موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
الطوطمُ لا يأكل اللحم والرغبة ماتت في سجون الكلمات

 

صاحت الفكرة عندما دعوتها إلى رحاب السطور: لا تأسرني بأغلال الحروف وأصفاد الكلمات ...أنا ابنة الحرية  أريدها ولا أريد سواها. هي أمي وأبي وموطني في حلي وترحالي, منها ابتدي واليها أنتهي لا أرتضي لها بدلا. نعم ربما استرحت حينا في ضيافة النصوص وغفوت أحيانا بين أغصان الحروف, لكنني لا أنام فيها لأني على موعد دائم مع النأي والارتحال, يشقيني الهمود ...يرديني الجمود و لا أحيا سوى في توالي الحركة والسكون فأتكاثر كمّا ونوعا مثل تبدل الأزمان وتعاقب الفصول. أنا يا صديقي بهجة الحقول. لا يغريني انتحال الصفات ولا طلب ود العبارات ولا أطمح أن أكون سجينة في زنازين المفردات. يعرفني الأحرار في كل أرض وسفح وغاب.

أريد ارتداء العواصف..لبس السحاب. أنا اللحظة الحاسمة . أنا النسمة الهائمة أسافر   عبر الحضور وعبر الغياب

أريد التلاشي مع النبع يسري مع الدمع يجري   من النهر حتى   مصب الخلاص.  أريد اختطاف  وريقات صفر  عبرن إلى الفجر ليلا, تهادين مثل  جداول عشق  حد التحول حدّ التحلل حدّ الفناء, ليشرق في الأرض وجه السماء, وتنحو الجزئيات  أصلا وفرعا الى  الكل  طوعا تلوذ  بغيم ونهر وشلال ورد  يموت ويبعث ضوءا وماء.

 

هكذا أنت ايتها الفكرة أما أنا فقد دفنت رغبتي بين السطور.

تعبت من الأنا الوسطى التي تراكمت مع الأيام رجُلا . سئمت من الأنا العليا التي شيدها الناس  فوق  روحي المثخنة بالأسئلة والجراح آلهة.  مسكين يا قلبي كيف علقت وحيدا بين الجبهات.

الأعلى يتأله يأمر ينهي, الأوسط يتوسط مثل السمسار الأرعن...يتوسل بل يتسول

والأسفل يتغول ..يروي غرائزه حد التخمة والإشباع...يرجو مزيدا  مثل جهنم.

 

كان يا ما كان... كان فؤاد يسكن في الدور الثاني من إحدى عمارات الحي, يطل على شباك حبيبته يلوح بيديه لها منتشيا,  يتفاهم مع جاريه الأوسط والأسفل ويلبي دعوتهما لتناول فنجان القهوة وكثير من فاكهة  وروائع أصناف الحلوى.

زعل  الجار العلوي وقاطعه... لم يزعل منه  فؤاد ولم يستسلم لليأس. حاول في شتى الأشكال أن ينفي وجه الإشكال...لم يفلح ...غضب , تمرد, ثار على الجار المتغطرس في الدور العالي.

صاح الأعلى لن تفلح ما دمت تعاندني أبدا...وغدا سترى من منا أكثر بأسا.

جاء  زبانية الأعلى من كل عمارات الدهر... اجتمعوا واتفقوا ضد فؤاد الأعزل إلا من جذوة حب..لم يهتز  ولم تطفأ جذوته...

.لكنّ  الرعب  استحكم بالجارين الأوسط والأسفل .. عزفا عنه.   سدت هامات الأبواب  بوجه الجار  المخذول من  الجيران ... أضحى فؤاد وحيدا.. ظل يقاوم, ظل يكابر, لم يهتز له جفن, لم  تهتز له عضلة..

وفي يوم ما..في شهر ما.. في ساعة شوق عاصفة نظر فؤاد إلى شباك حبيبته  فرآه حزينا.. نظر الى الأعلى فإذا بالأعلى  منتشيا منتصرا يقعد في شرفته العليا ملكا , يُسبل قدميه  لجارية تمسد رجليه وتشبعهما لثما...

لم تكن الجارية الخانعة الخاضعة سوى بعض من أشلاء حبيبته.

انغرست في انحاء القلب رماح الكون, انكسر فؤاد, انطفئت جذوته, سقط الى الأرض ومات شهيدا.

قام الجار الأوسط بالواجب وبكل تفاصيل المأتم والدفن ثم ترأس وفد الجيران. صعدوا صفا نحو  الأعلى, أعطوه البيعة,  باسوا الرأس وأطراف يديه ونالوا رضاه.

مذذاك شحبت إحدى عمارات الوجد وفقدت رونقها وعراها الطحلب والإهمال.

مذذاك صار رجال  يمشون بلا قلب فوق حطام نساء  محظيات نافقة لا حب ولا زاد ولا ماء.

 مجرد أكوام سبايا, تبذل لحما للأوغاد, طعاما لكلاب الصحراء.








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز