د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
شيوخ سلاطين العرب : القرضاوي نموذجا

ذكرت صحيفة رأي اليوم اللندنية بتاريخ 27- 1 – 2018 أن الشيخ يوسف القرضاوي قال مغرّدا على تويتر " إن الإسلام ينشد المسلم الحي الضمير، المرهف الشعور، الغيور على دينه، القوي الإرادة، المستنير العقل، المستقيم الخلق، السليم الجسم، العابد لربه، المحسن إلى خلقه، الصالح في نفسه، المصلح لغيره، النافع لمجتمعه، المدافع عن وطنه، الذائد عن أمته." كلام جميل لا جديد فيه، نحن العرب نعرفه جيدا وحفظه الكثير منا غيبا لأن شيوخنا لم يتوقفوا عن ترديده منذ قرون، لكنهم لم يقولوا لنا إن رجل الدين الذي يدعم حاكما ظالما يرتكب جريمة بحقّ أمته، ويخالف أوامر ديننا الحنيف الذي يرفض الظلم والظالمين، ويأمرنا بالتصدي لهم والتخلص منهم، ويفرض علينا الجهاد لحماية أوطاننا، ويعتبر أن من يموت وهو يدافع عن وطنه ودينه وكرامة أمّته بطلا وشهيدا سيدخل الجنة من أوسع ابوابها.

يا شيخ أنت ومشايخ السلاطين في العالم العربي تدركون جيدا ان الأمة العربية ابتلت .. بكم .. وبحكّام متسلّطين فاسدين عملاء للأجنبي. أنتم كرجال دين يجب عليكم أن تدافعوا عن وطننا، وعن الفقراء والمظلومين، لكنكم بعتم أنفسكم للسلاطين بثمن بخس وبوظائف ومراكز لا شرف ولا كرامة لأحد في شغلها، وتحالفتم مع أسيادكم الذين جلبوا للأمة الويلات، ففقدت البوصلة وأضلت الطريق، وهي الآن تنزف دما، وتمزّق وتدمّر، ويهجّر ويشرّد ويضطهد ويسجن مواطنيها بسبب وبدون سبب، ويحرمون من أبسط حقوقهم الإنسانية، وتسلب ثرواتهم وانتم صامتون ولم تقولوا كلمة حق واحدة. أليس تحالفكم مع هؤلاء الحكّام خيانة للأمة وعصيانا لأوامر رب العالمين؟

اسمح لي يا شيخ أن أقول لك بأن تاريخك حافل في الولاء لدول السلاطين. الدول العربيّة، كما تعلم جيدا، قبليّة دكتاتوريّة فاشلة لا قيمة للإنسان فيها، ولهذا فإن المواطن يحتقرها، ويطلب سرا من الله ليلا نهارا التخلص من حكامها؛ فلماذا تؤيدها وتدافع عن حكامها انت وأمثالك من مشايخ الأمة ؟ ستقول لأنّك تؤمن بالوسطيّة وتحرص على مصالح الأمة؛ لكن بالله عليك أخبرني كيف تكون وسطيّا مع حكام يذبحون شعوبهم كالنعاج، ويبيعون أوطانهم لمن يشتري ؟ لا توجد وسطيّة في إحقاق الحق، والدين الإسلامي دين ثورة على الظلم ويرفض .. وسطيّتك .. التي تدعم اضطهاد العباد وبيع البلاد.

لقد أيّدت غزو العراق، لماذا ؟ هل الاسلام يبيح قتل الشعب العراقي ؟ وأيّدت تدمير سوريا وقتل شعبها وطلبت من الشباب المشاركة في تلك الحرب بقولك " على كل قادر على الجهاد والقتال التوجّه إلى سوريا للوقوف إلى جانب الشعب السوري المظلوم الذي يقتل منذ سنين على أيدي النظام، ويقتل حاليا على يد مليشيات ما أطلق عليه حزب الشيطان." نحن لا ندافع عن أي نظام عربي، لكن هل كان النظام السوري أسوأ من الأنظمة العربيّة التي تؤيّدها وتدعو لحكامها بطول العمر والتوفيق في قهر شعوبهم ؟ أليست جميعها أنظمة استبداديّة دكتاتوريّة أذلّت الشعوب ودمرت حاضرها ومستقبلها ؟

وعن غزو دول حلف الناتو لليبيا قلت " لو بعث محمد من جديد لوضع يده بيد الناتو"، ودعمت عاصفة الحزم التي حرقت اليمن وقتلت آلاف الأبرياء وشردت الملايين. رسول الله محمد ابن عبدالله عليه الصلاة والسلام قال " إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار قالوا : هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه." ما رأيك بقول الرسول ؟ هل قوله يدعم عاصفة الحزم وغزو الناتو لليبيا والاقتتال في سوريا ؟

وعن وجود القواعد الأجنبيّة في الدول العربية قلت في برنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة " أنا قلت .. شوف الاتفاقيّات التي وقعت قديما مع المنطقة تحترم، لأنها قامت بها حكومات، ولا نريد أن نشعل فتنة بين الشعوب والحكومات، مع حق الشعوب أن تنتقد هذه الاتفاقيّات، تنتقدها بالوسائل السلمية"؛ هذه القواعد العسكرية الأمريكية موجودة لحماية الحكّام، وخدمة مصالح أمريكا وإسرائيل، والمحافظة على النفط والغاز، والتصدي لإيران، وتفكيك المنطقة؛ فلماذا تريد من الشعوب العربية أن تحترمها ولا تتصدى لها ؟  

 كذلك يا شيخ أبديت أسفك على الوقت الذي أنفقته في العمل للتقارب بين الشيعة والسنة وقلت إنك اكتشفت أنه " لا أرضية مشتركة بين الجانبين لأن الإيرانيين خصوصا المحافظين منهم يريدون أكل أهل السنة." هل تعني أن هناك أرضيّة مشتركة بين 1700 مليون مسلم وأمريكا التي تعمل على تدمير المنطقة، ولا توجد أرضية مشتركة بين السنة والشيعة للعمل معا لحماية دينهم وأوطانهم من الأعداء ! هذا الموقف المتحيّز الذي تدعمه أنت ومشايخ السلاطين يتطابق مع موقف أمريكا وإسرائيل ضدّ إيران ويذكّرني بقول رسولنا صلى الله عليه وسلم " إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة." نعم، رسولنا يخاف على أمته من العلماء المنافقين من أمثالكم ! هل تستطيع أن تنكر هذا ؟

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فقد دعمت الانقسام بدلا من ان تستخدم نفوذك كأحد قادة حركة الإخوان المسلمين لحل الخلافات بين فتح وحماس وإنهائه؛ وما الذي فعلته أنت ومشايخ السلاطين  لنصرة القدس؟ لقد قدّمها ترامب هديّة لإسرائيل، وجعلها عاصمة للصهاينة ولم تفعلوا شيئا وكأن الأمر لا يعنيكم ! رجال الدين المسلمين الذين لا يحرّضون الأمة على الثورة والتحرك ضدّ الصهاينة وعنجهية ترامب واستخفافه بالمسلمين وأوطانهم .. هم أعداء لهذه الأمة .. وسيعاقبهم الله على مواقفهم الانهزامية المشينة .

 يا شيخ لقد دخلت قصور معظم الحكّام العرب، وإنك تعلم أنهم لا يعرفون شيئا عن العلم والثقافة، وغارقون في الموبقات، ولا يفتحون أبواب قصورهم إلا لعملائهم ومن يدعمون دولهم المتهالكة، فلا غرابة إذا في انهم أكرموك بسخاء وبالدولار، وقدّموا لك الجوائز والأوسمة لأنّك أيدتهم في ظلمهم لشعوبهم وأفتيت بما يريدون لتضليل الشعوب واسكاتها، وبنيت قصرا في الدوحة، واثريت حيث انك الآن تملك الملايين ولا علاقة لك بآلام الفقراء والمساكين ! لقد انكشفت اوراقك انت ومشايخ القصور والدولارات . انكم تعيشون مرفّهين في بيوت فاخرة، وعندكم خدم وحشم وسيارات فارهة وأموال طائلة، وتتنقلون بين الدول جوا في مقاعد الدرجة الأولى ! أليس كذلك ؟

أنا أنصحكم أن تتعلّموا الوقوف إلى جانب الشعوب ومساعدتها في الحصول على حريتها وإصلاح أوضاعها السياسية والاجتماعية من رجال الدين المسيحيين. قساوسة الفلبين شاركوا في ثورة عام 1986، وقتل بعضهم، وساعدوا شعبهم في إقامة نظام ديموقراطي عادل، وقساوسة جنوب إفريقيا ناضلوا مع الشعب للقضاء على النظام العنصري وانتصروا. وفي أمريكا اللاتينية نشأت حركة ما يعرف ب ( لاهوت التحرير )،  وناضل رجال الدين مع شعوبهم في البرازيل، والبيرو، وتشيلي، والسلفادور، والأرجنتين وغيرها من دول القارة من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على الفقر، واسقاط الأنظمة الدكتاتورية وإقامة دول قانون ديموقراطية تداولية تحترم الإنسان ونجحوا في تحقيق ذلك. فماذا عملتم أنتم ومنظّماتكم الإسلامية المسيّسة  للأمتين العربية والإسلامية غير التصريحات الجوفاء والكذب على الشعوب وتضليلها وتجهيلها وتخديرها ؟ 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز