د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
الغرب إحتل المستقبل ونحن العرب ما زلنا نحتل التاريخ ونسكن فيه !

العالم الغربي الديموقراطي هو الأكثر تقدّما بين دول العالم . إنّه غنيّ بإنسانه الواعي، وصناعاته المتطوّرة، وديموقراطياته، وحرّياته، وقوانينه التي تساوي بين المواطنين، وانفتاحه على العالم، وقيمه الإجتماعية، وعلومه وآدابه وفلسفته وفنونه التي غيرت أنماط حياة الناس حول العالم . لقد صنع لنا المطبعة، والقطار، والسيارة، والطائرة، والتلفاز، والتلفون، والكميوتر، والإنترنت، والمركبة الفضائية، وأحدث ثورة هائلة في النظام السياسي والتعليم والصحة وغير بهذه الإنجازات العظيمة مكوّنات حياة الإنسان على هذا الكوكب . ولهذا يمكن القول إن ما قدّمته الحضارة الغربية للعالم وإنسانه خلال المائة عام الماضية، لم تقدّمه حضارة أخرى بنفس الضخامة والنوعية في التاريخ الإنساني.

العالم الغربي رغم كل إنجازاته وواقعيّته ليس عالما ملائكيّا، وأنا لست من المدافعين عن كل شيء فيه ! فهو الذي أنتج أيضا أكثر أنواع الأسلحة تدميرا، وأشعل الكثير من الحروب خدمة لمصالحه، وقتل وظلم في في أماكن مختلفة من العالم . كذلك إنه يعاني من مشاكل داخلية متعدّدة، لكنه يقرّ بوجودها، ويدرسها بعناية، ويضع أفكارا ووسائل للتعامل معها، وينجح في إيجاد حلول لمعظمها . إنه عالم واقعي عقلاني يسخّر القوانين والمعرفة في خدمة مجتمعاته ومواطنيه جميعا، ويصنع المستقبل كل يوم من خلال عمله الدؤوب على إبتداع افكار جديدة، وتحويلها إلى حقائق ومنتجات تخدم الناس جميعا.

كل فكرة جديدة لا قيمة لها إن لم تجد من يفهمها ويقبلها ويموّلها ويحوّلها إلى شيء موجود ذي قيمة نفعيّة . في الغرب، الأفكار الجديدة الخلاّقة التي يتقدّم بها أفراد وعلماء ومثقفين للمؤسسات العلميّة والثقافية تدرس وتقيّم بكل جديّة واهتمام، وتعرض على الصناعيين ورجال الأعمال  ومراكز الأبحاث والمستثمرين الذين يفهموا أهميتها، ويحتضنوا أصحابها، ويوفروا لهم الدعم الماديّ والمعنوي والتقنية والكفاءات البشرية لترجمتها إلى منتج مربح، يفيد بعض الناس أو المجتمع ككل، ويساهم في تطوير حياة الناس اليومية في شتّى أنحاء العالم .

الغرب يقدّس الأفكار الجديدة، ولا يتوقف عن التعلّم والتعليم والتجديد والتجدّد، ويسخّر تجاربه التاريخية في صناعة المستقبل . لقد تخلّص من تخلّفه الحضاري الماضوي، ونجح نجاحا مميّزا في بناء عالم إنساني راق في دياره، وخدم بإنجازاته الإنسانية جمعاء، وقاد حركة التغيير العالمية وسكن المستقبل .

نحن العرب لم نقدّم شيئا يذكر في العلوم والآداب والفنون لمجتمعاتنا وللعالم منذ القرن الثالث عشر. عندما كانت مجتمعاتنا مجدّدة تحترم العلم والثقافة والإبداع، كنا منارة العلم التي أضاء نورها العالم، وساهمنا في بناء الحضارة العالمية، لكننا انحدرنا من القمّة إلى القاعدة عندما سلّمنا أمورنا لطغاة السياسة وعملائهم من رجال الدين الجهلة، الذين حاصروا الإنسان،  وصادروا الحرّيات، وأغلقوا أبواب مجتمعاتنا أمام العلم والتفكير النقدي، فأنتجنا أجيالا أميّة جاهلة غير قادرة على التفاعل مع الحداثة، وحرمناها من الإستفادة ممّا تقدّمه الحضارات الأخرى في مجالات المعرفة والتقدّم الإنساني.

إن واقعنا العربي في غاية السوء .فنحن أمّة تائهة لا تعرف ما هي، ولا تدرك أبعاد واقعها السيء، ولا تفهم العالم وحضاراته واختلافاته. إنها ممزّقة سياسيّا، ومشتّتة دينيّا، وترزخ تحت نير دكتاتوريات ترفض الحداثة والتغيير للأفضل، وتتخبّط دينيّا وفكريّا، وتحارب التفكير المنطقي الإستقرائي القائم على حقائق العلم والتجربة .

إننا نسكن في أزقّة ماضينا التليد. لقد بنينا حواجز بيننا وبين ثقافة التنوير، وغرقنا في ثقافة قال وقلنا ويقولون . لقد هربنا إلى اجترار أمجاد تاريخنا لتبرير فشلنا في تطوير أنفسنا، وانهزامنا في كل المعارك التي خضناها مع أعدائنا، وجهلنا بحقائق ومكونات عصرنا، وعدم قدرتنا على المنافسة والعطاء. حياتنا الحالية كأمة قائمة على خداع النفس ! الإنسان في عالمنا محروم من أبسط حقوقه السياسية والإجتماعية والدينية، ومكبّل بأنواع من القيود الموروثة التي تبقيه مسترخيا في سبات عميق ! إلى متى ؟ لا أحد يعلم إلا الله ! 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز