مريم الحسن
seccar4@wanadoo.fr
Blog Contributor since:
16 October 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
صدام الحضارات و حرّاس الثقافات الجزء الرابع

  IV الحضارة مقابل الثقافة

إنا في عصرِ لا حياة بأرضه       إلا لمن هو في الحياة نشيطُ

و إذا تقدمت الشعوب حضارةً      تزدادُ فيها للحياة شروطً 1

الحديث عن التأثير الإجتماعي للثقافة و عن علاقتها بسلوكيات الأفراد المنتمين إلى منظومات قيمهما و مفاهيمها, و عن قدرة الثقافة على تشكيل فضاء وعي أبنائها بما يسمح بترقّيهم أو بانحدارهم, أو بتقبلهم أو برفضهم للأخر غير المنتمي إلى نفس منظومتهم الثقافية, ينقلنا مباشرة للحديث عن الحيّز الثقافي, و حدوده , و عن مدى تأثر هذا الحيّز بما يجاوره أو يخاطبه من ثقافات أخرى مشابهة أو مختلفة عنه, و عن دور الثقافة في تغذية التطرف أو نشوء العصبيات و القوميات, و علاقاتها بما يُعرف بالعنصرية, و دورها في كيفية تقييم الهويات الثقافية المغايرة, و نظرة الأفراد فيها إلى مَن ناقضهم في تصوراتهم و توجهاتهم الثقافية. و هذا ما سيقودنا ربما إلى فهم ما وصل إليه عصرنا الراهن لواقع ما بات يُعرف اليوم بصراع الحضارات, و الذي يرى بعض المنظرين فيه أن أسبابه المباشرة لها علاقة حتمية بطبيعة الهويات الثقافية, الحاكم الفعلي في كل حضارة, فهي المؤثر الأقوى فيها, و لو بصورة غير مرئية لعامة الناس من غير المتخصصين, و هي المؤشر الفعلي و العامل الحاسم في قياس مدى قوة أو ضعف التقدم الحضاري في أي مجتمع ثقافي كان..

عن هذا المعطى المتعلق بواقع تأثير الثقافة في أحوال الحضارات, أن كان من الناحية التقدم أو التأخر أو من ناحية الرقي أو الانحطاطٍ , و عن القيمٍ الموجِهة في مختلف بُنى منظوماتها و عن مساراتها المحدَّدة فيها سلفاً و التي من ممكن أن تقود حضاراتها , في رحلة صراعاتها و تنافسها و معارك الهميمة, إما إلى الاستقرار و البقاء و بالتالي إلى الاستقلال و السيادة و ربما إلى الريادة و القيادة , و إما إلى الانحدار و التقهقر و بالتالي إلى خفوت التوهج و ما يعقبه من أفول يليه خضوع و ربما لاحقاً إلى اندثار, نشر الباحث و السياسي الأميركي صاموئيل فيليبس هانتنغتون , المتخصص في شؤون الحكومات العسكرية و المدنية و الانقلابات, مقالاً له عام 1993 وسمه بعنوان "صدام الحضارات"2 ,اعتُبر في حينها نبوءة عما وصل إليه حال عالمنا اليوم ( أو ربما كان مجرد مقال واقعي و نتيجة منطقية لدراسةٍ علمية في مجتمع متقدم علمياً في مجال الدراسات الإنسانية على عكس حال مجتمعاتنا المتأخرة في هذا المجال). في هذا المقال تحدث هانتنغتون عن الصراع الدائر اليوم بين الحضارات و عن طبيعة هذا الصراع المتأثر حكماً بصراع الثقافات الحاكمة فيها, و هو عبّر عن هذا الموضوع بالتالي : " إن مرحلة جديدة من تاريخ العالم قد بدأت, و في هذه المرحلة, لن تكون المصادر الرئيسية للصراع اقتصادية أو أيديولوجية في المقام الأول, لكن الانقسامات العميقة بين أبناء الجنس البشري و المصدر المهيمن على الصراع ستكون ذات طابع ثقافي" و أضاف " يمكننا أن نتوقع صدامَ حضاراتٍ هائلاً , كلٌ من هذه الحضارات تُمثل هوية ثقافية بدائية, من الواضح أن الإختلافات الرئيسية في التطور السياسي و الإقتصادي بين الحضارات تكمن جذورها في ثقافاتهم المختلفة. أن الثقافة و الهويات الثقافية تُشكل نماذج الإندماج و الاضمحلال و الصراع, و التنافسُ بين القوى العظمى حلّ محله صدام الحضارات".

و نحن اليوم حين نعيد قراءة ما جاء به مقال هانتنغتون لا نجد لنا مفراً من تأييده, على الأقل في الجزء المستقطع منه و الذي أوردناه في هذا البحث و ذلك انطلاقاً من نظرة واقعية و نقدية لمجمل مشاهداتنا لأحوال ما وصلت إليه اليوم المجتمعات المتأخرة علمياً أو حضارياً , و التي حسب الظاهر مردّها إلى أسبابٍ واقعية لها علاقة بما تحدث عنه هانتنغتون في مقاله و هي برأينا : إما التأخر الثقافي البعيد عن المنطق الواقعي أو العلمي و المنجر وراء الأوهام و الخرافات , و إما التمسك الرجعي بثقافات أثبت الزمان انحلالها و فسادها و عدم قدرة منظوماتها على مواكبة التقدم العلمي و التطور الحضاري., و إما عوامل اجتماعية متأثرة سلباً بالطبيعة البنيوية القائمة عليها المنظومة الثقافية , خاصة الوجه السلبي منها, و التي منها انبثقت و تأسست أفكار المنظومة الثقافية التي إليها ينتمي هانتنغتون نفسه و التي دفعته شجعته على الحديث عن مسألة الصدام الحضاري في هذا التوقيت بالذات ..

يقول الأنثروبولوجي الأميركي ميلفيل هيرسكوفيتس3 " إن الأفراد في أي مجتمع كان قريبون جداً من عاداتهم لدرجة تفاجئهم كثيراً بالإختلاف الظاهر بينهم و بين جيرانهم أكثر منه بالتشابه العام الذي يجمعهم ببعض". هذا الكلام يأخذنا مباشرة إلى بحث الوجه الآخر للثقافة, لفهم و تبيّن مدى قدرة الثقافة على خلق الحواجز النفسية بين الجماعات و المجموعات البشرية, و دورها في رسم الحدود و الحواجز الوهمية بين الناس و الأمم و الشعوب. و هي حدودٌ أُسِّست في بداياتها على مبدأ حق الاختلاف و التنوع و المحافظة على خصوصيات الثقافات المتنوعة, غير أن التطرف و المغالاة فيها, و غلبة النزعة العصبية عليها, أوصلت مجتمعاتهما إلى الخلافات و النزاعات و الصراعات و الحروب المدمرة و المميتة. و هذا الواقع المحزن في نتائجه و الذي أتى على يبدو على عكس المتوقع منه بحسب الدوافع الوظيفية الأولى و الأساسية التي قادت الإنسان في بدايات مجتمعاته إلى ابتكار الفكرة الثقافية, و التي كانت أهدافها تتلاقى في مصب واحد هو مساعدة الإنسان على تأسيس هذه المجتمعات و تطويرها و المحافظة على استمرارها و وجودها, و تمكينه من البقاء فيها حياً في رحلة الاصطفاء الطبيعي و معارك صراعه مع الطبيعة و تطويعها.

الإقرار بواقعية هذا الوجه السلبي للثقافة يوصلنا مباشرة إلى أحد أسباب الإعلان الذي خلص إليه هانتنغتون في مقاله و يقودنا بالتالي كرد فعلٍ عليه إلى ضرورة وعي مضامينه و أخذها بجدية و قراءتها بموضوعية و بالتالي إلى الإقرار بالحاجة الملحة لإعادة قراءة خصائص منظوماتنا الثقافية المتضررة من توقعات هكذا إعلان ,و الذي أثبتت الوقائع فعلياً صحته و توقعاته, و ذلك لتقييمها بعقلٍ منطقي تُحتمه ظروف الواقع المعاصر علينا و التي لا نراها إلا دافعة بنا نحو ضرورة إعادة دراسة المنظومات الثقافية و مراجعتها, لتفكيكها و إعادة بنائها من جديد وفق منظور حداثي يُقوّمها و يُصلح ما فيها من تفرعات و مفاهيم لا سيما تلك التي تشوهت بواقع تراكم الأحداث التاريخية عليها, أو التي زعزع تماسك استقرارها و متانة بنيانها هجران المنطق العقلاني و الدليل العلمي لحجج و مسوغات بقائها و جودها.

كما أننا أيضاً نرى, و ذلك بحسب مشاهداتنا, إن هذه الحاجة إلى التقويم و الإصلاح باتت اليوم ملحّة أكثر مما مضى لسبب وجيه هو أن الغرائز البدائية الكامنة في الثقافات قد استيقظت فعلاً , تماماً كما ورد في مقال هانتنغتون, و ذلك نتيجة تأثرها بعوامل اجتماعية تصادمية نبتت جذورها و نمت فروعها و تضخمت في تربةٍ وفّرتها سرعة التطور العلمي و التقدم التكنولوجي, و ساهمت في تخصيبها صدمةُ التواجه الثقافي و التقابل الحضاري التي أوصلها إلى ذروتها تزايد التطرف الناجم عن الصراعات و الحروب و تفاقم التكاثر السكاني و توسع انتشاره الديموغرافي و ما فرضه من تداخل بين الحدود الثقافية و الذي أدّى بالنتيجة إلى هشاشة هذه الحدود و سرّع تأثرها بعضها ببعض و فعّل فيها التفاعل الذي غلب عليه الوجه السلبي فتجاوزت بسببه الثقافات حدود تداخلها و تشابكها و إمكانيات التقائها و تفاهمها و وصلت به حد التنافر الحاد و التعارض التام و مرحلة التصادم الفعلي .

و أيضاً من الأسباب التي تحتم علينا المسارعة إلى القيام بعملية مراجعة للمنظومات الثقافية و إعادة تقييمها, خاصة في المجتمعات المتأخرة حضارياً, هو فضيحة ما كشفه التقدم العلمي من عورات كثيرة في مختلف هذه المنظومات, و التي خرجت فجأة إلى العلن و تمظهرت عيوبها بفعل تقلص المسافات الجغرافية و الثقافية بعد تزعزُع هامش التباعد المفترض بين حدودها , خاصة بعد ما وفّرته التكنولوجيا الحديث للشعوب المتأخرة حضارياً من قدرةٍ على المقارنة بين نُظمها الثقافية و نُظم ثقافات الشعوب الأخرى الأكثر تحضراً و نضجاً و معرفة منها, فتهيأت الظروف بذلك و أتيحت لظاهرة الغزو الثقافي و لتمددها, و التي ظهرا أنها لا تصب على ما يبدو إلا في صالح ثقافات معينة على حساب غيرها , تلك التي عزّز فُرصَ هيمنتها أو فرض حضورها واقعُ تفوقها النوعي في مختلف مجالات العلوم الطبيعية و الإنسانية و فروعها, و قدرتُها على التحكم بمختلف تقنيات العولمة الواقعية منها أو الافتراضية.

من الواضح أيضاً الذي لا لبس فيه, أن أية عملية تقويم لأي ثقافة كانت لا يمكن أن يُكتب لها النجاح إلا عبر عملية مراجعة و غربلة لمفاهيمها على ضوء التجارب التي خاضها الإنسان بها تاريخياً, و عايش فيها أزماتها و هفواتها و نتائجها بصالحها و طالحها. و هذه العملية من الأهمية بمكان بحيث أننا عبرها نخدم الثقافات و نحميها و نحصنها من الذوبان في جسد الحضارة المادي المتسارع في تمدده إن كان عبر التغلغل الإقتصادي أو عبر التقدم التكنولوجي. و هي من الضرورة بمكان بحيث أن من دونها لن نتمكن من إعادة رسم أشكال بُنى الثقافات و تنظيمها بما يخدم الصالح الإنساني منها , لا سيما في المجتمعات الثقافية المتأخرة علمياً أو حضارياً , و ذلك منعاً لتلاشيها و بلعها من قبل باقي الثقافات الأكثر تقدماً و تحضّراً, تلك الساعية بكل جهودها إلى بسط نفوذها على مقدرات و ثروات المجتمعات الأكثر فقراً علمياً و الأكثر هشاشةً ثقافياً , و التحكم بها إن كان عبر الاستعمار المباشر من خلال الحروب العسكرية و الاقتصادية أو غير المباشر عبر الغزو الثقافي المتسلح بجاذبية التقدم العلمي و تقنياته الحديثة.

و أيضاً, فإن هذه العملية من الواقعية بمكان بحيث أنها تجسد حالة نقدية صحية تحصن المجتمعات و تجنبها مرارة تكرار تذوّق أضرار الوجه السلبي للثقافة الذي على ما يبدو هو الطاغي في حضوره على حساب وجهه الآخر, و الذي غالباً ما ظهر هادماً و دموياً في أقصى مظاهره تطرفاً و إقصائية, فمنه انبثقت مشاعر التفوق العرقي و الأيديولوجي , و منه توالدت الأفكار العنصرية و الغطرسة و التمايز النوعي التي أدت إلى نشوب أكثر الحروب دمويةً عبر التاريخ و أكثرها هتكاً لحقوق الإنسان و إجراماً في حقه و إبادةً للثقافات. تلك الحروب التي تغذى القسم الأكبر من أسبابها,عند بعض الأمم و في مرحلة تاريخية ما, على شعور طاغٍ بالقوة الثقافية, ولّدهُ إحساسٌ بالغرور مردّه التفوق العلمي النوعي, و عزّزهُ في لحظة مفصلية ما من مسار التطوّر الحضاري, إحساسٌ مفرط بالغطرسة و بالقدرة على الهيمنة و السيطرة على باقي الثقافات و إخضاعها لنفوذ منظومة وحيدة من القيم الخاصة بثقافة واحدة بعينها.

و بالرغم من رفضنا و استنكارنا لهذا الواقع المأساوي الذي آل إليه حال الثقافة اليوم, من تغليبٍ طاغٍ لوجهها السيئ في علاقات تفاعلاتها الإنسانية بين الشعوب و في المجتمعات , إلا أن علينا أن نكون واقعيين لنقرّ بأن هذا المآل يُعتبر أمراً طبيعياً في معارك التصارع و التنافس الأممي. فبالرغم من تسليمنا بالحقيقة القائلة بأن تقدم التطور الحضاري ما برح منتمياً إلى التاريخ الإنساني بمجمله بجميع أطيافه وثقافاته و ملله, و ما برح نتيجة تراكمية لما أنتجه و أسهم فيه التعاقب الحضاري و التبادل الثقافي بين الأمم , إلا أن علينا الإعتراف أيضاً بواقع مفاده أن القيادة الحضارية و التي ما زالت أيضاً متنقلة بين مختلف الثقافات في المجتمع الإنساني و متَداوَلة بينها عبر التاريخ, لا تخضع إلا لمعيار واحد أوحد في دينامية اختيار من يتولاها من بين الثقافات, و هذا المعيار هو : مستوى التفوق العلمي في الثقافات المتنافسة و مقدار ما تتيحه منظوماتها من قدرةٍ على بلوغ الذروة فيه . و من هذه الحقيقة المرّة لكن الواقعية بحجتها, تنبع الحاجة الماسة إلى إعادة مراجعة المنظومات الثقافية في مجتمعات الدول المتأخرة حضارياً, و ضرورة تقييمها و تفكيكها و إعادة بنائها بهدف تقويتها من جديد منعاً لتلاشيها و اندثارها كما جرى الحال عليه مع غيرها من ثقافات سابقة لأممٍ مُندثرة.

1الشاعر و المفكر و الفيلسوف العراقي جميل صدقي الزهاوي 1863 - 1936

2https://www.cpjustice.org/public/page/content/clash_of_civilizations

3Melville Jean Herskovits, 1895 – 1963, est un anthropologue américain et un des pères de l'anthropologie Afro-américaine







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز