مريم الحسن
seccar4@wanadoo.fr
Blog Contributor since:
16 October 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
أبو علي

يقال ان الفنان زياد الرحباني حين كتب إبان الحرب اللبنانية قطعته الموسيقية"ابو علي" استلهم نوتتها من حادثة استشهاد رفيق له في الحزب الشيوعي اللبناني كان يُلقب "بأبو علي" ...بعدها بسنوات , في صغري, و في زمن الحرب اللبنانية كنت كلما سمعت المذياع يحن علينا بها و أنا أشاهد من حولي الحرائق و الدمار و كم الأحزاب و الأسلحة بحامليها و بشعاراتهم المتنقلة معهم في الشوارع و في الحواري و على الجدران , كان يتهيأ لي ان النداء على "ابو علي" هو نداء على شخصية البطل المخلّص المفقود و الغير موجود في واقعنا اللبناني أو حتى في عالمنا و أن زياد الرحباني "الموسيقي" يحاول استحضاره عبر موسيقاه ليقول له "وينك" نحن بحاجة لك "تعى و خلّصنا من هالجحيم اللي علقانين نحن كلنا فيه هون »

كان هذا في زمن الحرب اللبنانية... و لا أدري لماذا يهاجمني الحنين لسماعها هذه الإيام, و لماذا لا أمل من الإستماع إليها, فكلما انتهت أجدني أعيد تشغيلها لأسمعها دون كلل أو ملل , ربما لأن الموسيقى لغة روحية كونية حرة و محرك وجداني فطري لرواكد الفكر, أو ربما لأنها (هذه الموسيقى بالذات) خلفية ملائمة تطرح بأنغامها و إيقاعها و بمقاطعها و بتوزيعها كماً هائلاً من الأسئلة التي لا أجوبة لها, أو ربما لأن الأثر الذي يتركه تفاعلي الوجداني معها يرسم في خيالي سيناريوهات درامية عديدة أغلبها هزلي ساخر يمزج الحزن بالإبتسام و الأمل بالأحباط و الغضب بالسخرية الهازئة جداً حد الضحك و البكاء معاً, في آن واحد و في خلطة واحدة ,ليتشكل منها لوحة مسرحية بانورامية هزلية تتناسب بانسياب مدهش مع مشهدية واقنا العربي الحالي بكل عبثيته اللا مفهومة و جنونه المحموم و الدامي (منذ اكذوبة الأستقلال و سايكس ـ بيكو إلى يومنا هذا) و المنبئ بأن واقعنا هذا الذي نحن فيه بات لا يملك باباً للخروج منه, و بأن عقدته باتت عصية على الحلحلة إلا بمعجزة ربّانية, و بأنه هو نفسه الجحيم الذي اندلع في لبنان مرة و بعده في العراق و بعدها في سورية متنكراً مرة بثوب حربٍ اهلية في لبنان أنجبت الأنموذج الأضحوكة لما يمكن أن يُسمى نظام الدول العربية لمرحلة ما بعد اقتتال ابنائها , و مرة بثوب غزوٍ أميركي للعراق خلّف دولة متوحشة أكلت من وطننا الأخضر و اليابس و دمّرت إنسانه بآثاره و تاريخه و ميراثه, و مرة بثوب "ثورة إستحمار" في سوريا صدمت المجتمع الإنساني (و فقط الإنساني) بعظيم وحشيتها و كثرة نفاقها و كذبها, و لوّثت المواطن العربي, الحالي و المستقبلي, في روحه فنهشتها و امتصتها حتى جوّفته منها و عرّته من انتمائه فغدا كالـ "زومبي" الذي يتحرك متوحشاً أخلاقياً ومخدراً فكرياً ومفرّغاً من روحٍ تربطه بهوية و من هوية تربطه بقومية.

ما زال احساسي بها (أي موسيقى "أبو علي") و تفاعلي معها هو هو لم يتبدل, كما كان حين كنت اسمعها في ثمانينات و تسعينات القرن الماضي, زمن الحرب الأهلية اللبنانية و ما بعدها. فجنون الحرب و عبثيتها اللا مفهومة لم يتبدلا , و الإنقسام الحاصل دائماً و أبداً بسببها هو نفسه لم يتبدل, فالمشهد هو نفسه : معسكر خائن و معسكر وطني , معسكر تابع للخارج و معسكر مقاوم له , لكن نداء "ابو علي" في الموسيقى تبدل لم يعد هو نفسه. لم يعد كما كان في الماضي نداءً على شخصٍ مفقود أو على بطلٍ مطلوب ليخلصنا جميعاً من جحيم حروبٍ ما ملت و لا كلّت على مدى سنوات من أكل خيرة شبابنا و امتصاص أرواحنا و إفساد أدمغتنا و إتلاف خيالاتها بإجبارنا و بالقوة على تغذية ذاكرتها بصور و مشاهد مقززة, كانت ستنفّرنا منها و كنا سنسارع إلى تجنبها تحاشياً لتلوث أرواحنا و أدمغتنا بها لو صدف و مرت بأي فيلم هولوودي مرعب.

لم يعد نداء أبو علي كما كان في الماضي نداءً على البطل المخلص ذلك أن الأبطال اليوم بيننا كثر , و هم منذ سنين يعملون ليل نهار و ما تركوا الميدان لحظة, و هم ينزفون دماءهم بسخاء و يستشهدون كل يوم ليخلصونا من جحيم عدوان الصهيونية على وطننا و "مش مقصرين" لا بل على العكس نحن المقصرون في شكرهم و خجلون منهم و من تضحياتهم و موقنون بانتصارهم و ثقتنا بهم تزداد يوماً بعد يوم لأنهم ما عوّدونا إلا على الثبات و على الصمود و على الانتصار و هم سينتصرون حتماً في معركهم الميدانية على جبهات القتال, هذا يقين لا شك فيه أبداً ... لكن "ابو علي" رغم هذا اليقين بالأنتصار و رغم هذا الكم من الابطال تبدل … لم يعد هو نفسه أبو علي.

تحول نداء "يا أبو علي" إلى نداء على بطل آخر من نوع آخر ليس من لحم و دم. صار نداءً على قيم باتت ربما نادرة أو شبه مفقودة في بيئتنا. صار أبو علي تجسيداً لقيم اختفت أو اندثرت في وطننا العربي و ربما أيضاً في العالم كله , هذا ما بدأت الاحظه, فالعدوى يبدو أنها انتشرت مع العولمة و باتت غير معنية لا بالحدود الجغرافية و لا بالحدود الثقافية. صار ابو علي هو الوعي و الأخلاق و الضمير و الإنتماء الوطني الصادق و أيضاً الإنساني الفطري, قيم لا يمكن بيعها و لا شرائها و غير مطروحة في سوق العرض و الطلب و لمن يدفع فيها أكثر. قيم عصية على الإستلاب الفكري و على الإختطاف الإعلامي و على السرقة أو الإستثمار السياسي. تحول أبو علي ليجسد الإحساس بالمسؤولية و الشعور الصادق المخلص الواعي بأننا كلنا موجودون في مركب واحد, فإذا غرق مركبنا غرقنا معاً و إذا طاف مركبا طفنا معاً و إذا تقدم أيضاً تقدمنا معاً لأننا جميعنا نحمل نفس الهوية... فبالنهاية كلنا عرب, و من سيغرق حقيقةً إذا غرق مركبنا هذا هي هذه الهوية بإنسانها و بحضارتها بكل تاريخها (الجيد منه و السيء) و سيغرق معها أيضاً أي أمل لأمتنا بمستقبل واعد او بنهوض ممكن (و كذلك هو الأمر بالنسبة للهويتَين الإسلامية و الإنسانية)

هويتنا العربية هذه, لا يمكن الفكاك منها أو التخلص من انتمائنا إليها , فهي ليست ثوباً ننزعه عن أجسادنا أذا اهترأ أو اتسخ لنستبدله بثوب آخر جديد, هذه الهوية هي جلدتنا لأنها لغتنا التي نتجلى بها و عبرها ثقافياً و انتاجياً و حتى جينياً أمام الأمم الأخرى أي إخوتنا في الهوية الإنسانية, فأي عاقل بيننا سيرغب بسلخ جلدته ليتخلص من قرابته مع عربي آخر مثله خالفه في الراي أو في المعتقد أو في الفكر إلا إذا كان مجنون فاقد للأهلية الوطنية و للمسؤولية القومية و متنكراً لتاريخه و حاضره و هارباً من مسؤوليته في بناء غدٍ أفضل لأبناء الغد في أمته, أي إلا إذا كان خائن و فاقد للكرامة و دنيء و وقح لدرجة أنه مستعد للقبول بأي جلد أخر يغطي عري لحمه بعد أن سلخ بيده جلدته التي وُلد بها و تشرب قيمها و عاداتها مع هواء نشأته و موسيقى لغة أمه أو أبيه . جلدة الهوية القومية لا يغطيها إلا جلدة أوسع منها هي الجلدة الإنسانية, لكن أين هو عالمنا المتوحش اليوم من قيم الإنسانية و حقوق الإنسان؟ (و أرجوكم لا يقول لي أحدكم أن الحرية و الإنسانية و العدالة إجتماعية موجودون في دول الغرب... أنا جرّبتها و شفتها و عرفت انها غير موجودة و إذا وُجدت فهي أيضاً مغشوشة و مستلبة و موجهة حسب السياسة الصهيونية و مصالحها و ضد اعدائها يعني نحن و شعوب الدول الغربية معنا كونهم مستلبين مثلنا اعلامياً و موجهين حسب رغبة حكامهم و حالهم مثل حالنا بالظبط , فبلا ما نكذب على بعض... و خلونا واقعيين الله يهديكم)

أينما توجهنا في هذا العالم و أية هوية حملنا إلى جانب هويتنا العربية سنظل عرباً, و الآخر الغير العربي في أي مكان آخر من هذا العالم سيظل يرانا عرباً لأنه لا يريد أن يرانا مثله و غير قادر على التخلي لا عن عنصريته و لا عن فوقيته المستنفرتَين إعلامياً و بالقوة, و لاتستسيغه فكرة أن نكون له أخوة في الإنسانية, و إذا كان هذا الأمر ممكناً أو محتملاً من قبل, فهو اليوم, و من بعد فضيحة الربيع العربي لم يعد ممكناً لا بل غدا مستحيلاً. فأنى توجهنا في بلاده سيشير علينا بنظراته بأننا لسنا أخوته في المواطنة, حتى لو أثبتنا له العكس و بوثيقة رسمية, لأن ملامحنا و لوننا يقولون غير ذلك, و حتى لو أثبتت سلوكياتنا عكس اعتقاده أو تبنّت أخلاقنا أخلاقه و عاداتنا عاداته فملامحنا و لون جلدتنا سيصرّون على المجاهرة بهويتنا الحقيقية و سيصرخون في وجهه بأننا عرب و حينها سينفث هو احتقاره في وجوهنا ليذكّرنا بأنا لسنا منه و لن يقبلنا, و إن قبلنا فلأنه مرغم على ذلك بحكم قانون أجبره على الاعتراف بوثيقة تحملها أيدينا و لا يحملها عرقنا , لتلتهب بعدها كرامتنا في دواخلنا رداً على سلوكه و استهجاناً و احتجاجاً منها على عنصريته لتصرخ هي أيضاً فيه و فينا و بغضب لتذكّرنا بأننا عرب

فأين المهرب من هويتنا و هي ملتصقة بنا و نحن ملتصقون بها و سنظل هكذا ملتصقين نحن بها و هي بنا لأجيال من الأحفاد سيمتدون بنا و تنتشر هي بهم لأجيالٍ بعد جيلنا هذا ؟
و إذا كان الأمر كذلك, و هو واقعنا و لا فرار منه , فلماذا نتجنى هكذا على هويتنا؟ لماذا ندمرها و ندمر معها كينونتنا و إمكانية قيامنا من كبوتنا و غفلتنا ؟ لماذا ندمر وطنها و إنسانها بدل النهوض به و بها؟ ما الذي فُقد فينا و خسرناه حتى وصلنا إلى هذه المرحلة من التدمير للذات؟ 

الجواب على هذه الأسئلة ربما يلزمه متختصصون في علم النفس و في علم الاجتماع, ليدرسوا حالتنا العربية و ليقيموها و ليعطوننا أجوبة شافية عن سبب هذا المرض الإبتلاء إلذي ضرب وعي إنساننا العربي و أوصل المواطنة فيه إلى ما وصلت إليه ...لكن بشرط ضروري و واجب حتى يستطيعوا اقناعنا جميعاً و لمرة واحدة بنتائج دراساتهم و تحليلاتهم و نظرياتهم ... بأن يكونوا من اللذين لا تُباع ضمائرهم و لا تُشترى , و بأن يكونوا موضوعيين و غير اصطفافيين, أي غير متمذهبين و لا طائفيين , و غير محسوبين على أي فريق سياسي او حزبي, و غير مصطفين مع اي فرقة من الفرق المتخاصمة و المتحاربة اليوم (و هذا طبعاً شرط مستحيل) ... فعلاً كم هو هزلي حالنا, مضحك و مبكي في آن. أصبح الواقع العربي برمته شبيهاً بالحالة اللبنانية... أذكر أن إبّان الغزو الإمريكي للعراق, كنّا نسمع في الإعلام من بعض المحللين السياسيين عن خشيتهم من محاولاتٍ للبننة العراق ... و بعدها صرنا نسمع منهم عن قلق من محاولات لعرقنة سوريا او للبننتها ... اليوم صار العالم العربي كله ملبنن (من لبنان) و معرقن(من العراق)

المشكلة ليست فقط في الوعي... لأن المصطفين اليوم في انقساماتهم واعون و عارفون و مدركون و الكل يرى و يسمع و يشاهد و يحلل و الكل أخذ قراره الإصطفافي بعد اقتناع و هو مخلص لاصطفافه و لقراره و مصرّ عليه و إلا لكانت الاصطفافات تغيرت منذ بداية سنوات العدوان على سوريا إلى يومنا هذا ... لكن إلى حد اليوم لم يتغير شيء, لا في المشهد العربي المستمر في إنحطاطه و لا في الإنقسامات الحاصلة فيه, و إن ظهر أي تغيّر طفيف في الأصطفافات فهو عرضي و شكلي و غير دائم و متزعزع و سيعود لسيرته الأولى عند أول فتنة أو غزوة جدبدة... (اللي بدو يفهم كان فهم بعد كل الصور و الوثائق التي عُرضت و شاهدها و بعد الدم الذي سُفك بسلاح الكذب و التوحش و بعد كل الحروب التي مررنا بها) . كل من اصطف في أول الحرب على سوريا مع فريق ما زال متمسكاً باصطفافه و ملتصقاً به و ليس لديه أية نية لتغيير موقفه مهما شرح له الآخر و بيّن له أسبابه و حاول أقناعه و إن تغير موقفه قليلاً فهذا يعود إما لهزيمته ميدانياً أو لتبدل موازين القوة السياسية لصالح الجبهة المضادة ... فالكل مقتنع و عن وعي بهذا الاقتناع و هو ليس مستلب كما كان يظن فريق منا.... و هذا إن دل على شيء فهو يدل على ان المشكلة ليست في الوعي لا بل في مكان آخر, المشكلة في منظومة تسبق منظومة الوعي عادةً , في منظومة إن زُكيّت انبثق منها وعي جيد و واعد و ثوري و مصقول و محمي, المشلكة على ما يبدو تكمن في الأخلاق. هي الأخلاق التي تبين أنها "مضروبة" و "مغشوشة" في مجتمعنا العربي .... أما لماذا تبيّن أنها مغشوشة؟ فهذا له حديث آخر له علاقة بمربي هذه الأخلاق الذي هو الدين, فأين تكمن المشكلة في الدين؟.

بلداننا العربية من أكثر بلدان العالم تديناً , و الحضور الديني فيها طاغٍ و ظاهر أكثر من أي وطن آخر , و الأديان فيها متنوعة و من كل الطوائف و المذاهب , و نحن من اكثر الناس مواظبة على ممارسة طقوسها الدينية, لكن رغم ذلك ضُربت الأخلاق فينا, حتى توحش أغلبنا, و صار كره الآخر و البغضاء فينا عادة , و عدم الرحمة و الشماتة به مفخرة, و قتله او نحره او حرقه او حتى أكله حسنة عند البعض تورد صاحبها الجنان و ترميه مباشرة في أحضان الحور العين, إسألوا المحيسني و الجولاني و القرضاوي و ثوار سوريا و كل داعميهم من معارضين سياسيين و نخب ثقافية و علمية و فنية و اعلامية, و أيضاً استفتوا كتب الدين و الإصحاحات المنتشرة في أغلب دور العبادة في الدول العربية و الأهم ...اسألوا عنها الأزهر ذاك الصرح المعتدل الذي كان, فحسب ما ظهر تبين انه هو أيضاً خبير بها و يقرّها و يدرسها في مناهجه ... فإذا وصلت أخلاق و سلوك أغلبنا إلى هذا المستوى من التوحش و عدم الرحمة و التطرف الديني اللا انساني, و قَبِل قسمٌ كبير من نخبنا الثقافية و السياسية و الاعلامية و الفنية (العلمانيون منهم و المتدينون من كل الطوائف) بهذا السلوك لأنه يخدم أهدافهم السياسية او مصالحهم المهنية , و قَبِل بها معهم قسمٌ كبير من امتنا ممن يتابعونهم و يثقون بمواقفهم و يستمعون إلى نصائحهم من دون أن يرف جفن فطرتهم الإنسانية و من دون حتى أن تستيقظ لمجرد الإستنكار العرضي طالما انها تصب في خدمة اصطفافتهم و أهدافهم السياسية و ضررها يلحق فقط بأخصامهم السياسيين فهذا يعني ان البضاعة التي تربت اخلاقهم عليها كانت مغشوشة و أن أغلب أمتنا لم تكن تمارس طقوسها الدينية لتربي أخلاقها بل كانت تمارسها لتتمذهب و لتتمطيف, و لتتمايز عن الأخر العربي الذي يشاركها نفس الهوية, و كانت تقصد دور عبادتها فقط لتتمترس فيها ضده , و لتستقوي بقبيلتها الدينية عليه بدل ان تتوحد معه على شراكة الإنتماء لهوية الوطن الأولى أي الوطن العربي و الدفاع عنه و عن قضاياه 

حتى يجري ما جرى على بلد علماني و مدني و معتدل مثل سوريا و يصل التطرف الديني لدى قسم مهم و لا بأس به من ابنائه إلى هذا المستوى من الحضيض اللا أخلاقي و مثله ايضاً في العراق و مثله ايضاً في لبنان و مثله أيضاً في مصر و مثله أيضاً في تونس و مثله أيضاً في الجزائز و في المغرب و ليبيا و في كل الوطن العربي و حتى في فلسطين الضحية فهذا يعني أن المشكلة تكمن في المربي, فلو لم يكن المربي ضعيفاً لما وصل بهم من ربّاهم إلى هذه المرحلة من التدني الأخلاقي , و لو ان المربي قوي لما استطاع الأعداء اختراقه لإضعافه, و لما وجدوا فيه ثغرات يخترقونه عبرها ليدمروا به أخلاق من يتدينون به و يتربون على تعاليمه... الدين الإسلامي إبن الوطن العربي و مربي أغلب أبنائه بات ضعيفاً و ضعفه بات سلاح يُستغل لتضرب به الأمة العربية كلها دون استثناء بكل طوائفها الدينية و المذهبية و أديانها. الأمة العربية تُضرب اليوم به في أخلاقها و حين تُضرب الأمم في أخلاقها تنتهي و تسقط و لا يقوم لها قائمة. أن يحتفط قله قليلة منا بصحيح دينهم و إسلامهم و برُقِي أخلاقهم فهذا استثناء و ليس القاعدة و هو وضع غير سليم, القاعدة هي ان يصح دين و إسلام أغلبنا و أن ترتقي اخلاقهم حتى يستقيم حالنا فتستقيم بذلك اخلاق امتنا العربية و بالتالي تقوى شوكتنا و منعتنا و يهابنا أعداؤنا و يرتدعون عن غزونا الذي ما انقطع عنا منذ ان تفرق إبن المنطقة العربية الأكبر أي "الإسلام" إلى شيع و مذاهب و فرق و طوائف

الإسلام بحاجة إلى إصلاح و ترميم و إعادة نظر في تاريخه و مراجعته و تعريفه و تفسيره بمنطق حديث و بقراءة عصرية و بعقل متطور و منفتح , نحن بحاجة ماسة لفصله عن ماضيه المريض ,البعيد منه و القريب , حتى يُشفى من علله و تُسَد ثغراته التي تسلل منها أعداؤنا و هزمونا عبرها في ساحات أخلاقنا و إيماننا و في عقر دارنا, و ما زلنا نرِدُّ أسباب ضعفنا إلى المؤامرات علينا, من الطبيعي ان يتآمر أعداؤنا علينا و أن تحاك لنا المكائد لكن الغير الطبيعي هو عدم سعينا إلى حمايتنا بتقوية جدار قلعتنا و تحديثها . لا نستطيع أن نعيش في إسلام الحاضر بعقلية إسلام الماضي و تفسيرات و تعريفات عقول أهل الماضي له, من عاشوا في الماضي لا يمتلكون وعي و تقدم و تطور عقول اهل الحاضر مهما كان تقديرنا لهم عالٍ و مقدس, بمعنى انهم كانوا أقل تطوراً و وعياً منا و بالتالي اقل ذكاء منا فكيف لنا نحن أبناء الحاضر في عصر التكنولوجيا و التقدم العلمي و المعرفي و العولمة الانفتاح ان نعيش بعقليتهم و بتفسيراتها لأهم دستور أخلاقي يحكم و ينظم حياتنا اليومية و يؤثر في علاقاتنا الأخوية و في تواصلنا و تنافسنا مع باقي الأمم من حولنا ؟

مشكلتنا كأمة لا تكمن ربما بتشخيص علة انحطاطها فالعلة باتت معروفة و مشخصة من قبل اغلبنا و منذ زمن , المشكلة تكمن في اقناع رجال الدين بهذا التشخيص و بإقناعهم بأن الدين ليس مهنة لاكتساب العيش أو للشهرة أو لتوظيفه في خدمة من يدفع أكثر, و التفقه فيه لا يعني التثقف فيه بثقافة و عقلية الماضي , و بأنهم ليسوا صلة الوصل بيننا و بين فقهاء الماضي و لا التدين هو ربط عقل المعاصر بذهنية العقل الغابر. القرآن و الرسالة المحمدية أرسلوا للعالمين أي لكل المجتمعات في كل العصور فلا يجوز أن يتحكم ذكاء الماضي الناقص بذكاء الحاضر المتطور او بذكاء الغد المتقدم بحجة المحافظة على الدين عبر التشبث بإرث من أحاديث و روايات و أعراف و عادات و قيم و تقاليد كانت مقبولة في مجتمعات سابقة لم يعد من الممكن القبول بها في مجتمعاتنا المعاصرة و لم يعد بأمكان الذكاء المعاصر أن يطيقها أو يتقبلها

إصلاح الإسلام لا يضعفه بل يقويه و اخراجه من الماضي لا يقلل من هيبته و هيبة المخلصين له ممن عاصروه و شهدوا معجزة نزوله و لا يقلل من شأن سيرتهم و لا من عظيم انجازاتهم و تضحياتهم في سبيل نشره و إيصاله إلينا بصيغته الحالية. المطلوب اصلاح الإسلام بإعادة قراءة و تفسير القرآن بذهنية الحاضر و بذكاء العقل المعاصر و توحيد الفرق الإسلامية, ليغدو الإسلام فرقة واحدة و الدين دين واحد بتعاليم و قيم و طقوس موحدة, حتى تتماثل أخلاق من يمارسونها و يتوحد وعيهم بشكل ظاهر و باطن و منتج, و هذا لن يتم إلا بلقاء المعتدلين في الإسلام من كل الطوائف و لن ينجح إلا بالتنازلات المتبادلة و بالتسويات التي لن ترى النور إلا إذا أهملت الروايات و القراءات القرآنية الماضية و التفسيرات السابقة لها و أعيد خلقها من جديد بذهنية و عقلية معاصرة نظيفة منها

أن يقال للسنة اليوم أن تعالوا و صيروا شيعة (بقبول تفسيراتهم للإسلام و للقرآن) و أن سيروا خلفهم بحجة أن الشيعة متقدمين اليوم علمياً أكثر من السنة , أو ان يقال للشيعة تعالوا و صيروا سنة (بقبول إصحاحات كتب السنة و تفسيراتهم للدين) أو سيروا خلفهم لأن السنة اليوم أكثر منكم عدداً و أقوى منكم اتساعاً و نفوذاً جغرافياً, أو ان يقال للإثنين معاً تعالوا و تعايشوا مع بعض كما كنتم قبل الفتنة التي ضربت وطننا و فرقت اخوّتنا و اضعفت أمتنا و أسالت دمنا فيما بيننا و حولت أطفالنا إلى مشاريع قنابل موقوتة مستقبلية ستنفجر حتماً مرة أخرى في يومٍ ما في فتنة مماثلة, هذا وضع اصبح من الماضي و لم يعد مقبولاً من عقلاء و متنوري و مثقفي و متعلمي أمتنا المعتدلين و الخلوقين

لقد مللنا و اكتفينا من التفرق و التعصب و التمذهب و قتلنا التطرف و أرهق ارواحنا و قيد عقولنا و بتنا على يقين ان هذا المرض لن نشفى منه و لن نتخلص منه و من بلائه و ويلاته و من هجماته المتكررة علينا إلا بالوحدة الإسلامية المُهيئة بالتالي للوحدة العربية التي لن ترى النور إلا إذا رأت الوحدة الإسلامية النور قبلها. و الوحدة الإسلامية لن نشهد ولادتها عبر مؤتمرات التقارب الشكلية و الإجتماعات الدورية الأعلامية التي تجمع من تجمع من دون اي نية صادقة و فعلية للتوحد و إلا لكنا رأينا الوحدة منذ أمد و لما كنّا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. الوحدة العربية و قبلها الوحدة الإسلامية لن تحصلا من دون تضحيات تتجلى بالتنازل من كل الأطراف, و من دون تسويات جدية فعلية و ظاهرة و مُبِينة و ممارسات طقوسية موحدة و دار إفتاء عربي إسلامي موحد (يعني مجلس شورى إسلامي عربي يضم إلى جانب رجال الدين علماء عرب من مختلف الإختصاصات في مجالات العلوم الإنسانية و الفلكية و الطبيعية و القانونية) و هذا طبعاً بعد النبذ العلني للمذاهب التكفيرية المنافقة و إخراجها من خانة الإسلام القرآني ببيان رسمي جامع مهما قوي نفوذ اصحابها المالي أو كثر أتباعهم و وسع أنتشارهم

لن يصطلح حال الأمة العربية من دون اصلاح الأمة الإسلامية و لن يصطلح حال الأمة الإسلامية و تتوحد فرقها في فرقة واحدة كما كان حالها زمن النبي من دون اصلاح حال الأمة العربية. هاتان الأمتان مرتبطتان منذ وجودهما و منذ أول رسالة سماوية عرفتها الأرض العربية, الأمة العربية و الارض العربية هما حضن و وطن كل الرسالات السماوية دون استثناء, أي مهد القيم الإنسانية و دين الله الأوحد, فحتى لو تمددت الأمة الإسلامية و اتسعت ديموغرافيتها و امتدت إلى جغرافيات بعيدة عن موطنها الأم ستظل الأرض العربية و الامة العربية بمثابة القلب و الرأس لها, لهذا السبب لن يصطلح حال واحدتهما من دون إصلاح حال الاخرى

قد يبدو هذا الطرح الإصلاحي ربما غير واقعي او غير قابل للتطبيق خاصة بعد أن قست جلدة المذهبية و الطائفية و التعصب فوق لحم و عضم أخلاق الدين الصحيحة و غلُظت على حساب جلدة الهوية العربية و غلبت قيمها قيم الأخلاق الإسلامية القرآنية الأصيلة, لكنه أيضاً طرح غير مستحيل التطبيق هذا إذا ما وُجدت النواية المخلصة الصادقة لتطبيقه خاصة بعد أن شهد الجميع و بأم العين و لمس بالدليل الفاضح مستوى الإتحطاط الذي وصلنا إليه بعد أن تفرقت أمة الإسلام إلى شيع و أحزاب و بتنا كما وصفنا الله في قرآنه كل حزب بما لديهم فرحون نظن أننا نعمل صالحاً بكثرة التعبد و المواظبة على طقوسنا الدينية و أننا نصنع حسناً بالتعايش و بتجاهل قبح تفرقنا بينما نحن في الحقيقة عين من أتى فيهم قوله سبحانه و تعالى "الأخسرون عملاً ».

قد تكون ربما العملية الإصلاحية صعبة و قاسية و طويلة العلاج خاصة انها تستوجب سلخ جلدة المذهب بتاريخه و بطقوسه و بذاكرته لصالح الإندماج و التوحد و تقوية منعة الجسد الواحد القوي و السليم و المرهوب الجانب لكن على الرغم من صعوبتها و قسوة تطبيقها تظل الحل الأسلم و المخرج الأوحد و الأسرع المتاح للخروج بأمتنا و بمستقبل أبنائنا من نفق التيه و الظلام و التأخر إلى نور النهضة و التقدم و التحضر, و ايضاً للوصول بهم إلى قوة و منعة تؤهلهم بأسرع وقت ممكن لخوض ميادين التنافس مع باقي أمم العالم هذا إن سالمونا, و لردعهم عن استعمارنا و استغلالنا و سرقتنا و قتلنا... إن حاربونا أو كادوا لنا.

فحتى لو زالت إسرائيل من الوجود و هي حتماً زائلة و قريباً ان شاء الله, و حتى لو تحولت الأنظمة الرجعية في أمتنا إلى أنظمة مدنية أو إسلامية معتدلة او علمانية, و حتى لو حررنا مقدراتنا و ثرواتنا الطبيعية من تسلط عملاء الغرب عليها, هل سننجح بصد أعدائنا عن كيد المكائد لنا و عن التأمر علينا إلا إذا بتنا أقوياء مثلهم و نهضنا و توحدنا كما نهضوا و توحدوا هم قبلنا؟ لكن كيف نجحوا هم بالنهضة و بالتوحد و فشلنا نحن؟ هذا هو السؤال الذي علينا ربما طرحه و تكراره حتى نكتشف الإجابة و ننهض علمياً بعد كبوة السقوط في التأخر و الرجعية و نرتقي إنسانياً بعد انحطاط القيم و الأخلاق في مجتمعنا.

المجتمعات الغربية لم تنهض و لم ترتقي إلا بعد أن وحّدت قيمِها فتوحد بذلك وعي و اخلاق افرادها فتشابهوا و التقوا و اتحدوا و التفتوا عن التقاتل فيما بينهم إلى التنافس و التسابق على تطوير العلوم حتى قووا و نهضوا و تقدموا بينما تأخرنا نحن في تيه التشرذم بعد أن تمترس كل حزب فينا محارباً الحزب الآخر, و تموضع خلف قيم قبيلته المذهبية ليستقوي بها على حزب العربي الآخر في حرب الأفضلية و الأحقية و التخندق في التاريخ و أعراف الأولين بدل الإتحاد و التراصص خلف قيم القرآن و وصية الله فينا بأن نطلب العلم و بأن لا نتفرق حتى لا يضعف مُنقذنا فينهدم بنيان قوتنا بتشرذمنا و يتحطم جسر تقدمنا بتقاتلنا فنخسر بذلك فرصة عبورنا إلى ضفة الإرتقاء و التقدم و التصدر الحضاري حيث كانت تنتظرنا العلوم لنيلها, لكننا للأسف نسيناها و خذلنا منقذنا و أنفسنا.

لقد هدمنا بنيان تراصصنا فتفرقنا, و دمرنا جسر العبور إلى ضفة العلوم بتشبثنا بضفة أعراف و أخبار الأولين فجهلنا, و ألهانا التحازب و التقاتل عما أمرنا الله به فضعفنا, و تبنينا مبدأ القوة في التكاثر و العنف في الإنتشار فخسرنا, و استبدلنا حريتنا بذُل الخضوع للسلطان و نسل السلطان ففسدنا, و مجّدنا أقوال كتبة دينه المنتفعين من استكباره و بسط نفوذه بدل اتباع قيم و تعاليم و وصايا الله في القرآن فضللنا, و نسينا أن الدين هو فقط كلام الله في القرآن حتى غضب الله علينا و كما خذلناه و تركناه أمهلنا هو في غيِّنا نعمَهُ حتى شططنا و سقطنا و بتنا أدنى الأمم فاستُعمرنا.

قد يقول البعض ان الغرب تقدم بعد إقصائه للدين عن حركة النهضة الفكرية و تطوير العملية الإجتماعية و إخراجه من الحياة السياسية كما كتبوا هم في تاريخهم. صحيح ان ظاهر نهضتهم بدت كذلك و بأن العلمانية هي التي تصدرت الصورة و جعلوا منها القائد لنهضتهم لكن الحقيقة المخفية في خلفية الصورة و التي لم يظهّرها تاريخهم هي انهم استلهموا قيم نهضتهم هذه و نظام علمانيتهم (بعد أن حرفوها طبعاً لتتناسب مع تجربة مجتمعاتهم ) من الدين و ليس من أي نبعة له, استلهموها من نبعة الإسلام و دين و وصايا الله في القرآن, هذا الذي اضعفناه نحن و خذلناه حتى ملّ منا فخذلنا.

النهضة الغربية بدأت مع أفكار المتنورين و هؤلاء المتنورين لم يتنوروا إلا بعد أن قرأوا و اتطلعوا و عرفوا كتابات المفكرين الإسلاميين الأحرار فرأوا فيها نوراً حرمهم منه القيمون على مجتمعاتهم فعرفوا قيم التفكر و الحرية و المعرفة و قيمة العلم و ضرورة طلبه و نشره و قيم العدالة و الأخلاق المخزونة كلها في القرآن بسننه و قوانينه و وصاياه و بمعاجزه الربانية الصحيحة الغير مزيفة بصحيح هنا و برواية هناك, ففطنوا إلى أن درب الحرية يمر بالأخلاق و منها يُبنى صرح العدالة الإجتماعية و بها تُحصن حرية الفرد و شراكته في المجتمع و في المجتمع الحر تُحصن الفكرة الحرة ليتشكل لها اجنحة فتتحول إلى طائر معرفة ناطق لا يستطيع أحد منع طيرانه أو لجم صدحه عن نشر عذب المعرفة و اعاجيب العلم و أسرار الحرية أينما حط او حل.

هكذا نهض الغرب, وهكذا طوّروا شرعة حقوق الإنسان التي وحّدت قيمهم و اخلاقهم و أنهضت مجتمعاتهم و نقلتهم من حال إلى حال ابتداءً من فكرة متنورة أضاؤوها من شمعة أنارتها أفكار حررتها من أغلالها و ظبطت إيقاع أخلاقها و جموح شيطان جنونها وصايا قرآنية, فشعت و أنارت كل من أستنار بها و تمددت حتى عبرت حدود الغرب فاستضاؤوا بها و طوروها و ناسبوها لتتلاءم حسب أعراف و تقاليد مجتمعاتهم و حاجاتهم فخلقوا منها أفكار, و الأفكار انجبت معرفة و المعرفة طورت علم والعلم أنجب وعي و الوعي أشعل ثورة و الثورة ايقظت الإنسان على حقوقه و اليقظة على الحقوق أوجبت أيجاد قوانين لتطبيقها و حمايتها فولدت شرعة حقوق الإنسان التي استلهموا حدودها و قوانينها من أفكار فلاسفة متنورين أشعلوا شرارة الوعي في مجتمعاتهم و هؤلاء المتنورين كانوا قد أستضاؤوا قبلها من قبس نور فلاسفة و متنورين قرآنيين وُجِدوا في مجتمعاتنا لكننا حاربناهم و لاحقناهم و كفّرناهم بتُهم البدع و التفكير الحر لعدم تطابق معتقداتهم مع قوانين السلطان و دين السلطان و رجال دين السلطان حتى حوصر الوعي فينا و كَسُل التفكر و خمد الإبداع و هاجر طائره من منطقتنا و حط في بلاد عرفت قيمته و أجلّته و حفظته لأنه انتقل إليها مجرداً من إرث الروايات و الإصحاحات و جدلية فلان الذي نقل عن فلان و متاهات الاقتتال و الحروب و النزاعات على السلطة بداعي الأحقية و الأفضيلة.

كل ذلك حصل لأننا نسينا دين الله و وصاياه و اتبعنا دين الروايات و وصايا فلان الذي نقل عن فلان عن فلان, فتحزبنا و تشيعنا و تفرقنا و ضعفنا و استقوى علينا من استقوى, فاستُعمرنا و اضطُهدنا و غُزينا و استُقطبنا في حروب عالمية لا ناقة لنا فيها و لا جمل, و قُسمنا و سُرقنا و احتُللنا و هاجرت عقول مبدعينا و استُنزفنا في حروب كنا نحن فيها الوقود سلاحاً و جنداً و جثثاً و قتلى و جرحى و شهداء و كل هذا جرى على منطقتنا العربية لأننا اهملنا تحصين إبنها الأكبر"الإسلام" و لم نطبّق وصايا الله في قرآنه, فنمنا بدل أن نثور على دين السلطان حتى بات دين السلطان هو الإسلام و دينه دستور أخلاقنا و حضارتنا و هوية المنطقة العربية و وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم

فتعرفنا على داعش و اخواتها و انحطت أخلاقنا و انجرفنا مع اعلامها حتى توحشنا و تطرف المعتدل فينا و اختفى الوسط و غزانا الفايس بوك (حصان طروادة الغرب الالكتروني) و كثر المحللون و الثوريون و قام الربيع العربي و ضُللت الأمة أكثر و تحزبت و انقسمت اكثر و غزى التوحش أفكارنا و معتقداتنا و تدنت أخلاقنا و قيمنا و انحط مجتمعنا و صرنا نشمت بالقتيل العربي و نُمثل به ميدانياً و أعلامياً و نلعن الهوية و نتبرأ من الإسلام أو ندافع عنه بلا حجة ضاحضة فحجتنا واهية لأننا خذلناه و لم نطبقه فانقلبت موازين قيمه و موازين قيمنا معه و نسينا العدو الحقيقي و صار المسلم عدو المسلم و العربي عدو العربي.

كل هذا جرى علينا لأننا خذلنا الله في الإسلام و أهملنا وصاياه و لم نحصن مربي اخلاقنا باتباع القرآن فقط من دون حواشي المعنعنين بعد أن مجّدنا و قدّسنا سير الصحابى و السلاطين و تحزبنا مع انقساماتهم و أضعنا وقتنا في جدلية خلافاتهم السياسية التي كان يجب ان تدفن معهم, لكننا اضفناها إلى ميراث ابنائنا و أحفادنا فغذينا بها التحزب و الانقسام جيلاً بعد جيل و طورناها على حساب الفكر و التفكر و التوحد و التنور و العلم و التطور, و نقلناها بإخلاص مذهل و بحرص شديد إلى عصر الذرة و النووي و غزو الفضاء و اكتشاف الكواكب و المجرات و التطور التكنولوجي و الذكاء الاصطناعي و كل هذه العلوم التي لا يستطيع اي عربي منا اليوم ان يعيش في غنًى عنها و ذلك من دون ان يكون له شرف المساهمة في اختراع أو تطوير واحدة من تقنياتها. ألا يحق لنا نحن العرب ان نساهم في اكتشاف هذا الكون و إعمار أرضه و تطويرها؟ أم أنه مكتوب علينا فقط ان نظل في حالة تقاتل و تحازب و دفاع عن النفس و عوز لتطور علوم الآخرين؟ أم ان قدرنا هو أن نظل مستعمرين لأننا نعيش تحت رحمة علوم من تطوروا؟ فهم من يقررون ماذا يجوز لنا أن نستخدم و ما لا يجوز مما صنعوا و اخترعوا , و هم من يقررون كمية و نوعية و مُدة ما يحق لنا استخدامه من فتات التكنولوجيا التي يرمونها علينا و فقط في الوجهة التي تتناسب مع خطط استعمارهم و تسلطهم علينا؟ هل عالمنا العربي فاقد للعقول ؟ الجواب لا. هل يفتقر عالمنا العربي إلى المال و الثروات؟ الجواب ايضاً لا. هل عالمنا العربي عقيم بالأدمعة و بالإمكانات العلمية؟ لا 

ليس عبثاً ان الله أنزل القرآن بلسان عربي, و ليس عبثاً أن الله جعل الأرض العربية مهد كل رسالاته السماوية. فالله سبحانه و تعالى خالقنا عالم الغيب و الشهادة هو الأعلم بما خلق و لما خلق و لما قدّر من أمور و لما ميّز أمة و خصها بأمر دون سواها من باقي الامم. لولا القرآن و لغته العربية لاندثرت أمة العرب منذ زمن كما حصل مع الهنود الحمر و غيرهم من الشعوب التي اعتُدي على حضارتها و غزا الإستعمار أراضيها و سرق ثرواتها و أباح إنسانها لحفلات القتل و النحر و التجزير كما يحصل معنا نحن اليوم لكن للأسف معنا يحصل بأيدينا نحن و بسلاح تفرقنا و تعصبنا و غبائنا. و نحن(أي العرب) نسأل الله ساعة اشتداد البلاء علينا و بكل غباء لما تفعل بنا هذا يا الله؟ و نحن من نسير مجتهدين و بمثابرة عجيبة غريبة على طريق اندثارنا و اندثار حضارتنا و لولا رحمته سبحانه و رأفته بنا لكنّا حتماً اندثرنا. لولا هذه اللغة العربية ماذا كان سيجمعنا نحن العرب غير الجهل و التقاعس و التخاذل و الانبطاح أمام المستقوي و المستعمر و لاحقاً التوحش كما يحصل معنا اليوم. و لولا القرآن و لسانه العربي ماذا كان سيبقى لنا من قيمة بين الأمم المتقدمة بعلومها و تطورها؟ لا شيء. لولا هذا القرآن و لغته العربية لكنا مثل أي قبيلة أفريقية تسكن مجاهل الغابات و تنام فوق أغنى الثروات و تُسرق و تُنهب و تموت من الجوع و تعيش الحياة البدائية لأنها فاقدة لقوة بحجم اللغة العربية و بحجم معجزة القرآن العظيم

الله سبحانه و تعالى عالم الغيب و الشهادة خالقنا كان يعلم بأن إنسان أمتنا العربية سليل الأنسان المتحضر الأول, ابن أرض الحضارة الأولى و مهبط دينه الأوحد الإسلام و حاضن شرائعه السماوية كافة بتنوع مسمياتها و طقوسها رغم وحدة مقاصدها و قيمها و سمو أهدافها. كان يعلم بأن هذا الإنسان العربي سيُستضعف بعد قوة و سينذل بعد عز و ستتكالب و تتداعى عليه و تحاربه حتى اندثاره هو و تاريخه و حضارته سلالة الشيطان المتمثلة اليوم بمحور بني صهيون و أئمة و أتباع فكر شيطان الماسون. لهذا السبب باعتقادي حصن الله الأمة العربية بالقرآن و بلغته منعاً لاندثارها, و الله كان يعلم بأننا سنتوه و سيضلنا التفرق و التحزب و الانبهار حد العمى بالاعيب الشياطين كما حصل مع أبائنا الأولين لهذا خاطب العقل فينا بقرآنه و حضنا على تحصين عقولنا بالتفكر و تغذيتها بالعلم و انتاج المعرفة و نشرها و أمرنا بأن نرحم أبناءنا و بناتنا و فقيرنا و يتيما و ضعيفنا و هذا لا يتحقق إلا بالعدل و المساواة و احترام حرية الإنسان بعدم قمعه و مخاطبته بالتي هي احسن و طالبنا بعدم التفرق و بالتوحد و الاعتصام بحبله أي كلام قرآنه دون سواه من باقي الكلام لأنه هو المنعة و الفيصل و الدستور عند أي اختلاف يقع بين المتفكرين . فأين نحن اليوم من اتباع وصاياه و نصائحه و أمره لنا بالوحدة؟ و أين هو اليوم موقع كتاب الله بين كتب المفسرين و المحدثين و الناقلين و المتفلسفين؟ و أين بتنا نحن بعد إهمالنا لوصايا الله؟ بتنا مستضعفين و مذلولين و منهوبين و منبوذين بين الأمم , و أخر إرهاصات جهلنا و ضلالنا بأنّنا أُلبِسنا و بالقوة صفات الإنسان المتوحش و بتنا آليين بمشاعرنا و غريزيين بسلوكياتنا

خلاصة القول, حال الأمة العربية لن يصطلح و مسيرتها التنموية لن تتحقق و الطموح بملاقاة باقي الأمم على طريق التطور و التقدم لن يرى النور ما لم نعوّم الإنتماء الوطني و القومي للهوية العربية عبر تصحيح و توحيد القيم الوطنية فيها ضمن أنظمة مدنية و علمانية و تحديث التربية الأخلاقية في مجتمعاتنا عبر تصحيح الدين فيها و ذلك لن يتحقق ما لم يتحقق قبله إصلاح ديني على مستوى الأمة العربية كلها, و قبل أن نبدأ بعملية إصلاحية ممنهجة لتصحيح قيم و مفاهيم و تقاليد و سلوكيات المُكوِن الأكبر و الأبرز فيها أي الإسلام و ذلك إستناداً إلى نصوص القرآن الكريم فقط و إهمال نصوص المنقول من الأحاديث الصحيحة و الغير صحيحة. و لأن مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات متدينة بأغلبها سيكون من الصعب علينا التوجه بها نحو الأنظمة المدنية و العلمانية من دون احداث تغيير مسبق في طرق تفكيرها, و بما أنها مرتبطة ارتباط وثيق بميراثها الديني سيكون من الخطر عليها و علينا توجيهها نحو القبول بالأنظمة المدنية و العلمانية أو فرضها عليها بقوة القانون ما لم نصحح لها ميراثها الروحي قبلها ليتجدد أسلوب تفكيرها فتقبل حينها بمنطق فصل الدين عن الدولة بسهولة و من دون أي احتمالات لإيقاظ الفتن فيها مستقبلاً, و بما انها اي مجتمعاتنا العربية مجتمعات مسلمة بأغلبها سيكون من الأصح ان نبدأ بتصحيح الإسلام أولاً لتعمم عملية الإصلاح فيما بعد على باقي الرسائل السماوية المكونة لأطيافها. و طالما أن المسلمين في حالة استلاب من قبل القييمين على تراث الغابرين و المقدسين لتفسيراتهم المهزلة المهينة للإسلام و المسلمين لن يتحقق أي إصلاح, لا ديني و لا وطني و لا قومي و بالتالي لن يحصل أي تطور في مجتمعاتنا و سنظل كما نحن في حالة مراوحة على ما نحن عليه إلى أجلٍ لا يعلمه إلا الله.و سنظل نجتر مآسينا و مخازينا و ويلات ما تجنيه أيادينا و تخلف عقولنا المتعلقة بالماضي و نورثها أبناءنا جيلاً بعد جيل. الخطوة الأولى برأيي في مرحلة الإصلاح هذه تبدأ بأصدار قانون يقضي بتطعيم الطاقم الديني القيم على الحالة الدينية في البلاد بطاقم علمي من مختلف المجالات العلمية لرفد العقول التي اعتادت اجترار تفاسير الأولين للدين بأفكار حداثوية تشاركها عملية تجديد و تحديث التفسير بغية إحداث حالة من التصادم بين الأفكار العلمية و تلك التي تحجرت بفعل ترديد و نقل ما وصل إليها من موروث من دون التجرؤ على نقده بسبب خداعها بوهم التقديس علّها تتوقد من جديد و تخرج من دائرة تقديسها لما حفظته و رددته و نشرته و بثته كسم بطيئ في مجتمعاتنا لقرون تلتها قرون و أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من تحازب و تقاتل و تعصب و تطرف و جهل و تجهيل نتيجة الرهبة من التفكر و التفكير أو تخلي طوعي عن حق النقد مخافة النبذ أو التكفير الذي بات يترجم بحسب قيم و مفاهيم عصرنا العربي الحالي بوجوب القتل و التنكيل







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز