نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
اوروبة الرهينة بيد اميريكا .. رأس فرنسا والمقصلة الامريكية ..

 عبثا أحاول ان أتخلص من كوابيسي .. رغم انني استيقظت وطلع النهار .. الا ان الكوابيس تحوم حول ذاكراتي .. كما يحوم النحل حول قطعة العسل .. في كوابيسي الثورات الملونة التي لاتتوقف عن الطنين في أذني وعن اغراق عيني بصور الثورات والشعارات .. ولكن ماظننته كوابيس هو في الحقيقة واقع أشد قسوة من الكوابيس .. فما أحلى الكوابيس امام واقع كان الكابوس فيه مثل الجنة .. فهل كان الربيع العربي الا كابوس الكوابيس؟؟ وهل كانت لعبة الحرية والثورات الا حفلة للرعب وشتاء للدم ؟؟

ولكن تريثوا قليلا .. فالكوابيس تتنقل بألوانها السوداء وتتنزه على حدود من كان يصنع الكوابيس .. في السعودية كابوس اسمه الخاشقجي .. وفي تركيا كابوس اسمه الاكراد .. وفي اسرائيل كابوس اسمه محور المقاومة العنيد الذي صار اقوى وقد يخرج من نفق او من البحر او يهبط من السماء ويقطع اصبع الجليل ومابعد بعد الجليل .. وفي اوروية تسير الكوابيس في الشوارع ترتدي سترات صفراء وثورات ملونة ..

أحاول ان أطل على المشهد الاوروبي من نافذتي السورية لأن أوروبة كانت تطل علينا من نوافذها وكانت تفصل لنا الربيع العربي بكل مقاساته وأقمشته وأزيائه وشعاراته .. وكانت أوروبة هي احدى غرف العمليات الكبرى والمحطة التي كانت تتبع لغرفة العمليات الكبرى في الولايات المتحدة الاميريكية التي تدير كل أزمات العالم .. وكنا ندرك ونحن ننظر الى اوروبة التي تغزل لنا الربيع وطيوره السوداء وتعشش فيها كل غربان الحرية والثورات التي رباها برنار هنري ليفي .. كنا ندرك ان اوروبة مجرد حديقة اميريكية منذ ان تقرر انزال النورماندي الشهير والذي لم يحرر اوروبة من النازيين الالمان الا ليحتلها على طريقة اليانكي الامريكان ..

وربما لانبالغ ان قلنا ان الحرب العالمية الثانية كانت صراعا بين أوروبة واميريكا .. المانيا هي الزعيمة الطبيعية لأوروبة وكانت تريد ان تقود اوروبة باتجاه آخر قرره الزعيم الالماني النازي هتلر وكان له انصار في كل اوروبة وهي حقائق يريد رواة الحرب ان يخفوها ويقولوا ان هتلر كان يجتاح اوروبة دون رضاها ولم يكن له انصار فيها على الاطلاق .. ولكن القوى الانغلوساكسونية التي خشيت على نفوذها في العالم اذا أخذ هتلر اوروبة الى محوره السياسي قررت منازلته لاعادة السيطرة على اوروبة .. ويكتب مؤلف كتاب (حرب تشرشل) وهو المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينغ ان تشرشل كان ممتعضا من ان هتلر لم يهاجم بريطانيا وانه في احدى اجتماعاته مع السياسيين الامريكان الذين زاروه للتباحث في شأن تبرير الحرب على ألمانية انه نهض من كرسيه ونظر نحو الشرق حيث اوروبة وضرب الهواء بقبضته وهو يصيح : لماذا لم تهاجمنا حتى الآن ياهتلر ؟؟ ماذا تنتظر لتضرب؟؟ .. وبالطبع كان هتلر لايريد مواجهة مع بريطانيا على الاطلاق واتصل ببعض الديبلوماسيين البريطانيين لابلاغ قيادتهم برغبته بالتفاوض لمنع الحرب .. ولكن القيادة البريطانية سحبت هؤلاء الديبلوماسيين وصرفتهم من وظائفهم .. فأرسل هتلر نائبه ردودولف هيس بالطائرة وهبط بالمظلة فوق الاراضي البريطانية ومعه رسالة لمنع الحرب .. ولكن تشرشل لم يفاوض هيس بل زجه في السجن دون ان يصرح بذلك وبقي سجينا 45 سنة الى ان انتحرر في زنزانته لأنه سجن منذ تلك اللحظة لأنه كان فيها يحمل أخطر سر في الحرب وهو ان هتلر لم يكن ينوي مهاجمة بريطانية بل انهاء الحرب ويعرض عليها اتفاقا ممتازا .. وكان تشرشل قد اتخذ قرار الحرب ولكنه كان يبحث عن مبرر .. فأرسل طائراته تغير على المدن الالمانية فطار صواب هتلر .. وأعلن انه سيجعل تشرشل يدفع الثمن وصار يبادله الغارات وهذا كان مايريده تشرشل .. الحرب ..

وعندما حدث انزال النورماندي كان هناك فرنسيون يريدون تحرير فرنسا ولكنهم كانوا متوجسين من المحررين الامريكان الى حد بعيد وليسوا جميعا مثل معارضات العرب .. لأنهم كانوا يرون ان اوروبة تغادرها قوة احتلال وتحل محلها قوة احتلال هي اميريكا .. وكان على رأس هؤلاء المتوجسين شارل ديغول نفسه الذي كان يريد استعمال الاميريكيين ضد الالمان ولكنه لم يكن راضيا ان يكون الثمن هو استقلال فرنسا .. ولذلك كان هو صاحب فكرة الاتحاد الاوروبي الذي كان خوذة اقتصادية تمنع الغاية من الهيمنة الاميريكية على اوروية وهو السيطرة الاقتصادية التي تتلوها سيطرة سياسية .. وبالفعل حقق الاتحاد الاوربي نوعا من الاستقلال الاقتصادي ولكن وجود الشيوعيين في الشرق حيث الامبراطورية الشيوعية السوفييتية منح الاميريكيين ذريعة النفوذ العسكري .. لأن القوة الوحيدة التي كان يمكن ان توقف السوفييت وتردعهم هي القوة الامريكية وخاصة المظلة النووية التي لاتملك أوروبة مثيلا لها .. فكان الناتو القوة المهيمنة على اوروبة عسكريا وهو بمعظمه اميريكي .. وكانت السيطرة العسكرية سببا في تناقص السيادة والاستقلال السياسي الاوروبي عن القرار الامريكي .. وهذا مايفسر ان اوروبة السياسية كانت دوما ظلا لسياسة اميريكا وقلما فارقتها او تجرأت عليها ..

حاول جاك شيراك ان يتمرد على القرار الانغلوساكسوني باجتياح العراق ولكنه تأدب ولزم الصمت اثر سقوط بغداد بسرعة .. فحاول العودة الى الحظيرة الانغلوساكسونية بالانخراط في الحلقة الثانية من المشروع الشرق اوسطي الجديد الذي بدأ بالقرار 1559 واغتيال الحريري .. ومن ثم جاء كل من بعده وعمل كموظف في المشروع الاميريكي من ساركوزي الى هولاند وماكرون .. حيث كان هؤلاء يعرفون اللعبة الامريكية وقرروا الانخراط فيها مقابل حصص هزيلة ..
ولكن تعثر المشروع في سورية قتح الباب على مصراعيه امام عودة روسيا قوية .. وصار النهوض الروسي وصعود قيمة الغاز الذي ستملك روسيا صنابيره ومفاتيحه الرئيسية شرق المتوسط أحد العوامل التي تحرض الاوروبيين على التفكير في الانعتاق من السيطرة الامريكية السياسية والعسكرية والاقتصادية .. ولذلك قرر الاميريكون تفكيك اوروبة واتحادها .. وفجأة قررت النخب البريطانية الانسحاب من الاتحاد الاوربي رغم ماقد يسببه ذلك من خسائر على المجتمع البريطاني .. وتم تسويق الانسحاب للشعب البريطاني على انه نجاة من الانفاق والهدر على مؤسسات اوروبية لاتخدم البريطانيين ونجاة من اوروبة التي صارت ملجا لفقراء العالم والهاربين من الحروب .. ورغم ان كل شرائح المجتمع البريطاني تطالب باعادة التصويت والنظر في هذا القرار الا ان تيريزا ماي لاتقدر على التجاوب مع هذه الطلبات الشعبية الملحة وتبدو مرغمة على المضي قدما في الانسحاب لأن القوى العميقة والبنوك لن تقبل ولو دفعت شرائح الشعب والطبقات الفقيرة ثمن هذا القرار .. لأن بريطانيا ستشكل حجر دومينو اذا خرج سيخلخل الاتحاد الاوروبي ..

وفي قلب اوروبة كنا نلاحظ ان ألمانيا هي التي قبلت موجات اللاجئين بأعداد كبيرة دون غيرها ولم يكن هذا الامر مفهوما .. وكان واضحا دور اردوغان في الدفع بهم بايماءة من الامريكان لأن اردوغان لم تكن لديه الجرأة لتحدي اوروبة بوقاحة لولا الغطاء الامريكي الذي كان يطلب منه اغراق المانيا بالمهاجرين .. ولكن يشير البعض الى ضغوط امريكية كبيرة على المانيا لقبول هذا الدور كملجأ للهاربين بسبب الهيمنة العسكرية والاقتصادية المفروضة على الالمان .الذين لم يكن لديهم خيار .. ويريد الاميريكيون بهذا الضغط السكاني اثقال الاقتصاد الالماني وهو الذي يقود الاقتصاد الاوربي بانفاقه على ملايين اللاجئين .. اضافة الى انه رفع من سوية وقوة أحزاب اليمين الالمانية التي لاتريد هذا الدور وربما لاتريد فكرة الاتحاد الاوربي وترفع شعار المانيا اولا .. ناهيك عن حالة اللاستقرار الاجتماعي التي ستسود المجتمع الالماني من جراء هذا الفائض السكاني المغاير في الثقافة والافكار ..
واليوم في فرنسا حيث الضلع الثاني القوي للاتحاد الاوروبي هناك تيارات فرنسية تتضجر من الهيمنة الامريكية على القرار السياسي والاقتصادي الفرنسي وظهر هذا التململ اثر الغاء الاتفاق النووي مع ايران والتوجه لمحاربة روسيا والصين اقتصاديا رغم ان مصالح اوروبة وفرنسا صارت اكثر مع روسيا والصين وايران .. ونقلت هذه النخب الفرنسية تمنياتها الى فريق ماكرون السياسي .. ورغم ان ماكرون هو ابن البنوك العالمية الكبرى وجاء بدعم واضح منها الا انه عبر في تصريحاته عن بعض توجهات يفرضها عليه اصحاب هذا التيار وكان أخطر هذه التصريحات هو رغبة الفرنسيين بقيام جيش اوروبي .. وهو يبدو انه انعكاس لما يراه اصحاب هذا التيار القوي .. ويعني فيما يعنيه ان اوروية القوية عسكريا لن تحتاج الناتو كثيرا الذي شكل الاميريكيون قلب الهجوم فيه وكتلته الرئيسية .. وسيعني ان الهيمنة العسكرية ستضمحل وستصبح اوروبة في غنى عن المظلة الامريكية العسكرية وهذا سيفتح الباب امام استقلال سياسي وتوجه نحو النأي بالنفس عن مغامرات اميريكا في المناطحة مع الصين روسيا وايران .. وربما الاقتراب اكثر من هذه القوى .. وكان هذا التصريح هو الذي قصم ظهر البعير ماكرون ..

فالاحتجاجات التي قامت ضده هي في الحقيقة ضد التيار الفرنسي الاستقلالي الذي تريد اميريكا ان تلقنه درسا وتعيده الى حظيرة السكون والاذعان .. فما يلاحظ في احتجاجات فرنسا انها تشبه كثير الربيع العربي .. الخالق الناطق ولكن بلغة فرنسية .. اي احتجاجات شعبية المظهر ومطلبية ذات طابع معيشي لايستطيع انكارها معارضوها والا فهمت انها خيانة للشعب .. والغريب ان احتجاجات واسعة تبدو فيها القوى الشعبية التي تقدم على انها عفوية تبدو منظمة جدا وتتحرك وفق مخطط وبرنامج ذكي وبرنامج شغب منظم وتدمير لامبرر له .. ومع هذا لاتعرف الحكومة الفرنسية رأس هذه الحركة او قائدها بل هي تتفاوض مع الهواء .. فالمجموعات التي تفاوض الحكومة لاتبدو قادرة على اتخاذ قرار .. انه نسخة طبق الاصل عن الربيع العربي المقطوع الرأس الذي لم يكن فيه اي قائد وكانت قياداته أجنبية في الخارج وتحركه بالريموت كونترول .. وهو نسحة طبق الاصل عن ثورة الطلاب عام 1968 الفرنسية ضد شارل ديغول والتي قادها شاب يهودي مجهول اختفى في الزحام بعد الأحداث .. والى الان لم تعرف ماهي غاية ثورة الطلاب الفرنسية الا انها جاءت عقب مواقف لديغول ضد اميريكا ومنها موقفه ضد اسرائيل واميريكا في حرب عام 67 .. فرغم انه كان بطل فرنسا الذي حررها فانه ارغم على التنحي بثورة ملونة اسمها ثورة الطلاب !!.. ..

واذا أذعنت النخب الفرنسية التواقة للاستقلال للربيع الفرنسي فانه سيعني اضعاف الدولة الفرنسية واقتصادها والذي سيلتقي مع اللااستقرار في ألمانيا القادم وانسحاب بريطانيا وهو مايعني نهاية اسطورة الاتحاد الاوروبي وبقاء اوروبة تابعة وحديقة لاميريكا وتخوض معها كل حروبها وصراعاتها وتكون مثل الترس الذي يصد عن اميريكا كل ردات الفعل من الخصوم ..

اي قدر هذا الذي جعلنا نطل على اوروبة التي ارادت بنا ربيعا فاذا بها تشرب من نفس كأس السم الذي سقتنا اياه .. وتأكل من نفس الوليمة التي دعتنا اليها .. وتلبس نفس الثوب .. ثوب الثورات الشعبية التي تسمى الثورات الملونة التي كانت برتقالية احيانا في اوكرانيا .. وخضراء في ايران .. وثورة حئيئة واستئلال في لبنان .. وخوذ بيضاء في ورية واليوم في فرنسا ثورة صفراء .. وستر صفراء .. قكل ثورة ملونة وانت ملعونة يافرنسا .. ولكن اطمئني وانظري الى ماوراء البحار كما نظر دانتون الى قصر روبسبيير وهو يقاد الى المقصلة وقالنبوئته التي كانت أمنية ليس الا: ستلحق بي ياروبسبيير .. وبالعقل لحقه روبسبيير وقطع رأسه بالمقصلة ..
ولكن كيف ستلحق اميريكا بفرنسا اذا اخذتها الى المقصلة فهذا مالانعرفه .. مانعرفه هو ان الجميع الذي كان يبني الثورات الملونة ويزخرفها بالدم واللحم سيذهب الى المقصلة ذاتها .. فما حدث في الشرق هو الذي بنى المقاصل للعالم القديم .. الثوى التي نهضت في الحرب على سورية لن تعود .. ولذلك فان هناك من سيدفع الثمن ..

Image may contain: 1 person, sky, cloud and outdoor







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز