عادل أسعد
adelas3ad@hotmail.com
Blog Contributor since:
23 May 2012

 More articles 


Loading...
Arab Times Blogs
عاشق فطوم يصارع طواحين سوريا

                                                                              

(افتحي قلبي و خدي منه شي نارة مهما فتلتي مافي متلي بالحارة) .. كنا نجلس مشدوهين و مشدودين أمام التلفاز العريض ذو المفاتيح الثلاثة الضخمة في انتظار نتيجة المقلب الذي يعمل عليه غوار بمساعدة صديقه القبضاي أبو عنتر للفوز بقلب فطوم و بمستقبلها . كنا ندفع ذواتنا دفعاً للايمان بأن هذا المقلب سوف يكون هو النهائي و أنه محبوك هذه المرة ببراعة تستطيع التغلب على قوانين الواقع الذي لا يقبل بأن تكون فطوم لغوار و سوف تأتي الخاتمة السعيدة المرجوة و المكنونة في خاتم زواج البطل على محبوبته ، أو لنقل بلغة أدق و أصدق .. على معبودته .

عشق غوار فطومة بجنون و عشقناها معه لأنه نجح في أن يجعلنا ننظر إليها بعيونه هو لا بعيون الواقع . بكى ألماً و لوعة على فقدان قلبها للابد و بكينا معه و مازلنا . صرخ بأعلى صوته في المشهد الأخير مناديا باسمها بصوت اخترق جدران السجن و تجاوز حدود حارة (كل مين ايدو الو) و (كل مين سلاحو الو) ليستقر في مستوى عواطفنا الجمعية التي تتشابك فيها أيادينا جميعاً بعضها ببعض .

لطالما أعجبت بشخصية غوار الطوشة التي يؤديها الممثل دريد لحام في مسلسل صح النوم ، و لطالما لفت نظري النجاح الجماهيري الضخم الذي حققه هذا المسلسل الفريد الذي تجاوز المكان و عبر الأجيال ، و استطاع ببراعة نادرة أن يقفز بأريحية و سلاسة فوق حدود الأرض و حواجز الزمن دون منافسة تذكر من أي عمل آخر باستثناء مسلسل ضيعة ضايعة و شخصية جودة أبو خميس .                               لتحليل هذا النجاح الواسع لعمل تم صنعه في زمن كانت الأدوات فيه بسيطة و الامكانيات متواضعة دعونا ننطلق من بديهية أن النجاح الجماهيري لا يعرف العفوية . أي بما معناه أن تقبل فكرة ما و نجاحها له دائما أسبابه الوجدانية العميقة و التي تكون على الغالب مستترة و متوارية تحت تبريرات مبسطة لأسباب تلقف الجمهور لهذه الفكرة أو الشخصية سواء كانت فنية أم أدبية . و نفس الأمر يقاس على الأنشطة الاقتصادية و السياسية و العسكرية .

في الواقع أن كل الشخصيات الرئيسية في مسلسل صح النوم تستدعي الدراسة و التحليل بهدوء و روية بدءً من صعلوك حارة (كل مين ايدو الو) غوار الطوشة وصولاً إلى أبو كلبشة رئيس المخفر مرورا بياسينو البسيط و الساذج . و حسبما قال الكبير عاصي الرحباني في احدى مقابلاته بأن المتلقي أو المشاهد هو مبدع في تلقيه و تفسيره للعمل للفني فنحن سوف نبدع عندما نحلل صح النوم . و قد يفضي تفكيك العمل نقدياً إلى تفصيلات و استنتاجات لم يكن يقصدها عن وعي و بشكل حرفي كاتبه الفنان القدير الراحل نهاد قلعي لكنه بالتأكيد كان يقصدها ، بل ويقصد ما بعدها ، حرفياً في لاوعيه الفني الذي أفرز توهجاً فنياً في العمل ككل بدءً من النص وصولاً لاداء كامل الطاقم . و عند هذا التوهج يكمن الخط الفاصل ما بين الأدب و الفن .

 و الأن فلنحاول أن نستخلص من هذا المسلسل رسائله المستترة التي لمست وجداننا و ألقت بأحجارها في بركة عواطفنا فلبربما نرى بين ثنايا (صح النوم) شيئاً مرتبطاً بالمأساة التي تعيشها الحبيبة سوريا اليوم .    في البداية يضعنا العمل في حارة صغيرة في هذا العالم الشرقي الممتد ، و بالتحديد في مبنى صغير هو اوتيل صح النوم . الحارة تعكس صورة عالمنا الواسع في حدوده و الضيق في أخلاقه . بينما يصور الاوتيل نزل أو مأوى لقصة صراع و حب فروسية تبحث عن مكان لها في خضم فوضى الأخلاق . فطوم المنشودة هي مالكة الاوتيل وهي الآمرة الناهية فيه كما تأمر و تنهي على قلب غوار ، و هي في الواقع ليست بذاك الجمال الصارخ الذي يستقطب باقي أبناء الحارة لكنها مميزة جداً لأنها تملك خاصية فريدة و تشكل رمزاً لشيء ما قد لمس قلب غوار في الصميم لأن عيناه هو بالذات دوناً عن غيره قد سبرت ذاك الشئ الذي ضربه في مقتل عاطفي و لذلك هو صرخ في أغنيتة الحزينة في ختام المسلسل قائلاً (لا تشوفوها بعيونكم بس شوفوها بعيوني) .

لفطوم حيص بيص خال يعكس بشكل عام صورة الفئة ذو العقلية التقليدية و العادات الكلاسيكية السائدة لدى طيف كبير من مجتمعاتنا . فهو يملك دكان جزارة و ميسور الحال و بالرغم من ضعف شخصيته إلا أن العادات أكسبته سيطرة على قرار فطوم الراشدة و المالكة و ذات المكانة المعتبرة . و من الناحية العملية و المادية هو شخصية لا تخلو من الجبن و الضعف و حب المال  و رغم ذلك فأنه هو من حسم خاتمة فطوم رغماً عنها و عن الحب بإشارة من يده التي يقطع بها اللحم .

ياسين أو ياسينو هو شخصية صعبة الصنع من الناحية الأدبية ، فعلى عاتقه سوف يقوم المقلب و بنفس الوقت بسببه سوف يفشل و تنكشف الحقيقة . و لكن عملياً (ضمن العمل) فالأمر معكوس  لأن لياسين شخصية مسطحة و سهلة التشكيل و هي تغير تموضعها بسرعة و سهولة و هذا يعكس صورة شريحة كبيرة من البشر . فهو الانسان الساذج ، المتلقي و الغير مبدع . و من الممكن ببساطة اقناعه بفكرة غريبة عليه مهما كانت بعيدة عن تفكيره و جعله يتبناها عن طيب خاطر ، فهو الذي تزوج فطوم في لحظة خاطفة و على غفلة من الزمن لمجرد أن الخال الجزار أمر بذلك .

أبو كلبشة هو في المجمل شخصية ايجابية في العمل ، فهو غير مرتشي ، و بالرغم من تبجحه بنفسه فهو مهاب الجانب و فعال و يستطيع القبض في كل مرة على غوار و أبو عنتر . و لكنه يبقى واحداً من أبناء الحارة و يقع عليه ما يقع عليها و هكذا هو قد سقط في مقلب (محو الذاكرة) مثله مثل الباقين و لكن في النهاية هو من وضع جميع المخالفين وراء قضبان محكمة الاغلاق .

أما أبو عنتر فهو مثل غوار شخصية مبتكرة في الأعمال الدرامية . هو يتمتع بطبيعة مركبة ولكن بدرجة أقل من غوار . فهو في الأصل أزعر لكنه مع الوقت أصبح أقرب للصعلوك . كان يتطاول على الأضعف منه لأجل الفائدة لكنه بات يساند غوار حتى النهاية في صراع حبه فتحول من لاهث وراء المادة إلى باحث عن القيمة . تحولت شخصيته من معاداة المجتمع ككل إلى الولاء لفارس يخدمه . أبو عنتر يعكس فينا ذاك النوع من الرجال الذين تقلبوا في مسيرة حياتهم ليتعرفوا في النهاية على دربهم فساروا فيه إلى نهاية الخط في اخلاص و أمانة ... هو في النهاية سانشو الذي تبع دون كيشوت بكل اخلاص .

لم يعرف أحد أصل و فصل غوار الطوشة ، و لم نرى في العمل أي دلالة عن منزله أو مأواه أو منبته . هو ابن هذه الأرض الذي يعمل في الاوتيل و يخدم فيه و يأكل منه و لكن كل ذلك يدور حول المالكة فطوم . نزل فطوم هو مأواه . خدمتها هو عمله ، رضاها هو حلمه ، الفوز بقلبها هو كل ما يأمل . لكن لأجل الوصول لتحقيق حلمه كان على غوار أن يركب حصان أحلامه و يحارب على كل الجبهات دون خوف أو كلل كل طواحين الهواء التي تدور في مجتمعنا . حارب حتى آخر رمق و آخر نفس ، فحين أغلق عليه في النهاية السجن لم يبق له سوى الكلمات ليقاتل بها أنشد وجدانه بكلمات " فطوم فطومة " . كان عليه أن يحارب عادات الحارة التي عاشت عليها محبوبته و التي جعلتها ترى نفسها تقع في مكانة أعلى منه . كان عليه أن يحارب الفقر و يحارب زمنه الذي حرمه من التعليم و بالتالي من الاحترام و من المكانة المعتبرة في عيون فطوم .

و مع أن مقالبه تخالف القانون إلا أن غوار في الجوهر هو فارس مقاتل لا يشق له غبار . فبالرغم من فقره المدقع هو قد احتقر المال و لم يقم له أي وزن أمام الحب . فعندما سرق الاسوراة الذهبية من الصائغ هو استخدمها فقط لابعاد حسني البورظان عن محبوبته دون أن يلتفت ولو بنظرة إلى قيمتها . و عندما جمع كل أموال الحارة عندما ادعى أنه أمير دولة طوالستان قام من بعدها بتوزيع هذه الثروة على الفرقة الموسيقة لإغاظة منافسه حسني دون أن يحتفظ بقرش واحد لنفسه . و هذه المقالب ترينا بأن غوار في الواقع قادر بسهولة على جمع المال ان هو أراد ذلك لكنه كان طول الوقت في حالة ترفع عن المادة لأنه كان عائماً في حالة الحب .

لكن لماذا صنع هذا المشاكس الذكي بالفطرة من أحلامه حصاناً يلهث وراء فطوم ؟؟ الجواب برأي يكمن في الشيء الذي كان يبحث عنه دون كيشوت صح النوم و هو البيت أو النزل و لكن ليس أي بيت بل ذاك القائم على أساسات الحب و ليس المادة . هو كان يبحث عن الملاذ من حياة لم تعرف الراحة إلى الاستقرار الذي يمثله اوتيل محبوبته الأمومي ، و في النهاية كان غوار يهرب من قساوة ماضيه و غربة روحه إلى وطن مفترض لكنه في ذات الوقت هو حي و متجسد في شخص فطوم .

لكنها مأساة القدر وعبثية الحياة تدور و تلعب من جديد مع الفارس المغوار غوار ، فوطنه كان ينظر في اتجاه آخر بعيداً عن الطربوش . و بالنسبة لفطوم فإن دون كيشوت الذي يسعى وراءها هو مايزال يعيش في زمن قد ولى إلى غير رجعة . و حسني القادم الجديد بشخصيته المتعلمة و ثيابه العصرية و عقليته المهذبة قد سحرها فلم تعد تنظر بعين التقدير إلى قيم باتت بالنسبة لها بالية و مهترئة مثل الزعامات و العنتريات و الفهلويات .. وقعت فطوم في عشق الحداثة و الانفتاح و العلم و سلمت لحسني كل مفاتيحها بصرف النظر عن شخصيته التي ابتعدت في كثير من الأحيان عن الحزم و الحسم و لجأت إلى التسامح و التفهم . و بصرف النظر أيضاً عن فلسفته المعقدة التي رأيناها في تكراره لجملة (إذا أردنا أن نعرف ماذا في ايطاليا فعلينا أن نعرف ماذا في البرازيل) هذه الجملة التي كان حسني المتعلم ينبهنا بها إلى أن ما يحدث و سوف يحدث في الحارة إنما هو مرتبط أو هو نتيجة لما يطبخ خارج أبوابها . و لكن و لمفارقة القدر الكبيرة فأن وطن غوار الأمومي قد وقع بدوره في ذات الألم الذي طحن الابن فتحولت فطوم إلى فارسة حالمة دون كيشوتية سقطت أمام واقع الشرق بسرعة خاطفة و بالضربة القاضية عندما قام خالها أبو رياح الجزار العتيق بخطفها من أحلامها في لحظة النهاية و سلمها تسليماً باليد إلى الساذح ياسين حلالاً ذلالاً له .

أغلقت دراما صح النوم بلوحة المعذب المغوار غوار و هو ضمن قضبان سجنه التي أصبحت أكثر قوة و صلابة بدلاً من أن تتحطم و تذوب . و من حوله انتشروا صعاليكه و هم يقرعون القباقيب من كل حجم و شكل و التي تعد امتداداً لقبقاب كبيرهم الذي كان يدل صوته على حضور و قيامة غوار عندما كان حراً أو .. حالماً .

قبض غوار على قضبان السجن بيديه و بكى بقلبه و عقله .. بكي معذباً لأن قيمه انهزمت و محرابه سقط ، بكى و صرخ بكل لغات الأرض أحبك يا فطوم .. بكى على حلمه الضائع و لكنه بكي أكثر على الألم الذي حل على معشوقته و على نهايتها المأساوية . و أخيراً بكى غوار على حلم الوطن الذي ضاع بين أبو رياح و ياسين وهنا أطلق رجاؤه المكبوت الذي اخترق الجدران و عبر المسافات و اجتاز الزمان و خاطب سوريا الحبيبة و الأم راجياً ...لا تتركيني أيتها الغالية مهما أذلني حبك .

 

     

 

 

 

 

 

 







Loading...
تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز