د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
مقطع من روايتي / شيئ من الحبlr'u


تمر الأيام والليالي ولايعود الغائبون , والدكان الذي كان قبلة المحبين صار قاعاً صفصفاً، يغلق أبوابه بعد آذان العصر ولايرتاده سوى شيوخ المنطقة يلفهم الصمت أو الأكتئاب أو كلاهما.
اختفت الضحكات المجلجلة وتفرق الشباب كلٌ في طريق. ارتفعت أسعار الكهرباء وأضيفت رسوم للصحة والنظافة، أما ملاحقات الضرائب فلاتنتهي، وكلما سئل الأسطى محمود بصق جانباً بعفوية وغمغم
🔸زمن ابن كلب ..‬
ثم لاذ بصمت ثقيل وزاغت نظراته كأنما صارت عيناه تنظران للداخل, دخل المهنة كل من يحمل مقصاً أو طال شعره "كالخنافس" حتى لم يعد هناك فرق بين الرجال والنساء، تتصدر أماكنهم قوائم أسعار مبالغ فيها حتى صار وضع الزيوت والكريمات له ثمن، صاروا يربحون حتى من تقليم الأظافر وولت أيام الصفاء إلى غير رجعة..
هكذا كان يحدث الأسطى محمود نفسه حين يجلس بباب المحل يتطلع إلى القادمين من أول الشارع، كان يهتف أحياناً بصوت جهوري :
🔸انظروا هاقد جاءوا .. يامرحبا..‬
يعرف أهل الشارع هذه الأعراض التي طرأت على الأسطى محمود منذ خرج من المستشفى وقرر الأطباء أن آثار جلطة الدماغ مع الشيخوخة ستسلمه إلى نوع من التهيؤات والهلاوس البصرية والسمعية أحياناً فكانوا يخفّون إليه ليربتوا على ظهره بينما يهزون رؤوسهم ويزمون شفاههم ألماً لما آل إليه حال رجل لم يكن يكف عن الضحك في سالف الأيام.
اضطر الأسطى محمود فيمابعد لغلق الدكان وقبع في بيته مع زوجه العجوز وحفيديه .. كان زائروه يسمعون ضحكاته العالية والتي كثيراً ماتنقلب إلى بكاء بلا مبرر أو يضبطونه وهو يخاطب كائناً أثيرياً
🔸خلاص هل ضاع كل شئ‬.
أو وهو يخاطب حفيديه قائلاً :
🔸‫ياسلام لو رأيتم فريد ومجدي وزملاءهم أيام الحرب .. رجال بحق .. ‬
كان يحلو له أن يعيش في ماضٍ ولّى وانقضى , الدكان الذي كان يعج بالقادمين , ينفثون في حياته روح الشباب الوثابة والأمل الواثق في الغد.
حتى في الأيام السود كنا نتبادل الضحكات في الظلام الدامس ونتمنى لويهبط اليهود من السماء لنريهم بأسنا.. يذكر يوم خرج الشباب إلى معسكر التدريب بعد النكسة وعادوا وهم يرتدون ملابس الدفاع المدني وقد حمل كل منهم على كتفه بندقية "حكيم" وخمس طلقات لم تنطلق أبداً .
استقبلهم في الدكان وهو يقول في مرح:

🔸لو رصدتنا طائرات العدو لأجهزت على الدكان بمن فيه.‬
أو يقول :
🔸وهل هذه الرصاصات الخمس كافية لتحرير الأرض واستعادة ماضاع ؟ ‬
فكانوا يسخرون وهم يرددون قول الضابط في معسكر التدريب ضاحكين
🔸قال الضابط إياكم أن تضعوها في البندقية إلا إذا كان اليهود أمامكم ورأيتموهم رأي العين.‬
ضحك يومها على صالح وقال :

🔸وهاكم مغفل آخر.. وكيف سنعرف أنهم يهود؟ .. هل تظنهم من الغفلة بحيث يحملون أعلاماً عليها نجمة داوود أو يبرزون هوياتهم العبرية.‬
أجابه إبراهيم كالواثق:
🔸قال الضابط سيهبطون من السماء بالمظلات أو يخرجون من المياه كالضفادع..‬
انطلقت الضحكات بغير حساب.. رغم الأيام السوداء والظلام التام.. 
يتساءل كلما خلا بنفسه أين ذهبت الأيام الخوالي إلى غير رجعة ؟ .. وكيف اطمأنوا لحسابات الزعيم دون مراجعة حتى ظنوا أن بإمكانهم هزيمة أمريكا ذاتها لو فكرت في دخول الحرب ..مضت الأيام الأخيرة كحلم .. وزارته أطياف مجدي وعلي وإبراهيم وعطية وفريد في مناسبات عديدة لتحيي في نفسه ذكريات لاتنقضي، يتذكر تحلقهم حوله كل مساء، يستفزونه لتنطلق بعدها ضحكاتهم مشبعة بالبراءة وخلو البال..حتى عطية ..الفتى الريفي الذي كان يسكن في غرفة منزوية فوق السطح ضموه إلى مجلسهم اليومي حين لمحوه يذهب ويجئ حاملاً مسطرته الطويلة على هيئة الحرف "‪T‬ " وسرعان ماصار له حضور قوي بلكنته الريفية ومسطرته التي يحملها دائماً كأنها صولجان، لاينسى الأسطى محمود ضحكات مجدي وهو يشير إلى مسطرة عطية
🔸‫إنه يحملها كبديل لكارنيه كلية الهندسة .. ولو تخلى عنها يوماً فلن يصبح مهندساً بدونها.‬
فيجيبه عطية بجدية لاتناسب الموقف:
🔸حارتكم مليئة بالكلاب ,أجدها تنتظرني كلما عدت إلى الشارع وكأنها تعرف أنني المغترب الوحيد هنا , هذه المسطرة لأتوكأ عليها وأهش بها الكلاب..‬
فيضيف فريد ضاحكاً :
🔸ولك فيها مآرب أخرى بكل تأكيد .. ياأخي كيف سيصبح أهل قريتكم كلهم من المهندسين والأطباء ؟ من سيفلح الأرض إذن ؟ ‬
فيرد مجدي ممعناً في السخرية 
🔸اشم رائحة الفكر الليبرالي المتعفن.

🔹🔹🔹

هاقد مرت الأيام لاتلوي على شيئ ، سافر فريد ولحق به مجدي وغادر عطية القاهرة ووصلتهم اخبار زواجه من إحدى قريباته وإقامته بقريته ، أما إبراهيم وعلي صالح فقد غادرا الحي إلى حيث لايعلم احد ..كان الأسطى محمود يضرب كفاً بكف ويقول في حسرة بادية:
🔸العجيب أن الهزيمة لم تفرقنا بينما فرقنا النصر العظيم ..‬







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز