د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
ألأمّة العربيّة عاجزة عن تطوير وسائل بقائها وارتقائها ومدمنة على تفسير ما بعد فنائها

كلّنا نعلم بان الموت هو نهاية رحلتنا في هذا الكون، وأنه قادم لامحاله، وسينتصرعلينا ويهزمنا كما هزم عشرات البلايين من أسلافنا، ويحوّلنا إلى ذرّات من التراب تواصل الدوران في هذا الكون الهائل حتى قيام الساعة! الناس يختلفون في فهمهم للموت وما بعده نتيجة لإختلاف ثقافاتهم، وأديانهم، ومستواهم العلميّ، إلا إنهم يتفّقون على أن الموت هو فراق أبدي. ولهذا فإنهم يحزنون حزنا شديدا على موت الأحبّة والأصدقاء والمعارف، ويمارسون طقوسا دينيّة أو إجتماعيّة معيّنة لوداعهم بطريقة إنسانيّة يظهرون فيها حبّهم لهم، وحزنهم وألمهم على فراقهم .

  في الدول المتطوّره التي تنعم شعوبها برغد العيش، وبحريّتها السياسية والدينيه والإجتماعيه، تتميّز حياة الناس بالإبداع  والعطاء  والإستمتاع .الإنسان في هذه الدول يفكّر، ويعمل، ويبني، ويصنّع ليستمتع بحياته من خلال إنجازه الراقي في العلم، والأدب، والفن، والموسيقى، والرياضه الخ.

إنتشرت في هذه المجتمعات أيضا وسائل التثقيف والتسلية والترفيه الراقي كالمكتبات العامة، والمسارح، ودور السينما، والنوادي والمنظمات العلمية والثقافية والرياضية، والندوات والمحاضرات العلمية، أضف إلى ذلك تنوع هائل في الأماكن التي توفر الملابس والأطعمة والترفيه بأنواعه وكل ما يحتاج إليه المواطن على مدار الساعة .

العلم والثقافة والرفاهيّة والحرّية والإنفتاح هي الركائز الحقيقية التي تقوم عليها هذه المجتمعات الحديثة . إنها دول الإنسان التي ازدهرت فيها ثقافة الحرّية التي عزّزت ثقة الإنسان بنفسه، وشجّعته على الإستمتاع بحياته، وتراجعت فيها ثقافة الإستبداد والإرهاب والتخويف من الموت وما بعده من أهوال وعذاب.

 في ثقافتنا العربية والإسلامية نحن نمجّد الموت، نخافه، وننظر إليه كبداية رحله رهيبه لا نعرف ماذا سيحّل بنا بعدها. تراثنا الديني والإجتماعي مليء بقصص وحكايات لا حصر لها تحذّرنا من مصيرنا الأسود وما سيحدث لنا من عذاب رهيب بعد الموت. الكتب الصفراء( وما أكثرها في وطننا) مليئة بفرضيّات تتنافى مع العقل والمنطق والعلم. والغريب أن رجال الدين يسردون لنا هذه القصص وكأن سارد القصّة أولا مات واختبر هذه الأهوال، ثم عاد إلينا من قبره ليخبرنا بتفاصيلها.

  ثقافة التخويف من أهوال الموت، وعذاب القبر، وما بعده من ويلات تنتظرنا يوم القيامة، تعطل قدراتنا العقلية، وطاقاتنا الكامنه، وتعرقل التغيير والتجديد المجتمعي، وتقف حاجزا بيننا وبين العالم من حولنا. يقول لنا فقهاؤنا بأن الموسيقى والغناء والفن بصنوفه المختلفة المهذبة للنفس الإنسانية، والعلم التجريدي، والبحث والتساؤل في ما هية الحياة والكون والموت وما بعده هي بدع وتتناقض مع صحيح الدين. والدين كما نفهمه يحث على العلم والبحث العلمي والتفكير والعمل لما فيه خير الفرد والناس جميعا ! فمن أين جاء مشايخ الجهل والتخلّف بكل هذه الممنوعات ؟

إننا مجتمعات مقيدة بالجهل والخوف، ومستسلمة لدول مستبدة وسلطات دينية لا تحترم إنسانيّة الإنسان، ولا علاقة لها بالدين الحق . يقول لنا رجال الدين المتزمتين إن الدنيا فانية ولا تساوي شيئا مقارنة بالنعيم الدائم الذي ينتظرنا بعد الموت . لقد جعلوا من هذا الدين أضحوكة رغم قدرته على البقاء في كل زمان ومكان . الدين جاء من أجل سعادة الإنسان وإعلاء شأنه . الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعمل في هذه الدنيا، ونعيش بكرامة، ونستمتع بدنيانا، ونعمل من أجل آخرتنا، وقال لنا إنه غفور رحيم بعباده.

 لقد أصبحت مجتمعاتنا بسبب الجهل والبطش السياسي والديني مجتمعات من الواعظين الذين لا يصلحون لأي شيء سوى الحديث عن الحلال والحرام، والجنة والنار، والسلف الصالح، والماضي التليد، ويتجاهلون المآسي التي تعيشها الأمة والأخطار المحدقة بها. ونحن نتساءل إذا كانت الحياة عدميّة ولا قيمة لها كما يقال، إذا لماذا خلقها الله وميّز الإنسان عن الكائنات الأخرى وأمره بالعمل والتفكير ليتمكّن من معرفة خالقه وفهم نفسه. كل الديانات السماويّة وغير السماويّة ركزت على تعميم كل ما فيه الخير للإنسانيّة جمعاء، وحرّمت كل الأعمال الشريره التي تضرّ الآخرين وتسيء إلى كرامتهم وإنسانيتهم كبشر وصنّاع للخير والجمال.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز