حميد الواسطي
ajshameed@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 March 2012



Arab Times Blogs
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً

بِسْمِ اٌللهِ اٌلرَّحمَنِ اٌلرَّحيم.. قالَ تعالَى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً : 85 الأسراء. وَقالَ سُبحانه: اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: 42 الزمر وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ.. وَرَدَ في بحار الأنوار جزء: 61 باب: 42 للشيخ ألمجلسي.. وَمَا قالهُ ألطبرسي في ألإحتجاج.. اُختلف في ألروح ألمسئول عنه؟ سألهُ عن ذلك قوم مِن أليهود عن إبن مسعود وَإبن عباس. وَقيل إنَّ أليهود قالت لكفار قريش سلوا مُحمَّداً عن ألروح فإن أجابكم فليسَ بنبي فإنا نجد في كتبنا ذلِك وَكانَ قصدهم باٌلسُؤال تخجيل ألنبي (ص) فأمر الله سُبحانه باٌلعدول عن جوابهم وَأن يكلمهُم أو يكلَّهُم : يبهمهُم في مَعرفة ألروح إلى مَا في عقولهم ليكون ذلِكَ عِلماً علَى صدقه وَدلالة لنبوتهِ. وَعلَى هذا فإنما عدلَ ألنبي (ص) عن جوابهم لعلمهِ بأنَّ ذلِكَ أدعى لهم إلى ألصلاح في ألدِين وَلأنهم كانوا بسؤالهم متعنتين لاَ مستفيدين فلو صَدرَ ألجواب لإزدادوا عناداً. وَلأنَّ ألروح لمّا قيل علَى معانٍ مختلفة حتى لو أجاب بواحد منها قالوا مَا نريد هذا فأبهَمُوا ألسُؤال فأبَهمَ ألجَواب بمَا ينطبق على ألجميع بأنه مِن أمر الله أيّ أنه أحدثه بقوله كُن أو هو من شأنه وخلقه. وَقد أبَهمَ ألجَواب؟ لأنَّ فيه وجوه: أوَّلهَا: عن إبن عباس أنهم سألوا عن جبرئيل لأنهم كانوا يدعون مُعاداته. وَعن علي بن أبي طالب (ع) أنهم سألوا عن ألملك ألعظيم ألجثة. وَلَو أريد ألروح ألتي في ألبدن لَم يكن في ألآية دليل علَى أنه لاَ يَعلمها إلاَّ الله. وَثانيها: أنهم سألوه عن ألروح أهيَ مخلوقة مُحدثة أم لَيست كذلِك فقالَ سُبحانه (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي مِن فعلهِ وَخلقهِ وَكان هذا جواباً لهم عمّا سألوه عنه بعينهِ وَعلَى هذا فيجوز أن يكون ألروح ألذي سألوه عنه هُوَ ألذي به قوام ألجسد علَى قول إبن عباس وَغيره أم جبرئيل علَى قول ألحسن وَقتادة أم ملك مِن ألملائكة عظيم ألجثة.. ذلِك علَى مَا رويَ عن علي بن أبي طالب (ع) أم عيسى (ع) فإنه سمي بالروح. وَثالثها: أنهم سألوه عن ألروح ألذي هُوَ ألقرآن كيف يلقاك به ألملك وَكيف صار معجزاً وَكيف صار نظمه وَترتيبه مخالفاً لأنواع كلامنا مِن ألخطب وَألأشعار وَقد سمّى الله سُبحانه ألقرآن روحاً في قولهِ: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا - 52 الشورى.. فقالَ سُبحانه قل يا مُحمَّد إنَّ ألروح ألذي هُوَ ألقرآن مِن أمر ربي أنزله عليَّ دلالة علَى نبوتي وَلَيسَ مِن فِعلِ ألمخلوقين وَلاَ ممّا يدخل في إمكانهم وَعلَى هذا فقد وَقعَ ألجَواب أيضاً موقعه وَأمَّا علَى ألقولِ ألأوَّل فيكون معنى قوله: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.. هُوَ ألأمر ألذي يعلمه ربي وَلَم يطلع عليه أحداً.

وَأختلفَ ألعُلماء في ماهيَّة ألروح فقيل إنه جسم رقيق هوائي متردد في مخارقِ ألحيوان وَهُوَ مذهب أكثر ألمتكلمين وَأختاره ألمرتضى. وَقيل هُوَ جسم هوائي علَى بنيَّة حيوانيَّة في كُلِّ جزء منه حياة عن علي بن عيسى قال فلكُلّ حيوان روح وَبدن إلاَّ أنَّ منهم مِنَ ألأغلب عليه ألروح وَمنهم مِنَ ألأغلب عليه ألبدن وَقيل إنَّ ألروح عرض ثمَّ اُختِلفَ فيه فقيل هُوَ ألحياة ألتي يتهيّأ بها ألمَحل لوجود العِلم وَألقدرة وَألإختيار وَهُوَ مذهب ألشيخ ألمفيد وَألبلخي وَجماعة مِن ألمعتزلة ألبغداديين وَقيل هُوَ معنى في ألقلب. 

وَفريق آخر مِن ألعُلماء قالوا: إنَّ الله خلق ألروح مِن ستة أشياء: مِن جوهر ألنور وَألطيب وَألبقاء وَألحياة وَألعِلم وَألعلو ألاَ ترى أنه مَا دامَ في ألجسد كانَ ألجسد نورانيّاً يبصر بالعينين وَيسمع بالأذنين وَيكون طيباً فإذا خرج مِن ألجسد نتن ألبدن وَيكون باقياً فإذا فارقه ألروح بلي وَفني وَيكون حياً وَبخروجه يصير ميتاً وَيكن عالِمَاً فإذا خرج منه ألروح لَم يعلم شيئاً وَيكون علويّاً لطيفا توجد به ألحياة بدلالة قولهِ تعالى في صفة ألشُهداء: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ - 170 آل عمران.. وَأجسادهم قد بليت في ألتراب. وَقولهُ: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً.. قيل هُوَ خطاب للنبي (ص) وَغيره إذ لم يبيِّن له ألروح وَمعناه وَمَا أوتيتم مِنَ ألعِلمِ ألمنصوص عليه إلاّ قليلا أيّ شيئاً يَسيراً لأنَّ غير ألمنصوص عليه أكثر فإن معلومات الله تعالى لاَ نهاية لهَا وَقيل خطاب لليهود ألذين سألوه فقالت أليهود عِندَ ذلِك كيف وَقد أعطانا الله ألتوراة " وَفيها كُلّ شيء" فقال ألتوراة في عِلم الله قليل (مجمع البيان : ج ٦ ، ص ٣٤٧ وَ ٤٣٨).

وَقال ألرازي.. للمفسرين في ألروح ألمذكورة في هذِهِ ألآية أقوال وَأظهرها أنَّ ألمراد منه ألروح ألذي هُوَ سَبب ألحياة ثمَّ ذكرَ رواية سُؤال أليهود وَإبهام ألنبي (ص) قِصَّة ألروح وَزيفها بوجوه ضعيفة ثمَّ قال بَل ألمختار عندنا أنهم سألوه عن ألروح وَأنه أجابهم عنه علَى أحسن ألوجوه وَتقريره أنَّ ألمذكور في ألآية أنهم سألوه عن ألروح وَألسؤال عنه يقع علَى وجوهٍ كثيرة أحدها: أن يقال ماهية ألروح أهُوَ متحيز أو حال في ألمتحيز أو موجود غير متحيز وَلاَ حال في ألمتحيز وَثانيها: أن يقال ألأرواح قديمة أو حادثة وَثالثها: أن يقال ألأرواح هل تبقى بعد موت الأجساد أو تفنى وَرابعها: أن يقال مَا هِيَ حقيقة سعادة الأرواح وَشقاوتها.

وَقيل إنَّ ألروح هُوَ ألإنسان وَهُوَ ألحي ألمكلف عن إبن ألإخشيد وَألنظام. في شرح مذاهب ألناس - حقيقة ألإنسان.. فالعِلم ألضروري حاصل بأنَّ هاهنا شيئاً إليه يشير ألإنسان بقولهِ "أنا" وَإذا قالَ ألإنسان علمت وَفهمت وَأبصرت وَسمعت وَذقت وَشممت وَلمست وَغضبت فالمشار إليه لكُلّ أحد بقولهِ "أنا" إمَّا أن يكون جسماً أو عرضاً أو مجموع ألجسم وَألعرض أو مَا تركب مِن ألجسم وَألعرض وَذلِكَ ألشيء ألثالث فهذا ضبط معقول أمَّا ألقسم ألأوَّل وَهُوَ أن يقال ألإنسان جسم فذلِكَ ألجسم إمَّا أن يكون هُوَ هذِهِ ألبنية أو جسماً داخلاً في هذِهِ ألبنية أو جسماً خارجاً عنها أمَّا ألقائلون بأنَّ ألإنسان عبارة عن هذِهِ ألبنية ألمحسوسة وَهذا ألهيكل ألمجسم ألمحسوس فإذا أبطلنا كون ألإنسان عبارة عن هذا ألجسم وَأبطلنا كون ألإنسان محسوساً فقد بَطلَ كلامهم باٌلكُليَّة. وَألذي يدلّ على أنه لا يُمكن أن يكون ألإنسان عبارة عن هذا ألجسم وجوه:

 
ألأوَّل: أنَّ ألعلم ألبديهي حاصل بأنَّ أجزاء هذِهِ ألجثة متبدلة باٌلزيادة وَألنقصان تارة بحسب ألنمو وَألذبول وَتارة بحسب ألسمن وَألهزال وَألعلم ألضروري حاصل بأنَّ ألمتبدل ألمتغير مغاير للثابت ألباقي وَيحصل مِن مجموع هذِهِ ألمقدمات ألثلاث ألعلم ألقطعي بأنه لَيسَ عبارة عن مجموع هذِهِ ألجثة.


ألثاني: أنَّ ألإنسان حال مَا يكون مشتغل ألفكر متوجه ألهمّة نحو أمر مخصوص فإنه في تِلكَ ألحالة غير غافل عن نفسهِ ألمعينة بدليل أنه في تِلكَ ألحالة قد يقول غضبت وَإشتهيت وَسمعت كلامك وَأبصرت وجهك وَتاء ألضمير كناية عن نفسهِ ألمخصوصة فهُوَ في تِلكَ ألحالة عالِم بنفسهِ ألمخصوصة وَغافل عن جملة بدنه وَعن كُلِّ واحد مِن أعضائهِ وَأبعاضهِ.


ألثالث: أنَّ كُلّ أحد يحكم بصريح عقله بإضافة كُلّ واحد مِن هذِهِ ألأعضاء إلى نفسهِ فيقول رأسي وَعيني وَيدي وَرجلي وَلساني وَقلبي وَبدني وَألمضاف غير ألمضاف إليه فوجب أن يكون ألشيء ألذي هُوَ ألإنسان مغايراً لجملة هذا ألبدن وَلكُلّ واحد مِن هذِهِ ألأعضاء فإن قالوا فقد يقول نفسي وَذاتي فيضيف ألنفس وَألذات إلى نفسهِ فيلزم أنَّ نفس ألشيء وَذاته مغايرة لنفسهِ وَذاتهِ وَذلِكَ محال قلنا قد يراد بنفس ألشيء وَذاته هذا ألبدن ألمخصوص وَقد يراد بنفس ألشيء وَذاته ألحقيقة ألمخصوصة ألتي إليها يشير كُلّ أحد بقولهِ "أنا" فإذا قالَ نفسي وَذاتي كانَ ألمراد منه ألبدن وَعندنا أنه مغاير لجوهر ألإنسان.


ألرابع: أنَّ كُلّ دليل يدل علَى أنَّ الإنسان يمتنع أن يكون جسماً فهُوَ أيضاً يدل علَى أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا ألجسم وَسيأتي تقرير تِلكَ الدلائل..


ألخامس: أنَّ ألإنسان قد يكون حيّاً حال مَا يكون ألبدن ميتاً فوجب كون ألإنسان مُغايراً لهذا ألبدن وَألدليل علَى صحةِ مَا ذكرناه وَقوله تعالَى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - 169 : آل عمران.. فهذا ألنصّ صريح في أنَّ أولئك ألمقتولين أحياء وَألحسّ يدلّ علَى أنَّ هذا ألجسد ميِّت.


ألسادس: أنَّ قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا - 46 : غافر.. وَقوله: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً - 25 : نوح.. يدلّ علَى أنَّ ألإنسان حي بعد ألموت وَكذلك قول ألنبي (ص) لاَ يموتون وَلكن ينقلون مِن دارٍ إلى دار وَكذلِكَ قوله: ألقبر روضة مِن رياض ألجنة أو حفرة مِن حفر ألنيران. وَقوله: مَن مَات فقد قامت قيامته. وَأنَّ كُلّ هذِهِ ألنصوص يدلّ علَى أنَّ ألإنسان حي يبقى بَعد موت ألجسد وَبديهة ألعقل وَألفِطرة شاهدتان بأنَّ هذا ألجسد ميِّت وَلَو جوزنا كونه حيّاً كان يجوز مثله في جميعِ ألجمادات وَذلك عين ألسفسطة وَإذا ثبت أنَّ ألإنسان حي مَا كانَ ألجسد ميتاً لزم أنَّ ألإنسان شيء غير هذا ألجسد.


ألسابع: قولهُ عليه ألصلاة وَألسلام في خطبةٍ طويلة له: حتى إذا حمل ألميت علَى نعشه رفرف روحه فوق ألنعش وَيقول يا أهلي وَيا ولدي لا تلعبن بكم ألدنيا كمَا لعبت بي جمعت ألمال مِن حلّه وَمِن غير حلّه فاٌلمهنأ لغيري وَاٌلتبعة علَيَّ فاحذروا مثل مَا حلَّ بي.. وجه ألإستدلال أنَّ ألنبي (ص) صرَّحَ بأنَّ حال كون ألجسد محمولاً علَى ألنعش بقي هناك شيء ينادي وَيقول يا أهلي وَيا ولدي جمعت ألمال مِن حلّه وَغير حلّه وَمعلوم أنَّ ألذي كانَ ألأهل أهلاً له وَكانَ ألولد ولداً له وَكانَ جامعاً للمال مِن ألحرام وَألحلال وَألذي بقي في ربقتهِ ألوبال لَيسَ إلاَّ ذلك ألإنسان فهذا تصريح بأنَّ في ألوقت ألذي كانَ ألجسد ميِّتاً محمولاً علَى ألنعش كانَ ذلِكَ ألإنسان حيّاً باقياً فاهماً وَذلك تصريح بأنَّ ألإنسان شيء مغاير لهذا ألجسد وَألهيكل.


ألثامن: قولهُ تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً - 27 – 28 الفجر.. وَألخطاب بقولهِ "ارْجِعِي" إنما يتوجه إليها حال ألموت فدلَّ هذا علَى أنَّ الشيء ألذي يرجع إلى الله بعد موت ألجسد يكون راضياً مرضياً عند الله وَألذي يكون راضياً مرضياً لَيسَ إلاَّ ألإنسان فهذا يدل علَى أنَّ ألإنسان بقي حيّاً بعد موت ألجسد وَألحي غير ألميت فالإنسان مغاير لهذا ألجسد.


ألتاسع: قولهُ تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ - 61 – 62 : الأنعام.. أثبت كونهم مردودين إلى الله ألذي هُوَ مولاهم ألحق عند كون ألجسد ميِّتاً فوجب أن يكون ذلِكَ ألمردود إلى الله مغايراً لذلِكَ ألجسد ألميت.


ألعاشر: ترى جميع فرق ألدنيا مِن ألهند وَألروم وَألعرب وَألعجم وَجميع أرباب ألملل وَألنِحل مِن أليهود وَألنصارى وَألمجوس وَألمسلمين وَسائر فرق ألعالَم وَطوائفهم يتصدقون عن موتاهم وَيدعون لهم باٌلخير وَيذهبون إلى زياراتهم وَلَولاَ أنهم بعد موت ألجسد بقوا أحياء لكانَ ألتصدق لهم عبثاً وَلكانَ ألدعاء لهم عبثاً وَلكانَ ألذهاب إلى زيارتهم عبثاً فإطباق ألكُلّ علَى هذِهِ ألصدقة وَألدعاء وَألزيارة يدل علَى أنَّ فطرتهم ألأصليَّة ألسليمَة شاهدة بأنَّ ألإنسان شيء غير هذا ألجسد وَأنَّ ذلِكَ ألشيء لا يموت بموت هذا ألجسد.


ألحادي عشر: أنَّ كثيراً مِن ألناس يرى أباه وَإبنه في ألمنام وَيقول له إذهب إلى ألموضع ألفلاني فإنَّ فيه ذهباً أو مالاً دفنته لكَ وَقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه ثمَّ عند أليقظة إذا فتش عنه كان كمَا رآه في ألنوم مِن غير تفاوت وَلَولاَ أنَّ ألإنسان باق حيّ بعد ألموت لمَا كانَ كذلِك وَلمَا دلَّ هذا ألدليل علَى أنَّ ألإنسان حيّ بعد ألموت وَدلَّ ألحسّ علَى أنَّ الجسد ميِّت كانَ ألإنسان مغايراً لهذا ألجسد.


ألثاني عشر: أنَّ ألإنسان إذا ضاع عضو مِن أعضائه مثل أن تقطع يداه وَرجلاه وَتقلع عيناه وَتقطع أذناه إلى غيرها مِن ألأعضاء فإنَّ ذلِكَ ألإنسان يجد مِن قلبهِ وَعقلهِ أنه هُوَ عين ذلِكَ ألإنسان مِن غير تفاوت ألبتة حتى أنه يقول أنا ذلِكَ ألإنسان ألذي كنت موجوداً قبلَ ذلِك إلاَّ أنهم قطعوا يدي وَرجلي وَ.. وَذلِكَ برهان يقيني علَى أنَّ ذلِكَ ألإنسان شيء مغاير لهذِهِ ألأعضاء وَألأبعاض وَذلِكَ يبطل قول مَن يقول ألإنسان عبارة عن هذِهِ ألبنية ألمخصوصة.


ألثالث عشر: أنَّ ألقرآن وَألأحاديث يدلان علَى أنَّ جماعة قد مسخهم الله وَجعلهم في صورة ألقردة وَألخنازير فنقول ذلِكَ ألإنسان هل بقي حال ذلِكَ ألمسخ أو لَم يبق فإن لَم يبق كانَ هذا إماتة لذلِكَ ألإنسان وَخلق خنزير أو قردة وَلَيسَ هذا مِنَ ألمسخ في شيءٍ، وَإن قلنا إنَّ ذلِكَ ألإنسان بقي حال حصول ذلِكَ ألمسخ فنقول فعلَى هذا ألتقدير ألإنسان باق وَتلك ألبنية وَذلِكَ ألهيكل غير باق فوجب أن يكون ذلِكَ ألإنسان شيئاً مغايراً لتِلك ألبنية.


ألرابع عشر: أنَّ رسول الله (ص) كانَ يرى جبرئيل في صورة دحية ألكلبي وَكان يرى إبليس في صورة ألشيخ ألنجدي فهنا بنية ألإنسان وَهيكله وَشكله حاصل مَعَ أنَّ ألحقيقة ألإنسانيَّة غير حاصلة وَهذا يدلّ علَى أنَّ ألإنسان لَيسَ عبارة عن هذِهِ ألبنية وَهذا ألهيكل.

وَعودة لموضوع ألروح.. فاٌلمباحث ألمتعلقة باٌلروح كثيرة وَقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ.. ليسَ فيه مَا يدلّ علَى أنهم عن أيِّ هذِهِ ألمسائل سألوا؟ كما مَرّ إلاَّ أنَّ جوابه تعالَى لاَ يليق إلاَّ بمسألتين مِن ألمسائل ألتي ذكرناها إحداهما ألسُؤال عن ماهية ألروح؟ وَألثانية عن قِدمِهَا وَحدوثها؟


أوّلاً: أنهم قالوا مَا حقيقة ألروح وَماهيته؟ أهُوَ عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا ألبدن متولدة مِن إمتزاج ألطبائع وَألأخلاط أو عبارة عن نفس هذا ألمزاج وَألتركيب أو هُوَ عبارة عن عرضٍ آخر قائم بهذِهِ ألأجسام أو هُوَ عبارة عن موجود مغاير لهذِهِ ألأجسام وَلهذِهِ ألأعراض.. بأنه مَوجود مُغاير لهذِهِ ألأجسَام وَلهذِهِ ألأعراض وَذلِك لأنَّ هذِهِ ألأجسام وَهذِهِ ألأعراض أشياء تحدث مِن إمتزاج ألأخلاط وَألعناصر وَأمَّا ألروح فإنه لَيسَ كذلِك بَل هُوَ جوهر بسيط مُجرَّد لا يحدث إلاَّ بمحدث قوله جلَّ وعلاَ "كن فيكون" فقالوا لِمَ كان شيئاً مغايراً لهذِهِ ألأجسام وَلهذِهِ ألأعراض فأجاب الله بأنه موجود يحدث بأمر الله وَتكوينه وَتأثيره في إفادة ألحياة لهذا ألجسد وَلاَ يلزم مِن عدم ألعِلم بحقيقتهِ ألمخصوصة نفيه فإنَّ أكثر حقائق ألأشياء وَماهياتها مجهولة وَلَم يلزم مِن كونها مجهولة نفيها وَهذا هُوَ ألمراد بقولهِ - وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً.

 
وَثانياً: أنَّ لفظ ألأمر قد جاء بمعنى ألفعل قالَ تعالى: وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ -97 : هود.. وَقال: لَمَّا جاءَ أَمْرُنا - 58 : هود.. أي فِعلنا فقولهُ - قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.. مِن فِعل ربي وَهذا ألجواب يدلّ علَى أنهم سألوا أنَّ ألروح قديمة أو حادثة فقال بلّ هِيَ حادثة وَإنمّا حصلت بفِعل الله وَتكوينه وَإيجاده ثمَّ إحتج علَى حدوث ألروح بقولهِ - وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً.. بمعنى أنَّ ألأرواح في مَبدإ ألفِطرة تكون خالية عن أو مِن ألعلوم ثمَّ تحصل فيها ألمعارف وَألعلوم فهِيَ لاَ تزال تكون في ألتغيّر مِن حالٍ إلى حال وَفي ألتبديل مِن نقصان إلى كمال وَألتغيّر وَألتبدل مِن أمارات ألحدوث فقولهُ - قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.. يدل علَى أنهم سألوا أنَّ ألروح هل هِيَ حادثة أمّ لاَ.. فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وَتكوينه ثمَّ إستدل علَى حدوث ألأرواح بتغيرها مِن حالٍ إلى حال.. (مفاتيح الغيب : ج ٢١ ، ص ٣٧).

وَألأقوال ألأخرى في تفسير ألروح في هذِهِ ألآية فمنها أنه ألقرآن كمَا مَرّ وَمنها أنه مَلِك مِنَ ألملائكة هُوَ أعظمهم قدراً وَقوة وَهُوَ ألمراد مِن قولهِ تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا - 38 : النبأ.. وَنقلوا عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: هُوَ مَلِك عظيم وَلَم يخلق الله خلقاً أعظم مِن ألروح غير ألعرش. ثمَّ ذكرَ مِن ألوجوه أنه جبرئيل وَ وجها آخراً عن مجاهد أنه خلق لَيسوا بالملائكة علَى صورة بني آدم يأكلون وَلَهم أيد وَأرجل وَرءوس وَقال أبو صالح يشبهون ألناس وَليسوا باٌلناس.

وَقولهُ تعالى: اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها.. قالَ ألطبرسي أيّ يقبضها إليه وقت موتها وَإنقضاء آجالها وَألمعنى حين موت أبدانها وَأجسادها علَى حذف ألمضاف "وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها" أيّ يتوفى ألأنفس ألتي لَم تمت في منامها وَألتي تتوفى عند ألنوم هِيَ ألنفس ألتي يكون بهَا ألعقل وَألتمييز فهِيَ ألتي تفارق ألنائم فلا يعقل وَألتي تتوفى عند ألموت هِيَ نفس ألحياة ألتي إذا زالت زالَ معها ألنفس وَألنائم يتنفس فاٌلفرق بَين قبض ألنوم وَقبض ألموت؟ أنَّ قبض ألنوم يضاد أليقظ وَقبض ألموت يضاد ألحياة وَقبض ألنوم يكون ألروح معه وَقبض ألموت يخرج ألروح مِنَ ألبدن "فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ" إلى يوم ألقيامة "وَيُرْسِلُ الْأُخْرى" يعني ألأنفس ألتي لَم يقض علَى موتها يريد نفس ألنائم "إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" قد سمي لموتهِ "إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ" أي دلالات واضحات علَى توحيد الله وَكمال قدرته "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" في ألأدلة إذ لا يقدر علَى قبض ألنفوس تارة بالنوم وَتارة باٌلموت غير الله جلّت قدرته.. قالَ إبن عباس في بني آدم نفس وَ روح وَبينهُمَا مثل شعاع ألشمس فاٌلنفس ألتي بها ألعقل وألتمييز وَألروح ألتي بها ألنفس وَألتحريك فإذا نام قبض الله نفسه وَلَم يقبض روحه وَإذا مات قبض الله نفسه وَروحه وَيؤيده مَا رواه ألعياشي بالإسناد عن ألحسن بن محبوب عن عمرو بن ثابت أبي ألمقدام عن أبيه عن أبي جعفر محمد ألباقر قال: مَا مِن أحد ينام إلاَّ عرجت نفسه إلى ألسماء وَبقيت روحه في بدنهِ وَصارَ بينهما سَبَب كشعاع ألشمس فإذا أذن الله في قبض ألأرواح أجابت ألروح ألنفس وَإن أذن الله في رَدِّ ألروح أجابت ألنفس ألروح وَهُوَ قولهُ سُبحانه " اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها".

 
وَرويَ عن أبي ألحسن (ع) يقول إنَّ ألمرء إذا نام فإنَّ روح ألحيوان باقية في ألبدن وَألذي يخرج منه روح ألعقل فقال عبدألغفار ألأسلمي يقول الله عز وجل "اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها " إلى قولهِ " إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" أفليسَ ترى ألأرواح كلّها تصير إليه عِندَ منامها فيمسك مَا يشاء وَيرسل مَا يشاء فقال له أبو الحسن (ع) إنما يصير إليه أرواح ألعقول فأمَّا أرواح ألحياة فإنها في ألأبدان لا يخرج إلاَّ بالموت وَلكنه إذا قضى علَى نفس ألموت قبض ألروح ألذي فيه ألعقل وَلَو كانت روح ألحياة خارجة لكان بدناً ملقى لا يتحرك وَلقد ضرب الله لهذا مثلاً في كتابه في أصحاب الكهف حيث قال: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ - 18 : ألكهف.. أفلا ترى أنَّ أرواحهم فيهم بالحركات؟.

وَقال ألرازي ألنفس ألإنسانيَّة عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلَّق بالبدن حصل ضوؤه في جميع ألأعضاء وَهُوَ ألحياة وَإنَّ وقت ألموت ينقطع تعلّقه عن ظاهرِ ألبدن وَعن باطنهِ وَذلِكَ هُوَ ألموت وَأمَّا في وقت ألنوم فإنه ينقطع تعلّقه عن ظاهرِ ألبدن فثبت أنَّ ألنوم وَألموت مِن جنسٍ واحد إلاَّ أنَّ ألموت إنقطاع تام كامل وَألنوم إنقطاع ناقص مِن بعضِ ألوجوه إذا ثبت هذا ظهر أنَّ ألقادر ألعالم ألقديم ألحكيم دبَّرَ تعلّق جوهر ألنفس باٌلبدن علَى ثلاثة أوجه أحدها: أن يقع ضوء ألنفس علَى جميع أجزاء ألبدن ظاهره وَباطنه وَذلِكَ هُوَ أليقظة وَثانيها: أن ينقطع ضوء ألنفس عن ألبدن بالكُلِّيَة وَهُوَ ألموت وَثالثها: أن ينقطع ضوء ألنفس عن ظاهر ألبدن دون باطنه وَهُوَ ألنوم (مفاتيح الغيب : ج ٢٦ ، ص ٢٨٤).

وَعن زرارة قال: سألت أبا جعفر ألباقر (ع) عن قولِ الله "يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي".. قالَ خلق مِن خلق الله وَ "الله يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ 1 : فاطر" (العياشي: ج ٢ ، ص ٣١٦).. ويُبيِّن محمد باقر ألمجلسي صاحب بحار ألأنوار بأنه يمكن حمل الخبر علَى ألروح ألإنساني وَإن كانَ ظاهره ألمَلِك أو خلق أعظم منه كما مَرّ.
وَفي ألمصدرِ نفسه.. عن أبي بصير قال سألته عليه ألسلام عن قولهِ " وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي".. قالَ ما ٌلروح ألتي في ألدواب وَألناس؟ قلت وَمَا هِيَ؟ قال هِيَ مِنَ ألملكوت مِن ألقدرة (ج ٢ ، ص ٣١٧).

وَفي قولهِ تعالى " فَإِذا سَوَّيْتُهُ - 29 : ألحجر..قالَ ألبيضاوي أيّ عدلت خلقه وَهيأته لنفخ ألروح " وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي - 29 ألآية نفسها.. حتى جرى آثاره في تجاويف أعصابه أو أعضاءه فحيي وَأصل ألنفخ إجراء ألريح في تجويف جسم آخر وَلمَّا كان ألروح يتعلق أوَّلاً بالبخار أللطيف ألمنبعث مِن ألقلب وَتفيض عليه ألقوَّة ألحيوانيَّة فيسري حاملاً لهَا في تجاويف ألشرايين إلى أعماق ألبدن جعل تعلقه نفخاً (أنوار ألتنزيل : ج ١ ، ص ٦٤٨).

ناجي امهز   الاستاذ حميد الواسطي   May 17, 2017 6:36 PM
مقال رائع ومليء بالعمق وغني بالمعرفة
شكرا على هذا الجهد







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز