

 فالشاعر إذن مُكثر لكن لم نعثر على ديوانه ولم تذكر المصادر سوى قصائد قليلة هي كل ما ذكره الثعالبي، ومن الواضح أنه ليس بشاعر وحسب بل ناقد، فموضوعه عن أشعار الندماء لا بد أن يكون واسعاً ومدروساً دراسة وافية، وموضوعه عن المتنبي يدلُّ بجلاء عن انتصاره للمتنبي وبهذا لابد أن يكون قد خاض منازلات ضد خصوم المتنبي!

 ثم يستأنف الثعلبي: "فأما صناعته التي يعتمد عليها فهي الشعر ومما أنشدني لنفسه " حيث يذكر البيتين اللذين أصبحا علامة فارقة للمتيم الإفريقي (البسيط):

 وفتية أدباء ما علمتهم - شبهتهم بنجوم الليل إذ نجموا

 فروا إلى الراح من خطب يلم بهم - فما درت نوب الأيام أين همُ

ولاشك أن هذين البيتين مجتزءان من قصيدة، فالأول فيه إطراء جميل، والثاني أقرب الى الرثاء حين انقطعت أخبارهم لما أصابهم من خطب لا نعرف ماهو؟ ولا نعرف عددهم وما هو شأنهم، لكن الصياغة الفنية جميلة ربما بسبب مَسحة الحزن!

واستمع له الثعالبي أيضا قصيدة تمثل فلسفة الشاعر في الحياة وعلاقته بالله فلنقرأ منها (الطويل):

تلومُ على ترك الصلاة حليلتي – فقلت اغربي عن ناظري أنت طالقُ

فوالله لا صلّيتُ لله مفلساً - يصلي له الشيخ الجليل وفائقُ

ولا عجباً إن كان نوحٌ مصلياً - لأنّ له قسراً تدين الخلائق

لماذا أصلي؟ أين حالي ومنزلي؟- وأين خيولي والحُلى والمناطق؟

أصلي ولا فترٌ من الأرض تحتوي - عليه يميني؟ إنّني لمنافق

 بلى إن عليّ الله وسّع لمأزل – أصلّي له ما لاح في الجوّ بارقُ

وفلسفة الشاعر محض براغماتية في علاقته النفعية مع الله، تنم عن حالته المزرية التي ينقض فيها المأثور القرآني "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"( 7 إبراهيم)؛  بل علاقته أكثر من ذلك شرطية، فإن أغدق الله عليه أولاً حينئذ يصلي وإلا فلا!! والأبيات فيها تفسير وتبرير ومحاججة وقرع الحجة بالحجة، فهل يشكر الله على ما لحقه من بؤس وفاقة؟!

وقال في مليح تركي نجل العينين، شبههما ببيت زر القميص وزره هو السحر (السريع):

قلبي أسيرٌ في يدي مقلةٍ - تركية ضاق لها صدري

كأنها من ضيقها عروة - ليس لها زرٌ سوى السّحر

ويبدو أن روح الدعابة الفاحشة ديدنه فنقرأ مع الحذف ماذا أجاب صديقه الذي يسأله ماذا لديك؟ (مجزوء الرمل):

 

وصديق جاءني يس - ألني ماذا لديكْ؟

قلت عندي بحرُ خمر - حوله آجام ..كْ

آجام: جمع أجَمة، وهي الغابة الكثيفة الشجر..

لم نأتِ على سنة ميلاده لكنه توفي سنة 400ه/ 1010م.

اعتمدت على المصادر:

يتيمة الدهر للثعالبي ج4 ص 178

الأعلام لخير الدين الزركلي ج5 ص 313 وفيه سطران فقط عن الشاعر..

فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ج1 ص 15.

المحمدون من الشعراء لجمال الدين القفطي ص24 

بانغكوك في الثالث من ت1/ اكتوبر 2020

 

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز