نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
حقب الطغيان: العودة للدولة المزرعة

 وقع انفجار هائل عشية الرابع من آب أغسطس في ميناء بيروت الدولي راح ضحيته قرابة المائتي شخص وآلاف الجرحى وعدد غير محدد من المفقودين ودمار هائل خلـّف خسائر جسيمة قدّرت بعشرات المليارات من الدولارات في بلد أنهكه الإفلاس واللصوصية والمحسوبيات وانهيار اقتصادي وإداري وتعطيل للدستور غير مسبوق وعقب فترة من الاحتجاجات والاضطرابات والحراك الشعبي والثوري المطالب بالشفافية والنزاهية وتغيير النظام الطائفي والمذهبي الذي انبيث عن تفاهمات المحاصصة الطائفية في مدينة الطائف السعودية والتي أريد لها أن تكون أنموذجا لدول المنطقة في تعميم وصفة التحاصص القبلي والعشائري والعائلي والمذهبي والطائفي والإثني لتعميق النزعات والاتجاهات العنصرية، وهذا ما كان في النقلة والمرحلة التالية وفيما عرف لاحقا باسم الربيع العربي والثورات العربية التي نبشت كل العفن الطائفي والمذهبي والقبلي والعائلي من رقاده لتبدأ بعدها حروب البسوس العربية بنسختها الجديدة المستمرة لليوم في سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا والسودان والجزائر وحتى تونس( وإن بشكل مدني وسلمي لا عنفي).

فانفجار بيروت، لا يعكس، حقيقة، إلا مدى استشراء وتغلغل وتغول الفساد وانهيار وتفكك السلطة والغياب الكامل لما كانت تسمى "دولة" بلبنان قبل سيطرة الميليشيات والعصابات والمافيات والعائلات والطوائف وملوكها عليها والتسيب واللامبالاة والأفظع والأخطر هو الاستهتار بأرواح وكرامات وحياة البشر وعذاباتهم ومعاناتهم ولقمة عيشهم ومصائرهم ومستقبلهم حيث لا يساوون قشرة بصلة أمام شعار أجوف تافه طوباوي دونكيشوتي فارغ هو وأصحابه عند من يطرحون أنبل القيم الإنسانية ويرفعون أسمى الشعارات النضالية والحقوقية وحلـّت سلطة الأفراد والعائلات ورموز المافيات وزعماء الميليشيات محل سلطة الدولة والجيش، وصاروا هم القانون والدستور و"المرجعية" والشرعية والصراط المستقيم وعلى الجميع الاقتداء والاهتداء بهم واقتفاء أثرهم وإلا كانوا من الظالمين الملعونين والخاسرين في الدنيا وفي الآخرة لهم النار وسوء المصير والعقاب وصارت المؤسسات الوطنية سخرة ومطية لهؤلاء يتحاصصونها وفقاً لمعايير وحسابات الربح والخسارة ويتصرفون بالدولة كمزرعة لهم ولأولادهم ولورثتهم من بعدهم ويبسطون الرزق فيها لمن شاؤوا وتعالى من العباد وباتت كلها عبارة عن ملكية خاصة والبشر فيها من ضمن هذه الممتلكات فيما كان يعرف يوما بـ"سويسرا الشرق"، قبل الصحوة...يا ليتهم بقوا في سباتهم الأبدي والتاريخي ولم يصحوا أبدا وناموا نومة أهل الكهف ولم نر كل هذا البلاء والشقاء والعناء.....

لقد حدث تحول كبير وانقلاب واضح على مشروع الدولة الوطنية الحديثة، التي صاغها الثنائي سايكس-بيكو للتخلص من تركة وإرث وكابوس دولة الخلافة الملكية "العائلية" الوراثية العضوض (أموية، عباسية، أيوبية، سلجوقية، فاطمية، عثمانية، حمدانية، مملوكية...إلخ)،  التي جثمت على صدور ورقاب الشعوب لـ1300 عاماً تقريباً نلاحظ فيها طغيان أسماء القبائل والعائلات والأشخاص وغلبتها على الجعرافيا أو ما بات يعرف لاحقاً "الوطن" و"الدولة" التي لم يكن وجود لها، فحتى الشعوب صارت تكنى باسم القبيلة والعائلة والفرد صار "أموي، عباسي، فاطمي، عثماني،..إلخ، وحيث لا وجود ولا ذكر لاسم الجغرافيا. غير أن الحركات القومية والإسلامية والدينية في المنطقة، والتي تسلطت على رقاب الشعوب، كان لها رأي وقرار آخر في الانقلاب على مشروع الدولة الوطنية والعودة بـ"الدول" الناشئة الجديدة إلى حظيرة الدولة الدينية والقومية والعرقية والفاشية والمذهبية الملكية الوراثية فكانت هذه الكوارث وهذه المأساة وإعادة شعوب المنطقة إلى حظيرة الطاعة والاستبداد وفكر الجماعة إلى أنموذج الـ"دولة" المزرعة التي حاولت الخروج والإفلات منها في يوم ما عقب انهيار وتلاشي وتفكك خلافة بني عثمان....

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز