جمال ابو شادي
abushadijamal@hotmail.com
Blog Contributor since:
09 April 2010

كاتب عربي مقيم في اوروبا

 More articles 


Arab Times Blogs
الحياة المُريحة والجميلة هي صدفة عشوائية أو ضربة حظ غير مخطط لها، فاستغلها عندما تأتي

الحياة المُريحة والجميلة هي صدفة عشوائية أو ضربة حظ غير مخطط لها، قد لا تتكرر وقد لا يمكن صناعتها بأدواتك الذاتية أو مواهبك الشخصية ولا حتى بدعائك وصلواتك

 

تجد في كل مصادر المعرفة القديمة والحديثة قصص وحكايات وبطولات لأفراد كانوا لا شيء ويعيشون في قاع المجتمع أو على هامش الحياة والكثير منهم كانوا قد أوشكوا على النهاية المحتومة ومستعدون للخروج من هذه الحياة كما دخلوها .. ولكن شيئاً ما حدث لهم، هناك صدفة ما صادفتهم في لحظة فارقة ما وهم في طريقهم إلى المجهول، هل هو الحظ أم النصيب أم لعبة الأقدار أم دعاء الوالدين أم الذكاء والحنكة هي التي وضعتهم في تلك اللحظة الفارقة في حياتهم .. وبعدها تغيرت حياتهم وأصبحوا ذات قيمة وشأن وأصبحوا من أصحاب المال والشهرة والإبداع وحتى الجمال وتغير المظهر العام لهم، فذاع صيتهم وارتفع مقامهم وانتشرت سمعتهم بين الناس بعد ما كانوا قد قاربوا على النهاية الحتمية كما هو حال أقرانهم ومَنْ هم في محيطهم وعلى شاكلتهم وفي نفس البيئة والظروف التي نشأوا بها "أبطال" تلك القصص والروايات شبه الخرافية الواقعية التي نسمع عنها أو نقرأها أو يتحدث أصحابها عن تجربتهم بوسائل متعددة وأكثرها وأهمها (اليوتيوب).

كل الحكايات البطولية الجميلة التي نسمعها لهؤلاء الأفراد تكون لها بدايات حزينة فيها معاناة وألم ودموع ولكن نهاياتها تكون سعيدة مفرحة لا بل شبه خيالية أو قريبة من المعجزة التي لا يمكن تكرارها أو حدوثها مرة أخرى.

لكن السؤال الذي لابد من طرحه حتى نفكك أجزاء وملابسات تلك الحكايات البطولية ونتعرف على أبطالها وما حدث معهم، ولماذا هم بالذات وليس السواد الأعظم من الناس؟!

لماذا تحدث تلك الطفرات وتلك النقلات في حياة بعض الناس الذين يُعَّدون في أحسن التقديرات ببعض الآلاف في العالم كله، بمقابل ذلك هناك ملايين من البشر الذين ممن لهم نفس الظروف والبيئات، ولهم نفس القدرات والمواهب والصفات، وقد يكونوا أكثر علم وموهبة وذكاء ممن هؤلاء الذين تنتشر قصص نجاحاتهم في كل مكان في الميديا، ومع ذلك كانت وما زالت نهاياتهم مأساوية تتناسب مع بداياتهم الحزينة والتي صنعتها ظروفهم التعيسة التي وجدوا بها ولم يصنعوها بأنفسهم فكانت نهاياتهم متناسقة ومتناغمة مع بداياتهم من كل الحيثيات؟!

حتمية القاعدة تقول وتأكد أن الواقع هو ما يحدث لتلك الملايين، ولكن يشذ عن القاعدة تلك القلة القليلة التي تكسر حتمية القاعدة بين الحين والآخر لكي تدل وتأكد على صدق القاعدة وليس على عكسها بوجود تلك الحالات الشاذة في خروجهم عنها.

أن تدخل أنت بالذات من ضمن تلك الأعداد التي تكسر القاعدة شيء لا يمكن حدوثه إلا بوجود بعض العناصر والشروط التي لابد من توافرها وحصولها معك ومجتمعة لكي تكسر تلك القاعدة الحتمية، وإلا لا يمكن أن تحصل على شيء ولن تصل إلى شيء في هذه الحياة حتى لو كانت عندك كل مواهب الدنيا ومع كل دعوات الأهل بالتوفيق والنجاح، فلن تصل إلا بوجود تلك العوامل الخارجية وليس الذاتية فقط.

العناصر التي لابد من توافرها كلها بذات اللحظة لحدوث الطفرة والنقلة بحياتك حتى تصل وتصبح مثل أبطال تلك القصص والحكايات، هي:

وجودك في المكان المناسب

وجودك في الوقت المناسب

وجود الشخص أو الأشخاص المناسبين في تلك اللحظات في حياتك!

 

فإذا توفرت كل تلك الأمور الخارجية مجتمعة معك – وأنت ممن ولدت في عائلة فقيرة أو مدمرة أو ما شابه ذلك، وتربيت وعشت في ظروف قاهرة وأحوال بائسة، وكبرت في مجتمع محطم أخلاقياً مزيفاً دينياً رجعياً وفكرياً ومنحط إنسانياً، ولكن لو كانت ولادتك في ظروف ومناخ وبيئة صحية غنية مرتاحة أو لها سلطة وسلطان ومال وجاه، لما احتجت لتلك العوامل الخارجية التي هي المنقذ الوحيد لمن هم في ظروفك - واكتملت شروطها ممكن أن تحصل لك تلك الطفرة وهذه النقلة التي فيها تغيير شامل لحياتك، وما يبقي عليك سوى الباعث والدافع والمحرك الذاتي والشخصي الذي يدفعك لاقتناص هذه الفرصة التي قد لا تتكرر في حياتك مرة أخرى وإن حصل وتكرر حدوثها فقد لا تكون هي الأفضل لك في تفاصيلها، لذلك من يقتنص الفرصة في موعدها وظروفها التي نادراً ما تتكرر هو الذي تحدث له تلك النقلة في حياته.

من له ملكات ذاتية ومواهب شخصية لا يعني بالضرورة حصول تلك النقلة في حياته، فكل المواهب الذاتية لن تعيش وتنمو وتتحرك سوى بوجود تلك العوامل والظروف الخارجية الثلاثة السابقة. وجودك في تلك الظروف الخارجية المهمة تكمن فيها عملية التغيير وتبدأ بها النقلة المهمة في حياتك وتجعلك تنطلق فيتم الحديث عنك وعن حكايتك فتصبح نجم وقدوة ومكافح وبطل غيّر ظروفه وحياته وأنتقل من القاع وصعد لقمة الحياة الجميلة السعيدة المريحة، ولكن لولا تلك العوامل الخارجية وفضلها عليك - لأنها حصلت لك ولم تحصل مع غيرك - لما وصَلتَ للذي أنت فيه اليوم، وغيرك وهو مثلك في كل شيء ولم يحصل معه ما حصل لك ولم تحصل له تلك الصدفة الفارقة بالتالي لم ولن يصل لما وصلت له أنت فقط بمجهوده الشخصي وتحصيله العلمي والعملي والمعرفي ولا الديني أو الأخلاقي الذي يحمله في هويته الشخصية الذاتية.

العكس في هذه الحكايات وهذه البطولات هو الأصل وهو القاعدة وهو الذي يحدث مع ملايين من البشر ولا تتغير حياتهم ولا يحصلوا على شيء في هذه الحياة ولم تحصل لهم تلك النقلة المعيشية وتنتهي حياتهم كما بدأت ببؤس وشقاء ومعاناة وألم وفقر وحرمان.

ولو حصلت لكل إنسان تلك الظروف ووضع في نفس المواقف والأحوال التي حصلت مع هذا المحظوظ بالصدفة الذي أضحى بطل الحكايات وقاهر الصعوبات ومتحدي الإعاقات والمكافح الجبار في وجه التحديات والمشاكل وضربات القدر والناس، لكنت أنت هذا المحظوظ وصاحب هذه الحكاية وبطلها الذي تتحدث عنه الصحف والكتب والمجلات والميديا، وأصبحت بطل الشاشات والتجمعات وأصبحت النهاية في صالحك كما هي في كل تلك الحكايات والبطولات.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز