مريم الحسن
seccar4@wanadoo.fr
Blog Contributor since:
16 October 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
صدام الحضارات و حرّاس الثقافات الجزء الأول

I المقدمة

من شبه المؤكد بل من البديهي ربما, أن أية محاولة لبحث و تقديم موضوع الوساطة الثقافية لا بد أن يستوجب معه استحضار منظومة القيم و المفاهيم البانية له, و ذلك لما يُمثله هذا المصطلح من مركبٍ لغوي يُراد به التدليل على مفهومٍ وساطي لهُ بُعدان : واحدهما إجتماعي و ثانيهما فكري. خاصة أن هذا المصطلح يشتمل في ذاته على مفاهيم كثيرة أساسية كالثقافة و المجتمع و الهوية و الانتماء و الفرد , و بالتالي علاقة هذا الفرد بهذه المفاهيم كلها, و مدى استيعابه لقيمِها و لتأثيرها عليه ,و على علاقته بهويته الشخصية و الوطنية ,و على سلوكه الإجتماعي بما هو كائنٍ اجتماعي مُنتمي إلى جماعة معينة أو إلى مجتمع بعينه أو إلى أمةٍ بذاتها.

و لكي نفهم أهمية الوساطة الثقافية و دورها في المجتمع, لا بد لنا أولاً من أن ندرس و نفهم المفاهيم التي تشملها هذه العملية الوساطية حتى نستطيع بعدها استيعاب أهدافها و تقييم أدائها لتطوير حضورها أو للترويج لمهامها بين الأفراد المعنيين بها أولاً و أخيراً أي لجمهور المجتمع الذي تستهدفه خطتها فهو المعني الأول في دعم استراتيجية عملها بشكل صحيح و سليم عبر تفاعله معها و استجابته لأهدافها.

و على ما يبدو فإن الوساطة الثقافية باتت تُعتبر حاجة ضرورية لاستمرار و بقاء الهوية الثقافية في المجتمعات , فهي المؤَمنة لعميلة التواصل القائمة و المستمرة بين الفرد و المجتمع, و من خلالها يتم رسم الهوية الإجتماعية و الوطنية و تعزيزها, و بواسطتها تتمأسس ثقافة الإنتماء لتترسخ جذورها بشكل أعمق في نفوس أفراد المجتمع الواحد, و بها تتوثق أواصر الارتباطات فيما بينهم , لا كأفراد تربطهم قرابة الدم أو العِرق بل كأفراد تجمع فيما بينهم قرابة الوحدة الثقافية أو التشابك أو التداخل الثقافي التي لا يتحصل لها النمو و التطور ككيان فكري مؤسساتي هادف يسعى لتمتين حضور الثقافة بين أفراد المجتمع الحاضن لقيمها إلا عبر الوسائط الثقافية المتنوعة تلك التي يساهم الأفراد أنفسهم في صناعتها و إنتاجها و قولبتها لتتناغم و تتماهى في تشكّلها و رمزيتها مع ترابطهم الإجتماعي الذي أنشأته و نمّته ثقافة الإنتماء المشترك إلى الحيز الثقافي نفسه.

و كما رأينا في تعريفنا الموجز و تقديمنا المختصر لمفهوم الوساطة الثقافية, فإن عِماد عملها و محور تركيبها يدور حول مفاهيم تتعلق بالفرد و المجتمع و علاقة هذا الثنائي بالثقافة و بدورها كوسيط يضمن استمرارية استقرار و وجود كلٍ منهما. و بما أن ليس هناك مجتمع من دون أفراد و من دون هوية مشتركة أو ثقافة مشتركة تربط هؤلاء الأفراد بمصير المجتمع الواحد و الإنتماء الواحد, كان من البديهي أن يجتذب مفهوم الثقافة اهتمام علماء الإجتماع و الأنثروبولوجيا لدراسته أيضاً في سياق دراستهم لسيرة الإنسان و المجتمعات, و ذلك لفهمه و لفهم دوره, و لفهم علاقة هذا الدور بتطور المجتمعات و الجماعات, و بتطور الإنسان و تقدّمه , و بتأثير الثقافة و الهوية و الإنتماء الجماعي على سلوكيات الفرد في المجتمع و على تفاعله التواصلي, و مدى علاقة نوع و شكل مستوى الثقافة بتقدم الحضارات الإنسانية و بتأخرها أو حتى بتلاشيها وصولاً إلى اندثارها.

و بما أن مفهوم الثقافة بما يحتويه من قيم و أبعاد متعددة هو المحور الرئيس الذي تدور حوله عملية الوساطة الثقافية, و بما أن الحضارة تُعتبر أول المتأثرين نهوضاً أو انحطاطاً بمستوى التقدم أو التخلف الثقافي الذي يُعتبر المُشكّل الأول لوَعي الإنسان الفردي و أيضاً للا وعيه الجمعي, رأينا أنه من المفيد أن نتناول هذين المفهومين عبر تقديمهما و تعريفهما في القسم الأول والثاني من هذا البحث, حتى نتمكن بالتالي من مقابلتهما في القسم الثالث منه, لنصل في ختامه أي في القسم الرابع منه إلى تعريف فكرة الوساطة الثقافية و الأسباب التي أدّت إلى نشوئها و الأهداف المرجوة منها, و التي برأينا لم تكن لترى النور أو هذا الحض الحثيث على تفعيلها و تطويرها, من قِبل بعض الجهات المحلية المسؤولة و الواعية و المنظمات العالمية المعنية بها, و ذلك عبر محاولات مأسستها و دعمها حكومياً في البلدان التي أدركت أهمية دورها و ضرورة وجودها فيها, لولا هذه القراءة التاريخية المتمعنة لتاريخية الصراع المستمر بين مفهومَي الثقافة و الحضارة و تقابلهما ضدياً و تلازمها مسارياً, باعتبار أن الحضارة تُعتبر توأم الثقافة من حيث النشأة و التطور و نتيجة مادية لروحها في جانبٍ ما منها, لكنها أيضاً تُعتبر منافستها و غريمتها في رحلة تطور المجتمعات الإنسانية و في معركة الصراع الدائرة بينهما على عرش الهيمنة و بسط النفوذ على المنظومات الأخلاقيات في المجتمعات الإنسانية و ذلك من خلال جبهتين واحدتها تدعم الثقافات المحلية و تدعو إلى حمايتها من محاولات هيمنة قوى الحضارة المادية عليها و ذلك عبر تشبثها بنُظم قيَمِها الروحية مهما نافت أفكار هذه القيم روح المنطق و ظهر فيها من سلبيات, و أخرى تناصر مبادئ القيم الحضارية و منهج الحضارة الكونية و تُروّج لأهمية دورها في رحلة الترقي الإنساني حتى لو أتى هذا الهدف على حساب الثقافات المحلية و ما تختزنه منظوماتها من قِيَم وجدانية و روحية تُعدُّ أسُّ و غاية الهدف من الحياة لمَن يؤمن بها و يعتنق نُظم قيمها أوأيديولوجياتها.

II الحضارة

II.1 تقديم

بما أن استحضار مفهوم الثقافة في أي تناولٍ بحثي أو نقاشي غالباً ما يستجلب معه أيضاً مفهوم الحضارة الذي ما انفك مرتبطاً بمفهوم الثقافة و لصيقاً به منذ نشأتهما معاً كمفهومين متداوَلَين بين العامة و النخبة و الدارسين و المنظّرين ذلك أن غالباً ما يتم استخدامهما معاً للإشارة إلى مدى تقدم و تأخر أو تأثير و تأثر أي أمةٍ من الأمم بهما , أو لتقدير و تقييم نسبة البدائية أو الرُقي عند أي شعب من الشعوب , وجدنا أنه من الأفضل أن نبتدئ أولاً بتقديم تعريفاً موجزاً لمفهوم الحضارة قبل أن نتناول مسألة تقديم الثقافة و تعريفها, و ذلك بهدف التمييز بين هذين المفهومين و إظهار نقاط التقائهما و الفوارق الفعلية بينهما.

خاصة و أن الحضارة كانت تُعتبر تاريخياً من قبل المفكرين الرومنطيقيين و المثاليين, لا سيما في القرنين الثامن العشر و التاسع عشر, النقيض المقابل لفكرة الثقافة و الخطر الأول المُهَدِّد لها. حيث أنهم رأوا في ديناميتها السريعة ,المتمثلة في التقدم السريع لثالوث أركانها : العلوم و التقنية و الاقتصاد, احتمالاً ذا حظوظٍ كبيرة لهيمنة القوى المادية فيها على الطبيعة الروحية التي تتميز بها الثقافة عادةً, و التي من الممكن في حال توسعها و انتشارها أو عولمتها أن تقضي تدريجياً على الهويات الثقافية المحلية ذات الطبيعة التجريدية الرمزية الهشّة القابلة للذوبان السريع في جسد الحضارة المادي, و الذي غالباً ما يُروّج لنفسه مشرعناً تغلغله و انتشاره في المجتمعات, و ذلك على حساب الثقافات , من خلال استخدامه لجاذبية التنوير العلمي و منتوجات التقدم التكنولوجي , و الوعود بإمكانية تحسين مستوى المنفعة الإقتصادية في المجتمعات المنجذبة إليه, و من خلال الأفكار الحاثة على ضرورة التغيير و السعي الدؤوب نحو التطوّر و الحداثة.

II.2 جذور اللفظ اللغوية

في أوروبا قبل القرن الثامن عشر كان لفظ civilisé (متحضّر) مرادف للفظ policé (مهذب) المشتق من لفظ police الذي يعني (إطاعة القانون). و كان يستخدم بالتضاد مع ألفاظ مثل sauvage (متوحش) و barbarian (بربري) اللذان كانا يُستخدمان للإشارة إلى من يفتقدون التحضر و الكياسة و الحكمة الإدارية.1

أما في الثقافة العربية فإن كلمة "الحضارة" من المنظور الإجتماعي تعني نقيض "البداوة". و الحضري هو الإنسان الذي يسكن المدن و يعمرّها عكس الإنسان البدوي الدائم الترحال و الانتقال من دون سكنٍ ثابت و ارتباطٍ دائمٍ بموطنٍ واحد يستقر فيه و ذلك مردّه إلى عدة أسباب متعلقة بأسلوب حياة الإنسان البدوي المرتبط ارتباطاً وثيقاُ بميله إلى الحرية و تعلّقه القوي بالطبيعة و بتفاعله معها في إطار علاقة خاصة خاضعة لتقلبات الظروف البيئية, و تتحكم بها أيضاً عوامل أخرى جذورها إجماعية أو إقتصادية. لذا نرى أن البدوي ,عبر تاريخ سيرته, كان دائم التنقل إما طلباً للأمان و ذلك هرباً من اضطهاد أو من ثأر ما يُلاحقه, أما سعياً وراء مناخ أفضل, و ماء أوفر, و أرض جيدة له و لما يملكه من ماشية و دواب أو أنعام , إما رغبةً بالتجارة مع القبائل الأخرى المتنقلة مثله أو مع تلك التي اختارت الاستقرار في المدن وعمارتها.

أما لغوياً فإن لفظة " حضارة" مشتقة من فعل "حضر" و المصدر "حضور" الذي هو عكس "الغياب" , أي أن الحضارة تعني الثبات و الوجود الدائم و المشاهدة الفعلية التفاعلية, و بهذا نستنتج أنها المرادف للمعلوم و المعقول و المرئي و الواقعي الذي هو عكس المجهول و اللا معقول و اللا مرئي و غير الواقعي. و قد جاء تعريف كلمة حضارة في معجم مختار الصحيح لواضعه محمد بن أبي بكر الرازي المتوفي سنة 1268 ميلادية على الشكل التالي :

(حَضْرَةُ) الرَّجُلِ قُرْبُهُ وَفِنَاؤُهُ.

وَكَلَّمَهُ بِحَضْرَةِ فُلَانٍ وَ(بِمَحْضَرِ) فُلَانٍ أَيْ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ.

وَ(الْحَضَرُ) بِفَتْحَتَيْنِ خِلَافُ الْبَدْوِ.

وَ(الْمَحْضَرُ) السِّجِلُّ.

وَ(الْحَاضِرُ) ضِدُّ الْبَادِي وَ(الْحَاضِرَةُ) ضِدُّ الْبَادِيَةِ وَهِيَ الْمُدُنُ وَالْقُرَى وَالرِّيفُ، وَالْبَادِيَةُ ضِدُّهَا.

يُقَالُ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ وَفُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفُلَانٌ (حَضَرِيٌّ) وَفُلَانٌ بَدَوِيٌّ وَفُلَانٌ (حَاضِرٌ) بِمَوْضِعِ كَذَا أَيْ مُقِيمٌ بِهِ.

وَ(الْحِضَارَةُ) بِالْكَسْرِ الْإِقَامَةُ فِي الْحَضَرِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ.

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ بِالْفَتْحِ.

وَ(الْحُضُورُ) ضِدُّ الْغَيْبَةِ وَبَابُهُ دَخَلَ.

وَحَكَى الْفَرَّاءُ: (حَضِرَ) بِالْكَسْرِ لُغَةٌ فِيهِ يُقَالُ: حَضِرَ الْقَاضِيَ امْرَأَةٌ.

قَالَ: وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ يَحْضُرُ بِالضَّمِّ.

قُلْتُ: وَفِي الدِّيوَانِ جَعَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ مِنْ بَابِ فَعَلَ يَفْعُلُ.

وَيُقَالُ: اللَّبَنُ (مُحْتَضَرٌ) وَ(مَحْضُورٌ) فَغَطِّ إِنَاءَكَ، أَيْ كَثِيرُ الْآفَةِ، وَإِنَّ الْجِنَّ تَحْضُرُهُ.

وَالْكُنُفُ مَحْضُورَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 98] أَيْ أَنْ تُصِيبَنِي الشَّيَاطِينُ بِسُوءٍ.

وَقَوْمٌ (حُضُورٌ) أَيْ حَاضِرُونَ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ.

II.3 التعريف الإجتماعي لمفهوم لحضارة

إذاً و كما تبيّن لنا من تعريفات كلمة حضارة نفهم أن "الحضري" هو توصيف لفرد يعيش مع أفراد آخرين في مجتمع عمراني و مستقر. و انطلاقاً من هذا الواقع الإجتماعي المرتبط بأرضٍ ثابتة, و أسلوب الحياة المستقر الذي يعتمد أساساً له مبدأ تقبل الفرد الساكن فيه لجميع تقلبات ظروف المكان الواحد (المناخية و الأمنية و البيئية), و مبدأ التأقلم شبه المستقر و الدائم مع إمكانياته الإنتاجية و الاقتصادية الخاضعة لحكم أمر الواقع,الجغرافي و البيئي, و مبدأ الحاجة إلى التفاعل الإجتماعي و الفكري و الإنساني مع تطلعات و رغبات و هواجس جميع أفراد المجتمع الواحد الساعين لأفضل شكل ممكن من العلاقات الإجتماعية الممكنة و المستقرة و المنتظمة فيما بينهم بأعراف و تقاليد و معتقدات مشتركة و قوانين تجمعهم جميعهم عبر بوتقة من أواصر اللحمة الإجتماعية و الثقافية التي تشدهم جميعاً إلى واقع انتمائهم إلى الحيز الجغرافي ذاته و الواقع الاجتماعي المشترك نفسه , تقع على عاتق الفرد المتحضر المسؤوليات أو المهمات التالية:

أولاً : مسؤولية إيجاد القوانين و التشريعات التي بها تنتظم العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد بما يخدم تلاحمهم و ترابطهم.

ثانياً : عمارة المجتمع و تحسينه و إدارة موارده بما يخدم صالح الجماعة ككل.

ثالثاً :أيجاد الوسائل و ابتكار التقنيات التي تسهّل الحياة داخل المجتمع و تطويرها لتتناسب مع حاجات أفراده

رابعاً: المحافظة على دوام المجتمع و تماسكه و ازدهاره عبر تمكينه إقتصادياً بدوام استمرار حركة الزراعة و الصناعة و التبادل التجاري فيه و تمكينه نظامياً بدوام حركة تطوير و إصلاح قوانينه و تشريعاته.

خامساً: حمايته من الاعتداءات الخارجية و تحصينه معرفياُ و اقتصادياً و تشريعياً لمنع انهياره أو انحلاله.

بالمحصلة على الفرد المتحضر فعل كل ما يحقق لمجتمعه فرص استمرار بقاء الحياة نابضة فيه, و تنميته و تطويره بما يخدم دوام ازدهاره و تحصين منعته و تهيئته بكل أسباب نشوء الدولة و تأسيسها. بمعنى آخر, على المتحضر أن يجعل من مجتمعه مجتمعاً محكوماً بقانون مقبول من قِبل جميع أفراده, قانون يُديرُهم و يرعاهم و يُنظّم علاقاتهم الإجتماعية بقواعد الحقوق و الواجبات الصريحة و العادلة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز