د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
الوطن العربي المنكوب بين ظلم الحكّام ونفاق رجال الدين

 

انتشر الاسلام بسرعة هائلة في القرن الأول من الدعوة المحمديّة لأنه أعطى البدوي العربي كرامة وأمنا، والغى العصبيّة القبليّة والعادات والتقاليد الموروثة المثيرة للشقاق والعداء والحروب بين القبائل، وساوى بين شيخ القبيلة وراعي أغنامه، وجاء بأفكار جديدة لعبت دورا محوريا في تنظيم الأسرة والقضاء والميراث والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، ورغم أنه اعتبر نفسه الدين الوحيد الصحيح وأن النبي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، إلا أنه اعترف بالديانتين المسيحيّة واليهوديّة، وحمى أتباعهما وسمح لهم بممارسة عباداتهم وشعائرهم الدينية بحريّة.

 

تصرّف النبي محمد صلى الله عليه وسلّم ومن بعده الخلفاء بحكمة وبأسلوب إنساني رائع مع المواطنين جميعا، فأقاموا العدل بين الناس، وحموا الضعيف، وأطعموا الجائع، وحاربوا الظلم والطغيان، وساووا بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وكانوا مثالا للزهد فسكنوا في بيوت متواضعة، وشاركوا العامّة في أنماط حياتهم وأفراحهم وأحزانهم وحرصوا على حماية مصالحهم، لكنهم كانوا أشداء مع من ناصبوهم العداء، أو اعتدوا على أتباع دينهم.

 

وفي أقل من مائة عام، وخلال الحكم الأموي الذي استمر تسعين عاما، أصبحت الدولة الاسلاميّة أكبر امبراطورية في العالم ضمّت الجزيرة العربية بأكملها، وشمال افريقيا، وبلاد الشام، وأفغانستان، واسبانيا، وسيطرت على أهم ثلاثة مراكز للديانة المسيحيّة هي القدس، والاسكندرية، وأنطاكيا وبقي للمسيحيّة مركزين فقط من مراكزها الخمسة هما روما والقسطنطينية. ونتيجة لهذا التوسّع، وفي عام 750 ميلادية كان 50% من المسيحيين في العالم تحت حكم الدولة الاسلامية.

 

وخلال الحكم العباسي والعصر الاسلامي الذهبي الذي بدأ عام 692 واستمر حتى عام 945 ميلادية، كانت الدولة الاسلامية هي الأكثر تقدّما علما وثقافة على وجه الكرة الأرضيّة. فقد أسّس هارون الرشيد دار الحكمة في بداية القرن التاسع لتكون أعظم مؤسّسة علميّة في ذلك الوقت. وبعد الانتهاء من بنائها، بذلت الدولة كل جهد ممكن لاستقطاب العلماء والمفكّرين المسيحيين واليهود والمسلمين من جميع المناطق للعمل فيها، وقدّمت لهم التسهيلات اللازمة، وأكرمتهم وحمتهم وشجّعتهم على الانتاج العلمي، فترجموا كتب المعارف اليونانية والهندية والايرانية والصينية التي استفاد منها المسلمون في بناء حضارتهم، وساهموا في نقلها إلى أوروبا خلال سيطرتهم على إسبانيا.

 

احترام العلماء وحمايتهم، والحرية الدينية، والتسامح الديني والاجتماعي الذي ساد في الدولة الإسلامية خلال الثلاثمائة عام الأولى من عمرها خلق بيئة علميّة نادرة أدّت إلى تطوّر نوعي في العلم والثقافة، وإلى بروز كوكبة من العلماء الروّاد الذين نجحوا نجاحا مميّزا في تطوير المعرفة وساهموا في بناء الحضارة العالميّة من بينهم الكندي، وابن الهيثم، والخوارزمي، والرازي، وابن اسحق، وابن سينا، والبيروني، وابن رشد والقائمة تطول. ونتيجة للتقدم المعرفي الهائل الذي تحقّق في مجالات الطب، والهندسة والعمارة، والفلسفة، والأدب، والترجمة، والاختراع أصبحت بغداد كعبة العلم والثقافة التي يحجّ اليها كل طالب علم من أي زاوية من زوايا الكرة الارضية.

 

كان معظم علماء الدين في ذلك الوقت يركّزون جل اهتمامهم على دراساتهم الفقهيّة والبحثيّة، وتفسير القرآن الكريم والحديث، وتوضيح أركان الاسلام وتعاليمه للعامة، ولم يكن هناك تكفير للمسلم الآخر الذي يختلف مع الآخرين في الرأي، أو كذب على الشعوب باسم الدين، أو ظلم لأتباع الديانات الأخرى، أو تحالف بين الحاكم الظالم ورجال الدين، أو تبرير لجرائم الحاكم بالفتاوى الكاذبة الجاهزة، أو استخدام الدين كوسيلة للارتزاق والثراء.

 

وبعد أن تراجع اهتمام الدولة العباسية بتطبيق العدالة، وتخلّيها عن التسامح الديني وحماية أتباع الديانات الأخرى والمساواة بين المواطنين، ساءت أوضاع الولايات وبدأت الإمبراطورية الإسلامية بالانهيار، فازداد الصراع على السلطة والاقتتال الداخلي، وفسّر الدين كما أراد الحاكم، وظلمت الأقليات، وانفصلت معظم الولايات عن الدولة المركزية؛ ولهذا  تمكّن العثمانيّون في بداية القرن السادس عشر من السيطرة على القسطنطينية ومعظم الوطن العربي، واستمر احتلالهم له 500 عام نهبوا خلالها خيراته فافقروه، وحرموه من التعليم، ولم يهتموا بتطوير الزراعة والصناعة والثقافة.

 

ولأنهم كانوا يرتكزون في احتلالهم على الدين ويدّعون بأنهم يحكمون المسلمين لخير الإسلام ودولته، كان لا بد لهم ولحماية مصالحهم واستقرار أمنهم من ضمان تأييد شيوخ القبائل والعوائل المتنفذة بإعطائهم مناصب في الدولة، وإرضاء الطبقة الدينية والتعامل معها، وإطلاق يدها في الشؤون الدينية وذلك لتبرير الاحتلال والظلم العثماني دينيّا. ولهذا فإنهم تحالفوا مع الطبقة الدينية فعينوا مفتيا للدولة، وهيئة قضائية، ومنحوا مفتي الدولة صلاحيّات دينية واسعة ومكانة مرموقة، وكان يظهر دائما إلى جانب الخليفة في الاحتفالات الرسميّة والعامة.

 

وبعد انهيار الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وجلاء الدول الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية وحصول معظم الدول العربية على استقلالها، سيطرت العوائل التي خدمت الأتراك والدول الاستعمارية على الحكم، وأقامت ديكتاتوريات بأسماء مختلفة كممالك، وامارات، وسلطنات، وجمهوريات يحكم كل منها حاكم مطلق الصلاحيات تحالف مع الطبقة الدينية فزاد التسلط والبطش والطغيان والظلم.

 

في الوطن العربي ملايين الأئمة الذين وظّفتهم الدولة وحوّلتهم من رجال دين إلى موظّفين يأتمرون بأمر الحاكم، وحوّلوا المساجد في كل مدينة وبلدة وقرية من مراكز لعبادة الله وثقيف المسلمين وتوعيتهم وتعريفهم بحقوقهم السياسيّة وواجباتهم الدينيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة، إلى مراكز دعاية وإعلان " لولي الأمر" يدعون من منابرها إلى وجوب طاعته، ويبثون أفكاره، ويدافعون عن سوء إدارته وفساده هو وأسرته، ويبرّرون استبداده وتسلّطه ورضوخه لأعداء الأمّة، ويتغاضون عن بطشه وسجنه وإقصائه وفتله  للشرفاء من رجال السياسة والفكر والعلم والأدب، ويؤيّدون حمايته للقبليّة وإثارته للنعرات الطائفية والدينية التي تثير الأحقاد، وتسبّب النزاعات والانقسامات بين أبناء القطر الواحد، وبين الأقطار العربية ككل.

 

التحالف القائم بين رجال الدين والحكّام العرب خلط الأوراق وكان وما زال من العوامل الرئيسيّة التي أوصلتنا إلى هذا الوضع المأساوي الذي نعاني منه جميعا لأنّه حلّل الحرام وحرّم الحلال، وضلّل العباد، وكمّم الأفواه، وعلّم الناس الذلّ والكذب والنفاق، وأدمى ودمّر وقسّم البلاد.

 ونحن كمواطنين عرب نسأل! أليس عيبا عليكم يا شيوخ الأمّة أن تبيعوا ضمائركم وأخلاقكم لحكّام طغاة دمّروا البلاد، وأذلوا العباد، وخانوا إرادة الله سبحانه وتعالى، وجعلوا الأمة العربية اضحوكة للعالم أجمع؟ ألم يلعن الإسلام النفاق والمنافقين، والظلم والظالمين، والسرقة والسارقين، والكذب والكذابين، وتجار الدين؟ ولأنكم لم تتفوّهوا بكلمة حق في وجه الحاكم الجائر، ينطبق عليكم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم " الساكت عن الحق شيطان أخرس."

 

 

 

 

 

 

  

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز