مريم الحسن
seccar4@wanadoo.fr
Blog Contributor since:
16 October 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
صدام الحضارات و حرّاس الثقافات الجزء الثالث

III.1.2المفهوم الحديث للثقافة

« إن الثقافة بشكل حصري هي بحق موضوع الإثنولوجيا الوحيد مثلما الوعي هو موضوع علم النفس , و الحياة موضوع علم الإحياء , و الكهرباء فرع من علم الفيزياء. » روبرت لوي, باحث أنثروبولوجي أميركي.1

يربط العلماء في حقلَي الإجتماع و الأنثروبولوجيا بين مصطلح الثقافة و مصطلحات أخرى مركبة منه للتدليل على مفاهيم و قيم لها علاقة مباشرة ببناء و تكوّن المجتمعات الإنسانية و التجمعات البشرية المتفرعة عنها كمفاهيم الهوية و القومية و الوطنية و مفاهيم العقيدة و الفكر و اللغة, و يربطون أيضاً بينه و بين القيم التي توجّه أو تتحكم بمنظومة سلوكيات أفراد هذه المجتمعات و التجمعات مثل العادات و التقاليد و الميول و الأذواق العامة و الطقوس المشتركة و الإحتفالات و الأعياد , و بأي منتج إنساني فكرياُ كان أم أدبياً أو فنياً يستبطن في الهدف من صناعته و في النتيجة النهائية لتشكّله رمزيةً ما خاصة تدلل على انتمائه لمجتمعٍ معين أو لمجموعة بشرية معينة أو لمعتقد بعينه أو لتيار فكري أو فلسفي محدّد وجّه أو تحكم في لحظة وجودية ما بالأداء التعبيري الخاص بصانعه أو مُنتِجه.

و هذا ما عبّر عنه العالم الأنثروبولوجي إدوارد تايلور2 في تعريفه لمفهوم الثقافة حين وصّفها بأنها " الثقافة و الحضارة في شكلها الإثني الأوسع هي كل مُرَكَب معقد يحتوي في ذاته المعرفة و المعتقد و القيم و الأخلاق و الحق و العادات و باقي القدرات الأخرى و المكتسبات التي تلقنها المرء بما هو عضو في مجتمع ».3 إذاً الثقافة بحسب تايلور هي كل موروث اجتماعي و فكري مشترك تتناقله الأجيال فيما بينها و تتعلمه عبر الممارسة و الأداء و التطبيق, أي أنه كل سلوك أو معتقد يكتسبه المرء بالتعلم و التفاعل مع محيطه و ليس عبر الدم أو الجينات و الغريزة أو الفطرة.

لهذا نجد أن مصطلح الثقافة غالباً ما يتم استخدامه لغوياً للتعبير عن مفاهيم و قيم تشمل في مضامينها ما تم ذكره أعلاه في مصطلحات مثل الهوية الثقافية و الإرث الثقافي و أيضاً في مصطلحات تستخدم للتمييز بين مختلف شرائح المجتمع الإنساني من حيث ترقيها و تأخرها أو انحدارها و تقدمها, فنراه حاضراً في مصطلحات مثل الثقافة النخبوية و الثقافة الشعبية , و الثقافة المتقدمة و الثقافة الرجعية , و الثقافة العصرية و الثقافة البدائية ,و في مصطلحات أخرى تُعبّر عن التفاوت أو التباين ما بين ثقافات المجتمع الواحد من حيث الأنماط السلوكية و التوجهات الفكرية و الخصوصيات العمرية لا سيما حين يُراد الإشارة إلى مسألة الاختلاف الثقافي بين أجيال سابقة و أخرى لاحقة. و نراه أيضاً في مشتقات لفظية أخرى لها علاقة بالانتماء القومي أو العرقي أو اللغوي أو الفكري أو العقائدي لاسيما حين يحضر عنصر المقارنة بين المجتمعات التي انبنى تمايزها على اختلافها اللغوي أو الديني.

III.2 نشوء الثقافة و تطورها و دورها في المجتمعات

مما لا شك فيه أن الدراسات في علم الأنثروبولوجيا ساهمت في شكل كبير في عملية إعادة تعريف مفهوم الثقافة وفق أسس علمية سمحت بفهمه بشكل أوسع و أعمق, و أمدّت المخزون المعرفي بمعلومات قيمة عن ما هية الثقافة , و كيفية نشأتها, و مراحل تطورّها ,و تأثيرها و تأثرها بالفرد الإجتماعي و بالمجتمع الإنساني. كما أن هذه الدراسات في حقل الأنثروبولوجيا استطاعت أن تستخلص من تطور السلوك الإنساني الثقافي عبر التاريخ ,و بالدليل العلمي , خاصيات تميّز بها الإنسان وحده دون سواه من كائنات أخرى كانت تُعتبر لفترة من الزمن, بحسب النظرية الداروينية , شبيهة و قريبة منه بيولوجياً و سلوكياً غير أن الدراسات الأنثروبولوجية أظهرت قصورها عن بلوغ ما تميّز به العقل الإنساني من قدرةٍ على الترميز و التجريد و الابتكار و التطوّر السلوكي و المعرفي المتجدد و المتواصل عبر الزمن.

فالترميز و التجريد هما سمتان رئيسيتان مميزتان لسلوك الإنسان الثقافي, و بواسطتهما و بقدرته على التخيل و الإبداع استطاع الإنسان أن يتميز عن باقي المخلوقات الإجتماعية و أن ينسج حوله شبكة من التصورات و الأفكار و المعتقدات و العادات و اللغات سيّج بها مجتمعاته و حماها و حفظ بها حياته و استمرار بقائه و هيمنته و سلطته على باقي المخلوقات و الموجودات, و ذلك حين توارثها جيلاً بعد جيل و صنع منها تاريخا ربط بين أزمنته بنظامٍ من الترميز التواصلي كان له جلّ الإسهام في تطوره معرفياً و سلوكياً و ذلك عبر شِقّين فيه, واحدهما شفهي و الآخر مادي, اعتُبرا بحق العنصر الحاسم في معركة بقاء الإنسان على قيد حياة و استمرار وجوده حتى يومنا هذا. و في هذا المجال و عن الطبيعة الرمزية التي تميّزت بها الثقافات يقول الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد غيرتز " إن الثقافة هي نظام من التصورات الموروثة التي يُعبّر عنها بأشكال رمزية و التي بواسطتها يتواصل البشر و يطوّرون معرفتهم عن الحياة و مواقفهم منها. هذه الرموز تضفي معنى و نظاماً على حياة الناس"4.

أما عن ميزة الابتكار عند الإنسان و علاقتها بنشوء الأنظمة الثقافية و بتطورها و استمراره و تجذرها عبر التاريخ كهوية اجتماعية أو جماعية خاصة فقط بالمجتمعات الإنسانية, فقد أثبتت الدراسات الأنثروبولوجية أن أي نظام ثقافي في رحلة تجذره اجتماعياً و استقراره زمنياً عبر التاريخ لا بد له من أن يمر بمراحل تطورية محددة تبيّن أنها ثابتة في أي سيرة ثقافية كانت. فبحسب الباحث الأمريكي ويليام س. ماك غرو5 المتخصص في الأنثروبولوجيا التطويرية فإن النظم الثقافية و جماعاتها البشرية تتشكل و تنمو و تستقر عبر الزمن في شكلها الإجتماعي النهائي كهوية ثقافية خاصة بمكتسبيها بعد مرورها بمراحل ست لا بد منها و هي كما الآتي :

  • وجود سلوك جديد أو تعديل لسلوك قديم.

  • نقل هذا السلوك الجديد أو المُعدل إلى الغير.

  • ترابط اجتماعي مميز بين الأفراد الذين اكتسبوا و طبقوا السلوك الجديد.

  • ضرورة بقاء و استمرارية هذا السلوك الجديد.

  • تمدده ليشمل أفراداً أكثر و لإنتاج مجموعة بشرية اجتماعية جديدة.

  • أستمرار السلوك لعدة أجيال.

كما نلاحظ فإن هذه المراحل التطورية ,التي بها و منها تنشأ الثقافة و المجموعات الثقافية, تعتمد كل الاعتماد على هذه القدرة عند الإنسان على ابتكار الأنماط السلوكية الجديدة, و على طبيعة عقله القادرة على التجريد و ربط الأمور بعضها ببعض و استخلاص الأفكار و النتائج من العلاقات بين الأسباب و المسببات, و على خاصية الترميز الحاكمة لأنماط نظمه التواصلية الضرورية في عملية النقل المعرفي و السلوكي. و بفضل هذه القدرة غلى الابتكار و ابتداع سلوكيات جديدة و الحفاظ عليها و تطويرها و تعليمها و نقلها عبر الأجيال استطاع الإنسان أن يتطور اجتماعياً بعد بقائه حياً في معركة تأقلمه مع الطبيعة و رحلة الاصطفاء الطبيعي التي خاضها مع غيره من كائنات أخرى تميزت أيضاً مثله بالذكاء و القدرة على التواصل فيما بينها و العيش في تجمعات أسرية و اجتماعية لكنها عجزت عن تطويع بيئتها و ربطها بمنظومات فكرية رمزية تجريدية و سلوكيات جديدة كتلك التي صنع منها الإنسان أشكال نظمه الثقافية, ثم طوّر بإبداعاته فيها حدود و أطر هوياته الإجتماعية و مختلف قيمه و نظمه الأخلاقية, و منها عبر إلى مرحلة تأسيس و تشييد حضاراته مستعيناً على ذلك بقدراته الابتكارية التي تطوّرت نقلياً و توارثياً عبر الزمن في مختلف مجالات البناء الحضاري من تشريعٍ و تنظيمٍ و تقنياتٍ و اقتصادٍ و عمران.

من هنا نفهم أهمية الثقافة و وظيفتها في عملية تطور الوجود الإنساني و استمرار بقائه , و دورها في لحم علاقات أفراده داخل مجتمعاتهم و الحفاظ عليها مستقرة متماسكة, و آمنة من التفكك و الانهيار, و ثباتها في وجه ما قد يهدد دوام استمرارها لا سيما ذلك المجهول و تلك الأخطار الغيبية التي تفلتت من قدرة الإنسان على استشرافها و التحكم بها فلم يجد له مناص ضدها أو كرد فعلٍ عليها سوى تطويعها رمزياً عبر منظومات من أنماط ثقافية احتضنت هواجسه و أشبعت خيالاته و آمنت خوفه من الآخر و من المجهول و من الغيب و أمدّته بمشاعر الاستقرار العاطفي و الاطمئنان النفسي و الأمان الروحي التي أمّنتها له : أولاً ميزاته العقلية القادرة على التجريد, و ثانياً سِعة خياله القادرة على الترميز, و ثالثاً ميله الفطري للربط بين الظواهر الطبيعية و مشاعره و أحاسيسه وأفكاره و بين رموزٍ مادية أو معنوية خلقها هو و ابتكرها هو لأسباب يعرفها لها علاقة بلا وعيه الجمعي و بسيرته الخاصة و بمجتمعه الخاص و بهويته الفكرية و بمعتقداته تلك التي وُلدت في لحظة ظرفية خاصة بزمانه و بمكان وجوده أو توارثها نقلياً عبر الأجيال كميراثٍ تقليدي خاص بكل سيَرة من سيَرِ مجتمعاته التاريخية.

فمن هذه القدرة على الترميز و التجريد و الحاجة الحيوية الإنسانية الملحة لخلق الرموز الثقافية, ماديةً كانت أم معنوية ,و التي وجدت جذور الحاجة إليها و أنجبتها خصائص الظروف المكانية و الزمانية في كل تجمع بشري عرفته السيرة الإنسانية عبر التاريخ, استطاع الإنسان أن يمنح مجتمعاته أستقرارها الوجودي و أمانها الروحي و عرف كيف يشدّ لحمة أفراد مجتمعاته بأنماط سلوكية و فكرية مشتركة, و كيف يعزز روح الانتماء فيهم إلى نفس الجماعة التي ربطتهم و شدتهم إليها بواقع تقاسمهم العادات نفسها و الأفكار نفسها و المعتقدات نفسها و أيضاً الهواجس و الآمال و الطموحات نفسها. و قد نجد دليلنا على ما بيّناه و شرحناه فيما أشار أليه الأنثربولوجي البولندي برونيسلاف مالينوفسكي6 حين عرّف الثقافة قائلاً فيها " إن وظيفة الثقافة هي جعل حياة الإنسان أكثر أماناً و أكثر قابلية للاستمرار" ثم أضاف عن هذه الطبيعة الوظيفية في الثقافة بأنها " في أي نوع من الحضارات يكون لكل عادة أو شي مادي, أو فكرة أو أيمان وظيفةٌ حيويةٌ ما و مُهِمّةٌ ما و هي تُمثل جزءاً لا يُستغنى عنه من ضمن جسم كلي فاعل"

أما عن التأثير الإجتماعي للثقافة ودورها في عملية تشكيل الوعي و السلوك الفردي و أيضاً الجمعي داخل المجتمعات, فإن الباحثة الأميركية روث بنيديكت المتخصصة في علم الأنثروبولوجيا قد تناولت هذا الموضوع في كتابها الموسوم بعنوان أنماط ثقافية و فيه شرحت أهمية الدور الإجتماعي الذي تلعبه الثقافة في خلق الأنماط السلوكية في مجتمعاتها, و فسرت كيفية عمل هذه الأنماط و تأثيرها على توجهات الفرد الفكرية و العقائدية, و على نظرة هذا الفرد لقيم و مفاهيم الحياة و تقييمه لها و للآخر المُقيم معه فيها, و ذلك من خلال منظور و مقياس ما تربى و نشأ عليه الفرد منذ نعومة أظافره و تلقاه من محيطه البيئي و من عائلته . تقول بنيديكت في شرحها لهذا الدور الإجتماعي و الفكري الحساس جداً للثقافة « بإن تاريخ الفرد ,أولاً و قبل كل شيء, لهو تكيّفٌ مع الأنماط و المعايير المتوارثة تقليدياً في مجتمعه. و مند لحظة ميلاده تُشكّلُ الأعراف, التي يُولد في ظلّها, خبرته و سلوكه. و بحلول الوقت الذي يستطيع فيه التكلّم, فإنه يكون قد غذا المخلوق الصغير لثقافته. و بحلول الوقت الذي يصير فيه كبيراً و قادراً على المشاركة في أنشطتها, فإن عاداتها تصبح عاداته, و معتقداتها معتقداته, و مستحيلاته مستحيلاته. »7

بهذا التوصيف الدقيق اللافت و المهم جداً في تسلسله عرّفت بنيديكت مفهوم الثقافة كحاضن بيئي فكري مُؤسس لأنماط تفكير الأفراد في المجتمعات, و كعامل بيئي اجتماعي فاعل و مهم أن لم نقل أنه الرئيسي ربما في عملية نشوء و تطور أنماط السلوك الإنساني و تفرعها و تمايزها و اختلافها و تعارضها و ترقيها و انحطاطها, و أيضاً توجهها على خط استمرار وجودها أن كان في اتجاهه السلبي أو في اتجاهه الإيجابي.و هذا الكلام إن دلّ على شيء فإنما يدل على أهمية دور البيئة الثقافية في تشكيل وعي الأفراد, و في نظرتهم للوجود و لذواتهم, وعلى ما لثقافة من قدرةٍ على التأثير بهم فكرياً, و على تقييمهم ,إن كان سلباً أو إيجاباً, لمنظومة القيم الاجتماعية و الأخلاقية تلك الحسّاسة جداً و التي يُسيّر معظمها حيواتهم, و يؤثر في ميولهم و أذواقهم و أخلاقهم و ردود أفعالهم و سلوكياتهم, وهي قيم تدور في معظمها حول مفاهيم لها علاقة بما هو خطأ و صواب, و جيد و سيئ, و مسموح و غير مسموح, و مقبول و مرفوض و أيضاً... بما , أو بمَن يستحق الحياة و الوجود و البقاء, و بما, و بمَن لا يستحق لا الحياة و لا الوجود و لا أية قيمة حيوية أخرى متعلقة بهما.

1Robert Harry Lowie , est un ethnologue américain. Expert des populations indiennes d'Amérique du Nord.

2Edward Burnett Taylor (1832 – 1917) est un anthropologue britanique.

3Edward Burnette Taylor, Primitive Culture, London, John Murray, 1871.

4Clifford Geertz, est un anthropologue américain

5William C, Mcgrew, est un anthropologue américain

6Bronisław Kasper Malinowski, 1884 - 1942 , est un anthropologue, ethnologue et sociologue polonais

7Ruth Benedict, 1887 - 1948 , est une anthropologue, biographe et poétesse américaine







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز