أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
هنيئا للشعب الفرنسي برئيسه الشاب ، إيمانويل ماكرون

هنيئا للشعب الفرنسي برئيسه الشاب ، إيمانويل ماكرون ᴉᴉᴉ

فاز المترشح الفرنسي ، إيمانويل ماكرون ، بمنصب رئيس الجمهورية الفرنسية ، ولم يتجاوز التاسعة والثلاثين من عمره . ويعتبر صاحب حركة « إلى الأمام En marche » ، والرئيس الثامن للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الرئيس الراحل شارل ديغول ، يعتبر اصغر رئيس جمهورية لفرنسا في التاريخ . منذ عام فقط ، لا أحد كان يرشحه للتربع على هرم السلطة في فرنسا ، ولكنه حقق معجزة .

كان من المفروض أن تتوجه تهاني إلى الشعب الجزائري الذي أنتمي إليه بمناسبة إجراء الانتخابات التشريعية لاختيار نواب الشعب الذين سيمثلونه لمراقبة عمل الهيئة التنفيذية في تسيير شؤونه . لم أفعل ذلك ، لأني ليس من اللائق توجيه التهنئة إلى ناجح نجح بواسطة الغش والتلاعب والتدليس . نسبة مشاركة الجزائريين كانت أقل بكثير من تلك المعلن عنها رسميا ، لأن الشعب لم يجد من وسيلة ليعبر بها عن غضبه سوى الامتناع عن التصويت .

الشعب الجزائري ، مثل غيره من الشعوب العربية والمستعربة ، لم يبلغ سن الرشد الديمقراطي . كلامي هذا ربما سيثير الكثيرين ويغضبهم ، لأني بهذا أعتبر الشعب الذي حقق ملحمة نوفمبر قاصرا لا يعرف مصلحته. لنفرض أن الانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو المحلية أجريت دون تزوير لفاز بها الإسلاميون ، وبالأغلبية المطلقة . ولنا أمثلة في الجزائر ومصر وتونس والمغرب والأردن وغزة وغيرها . هذه الشعوب مهيأة نفسيا وأيديولوجيا ودينيا للإيمان بـ « بابا نوال Elles croient au Père Noel » . لا يمكن للديمقراطية أن تنجح في ظل استخدام الدين في السياسة . الشعوب العربية يتهيأ لها أن الإسلاميين سيقيمون العدل بين الناس ، وسيعطون كل ذي حق حقه ، إن هم وصلوا إلى الحكم ، وأن تطبيق الشريعة سيحل كل المشاكل . لو يصل الإسلاميون إلى الحكم فستقطع الأيدي ، وسترجم النساء ، وستقطع الرؤوس في الساحات العمومية أيام الجمعة كما هو جار في مملكة « خادم الحرمين الشريفين » ، وسيبقون في الحكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ᴉᴉ

لقد جرب الشعب الجزائري حكم الذين حكموا الجزائر باسم الشرعية الثورية ، ورأى بأنهم أوصلوا الجزائر إلى طريق مسدود . ثم حاول تجريب حكم الذين قالوا أنهم مفوضون من قبل الإله للحكم باسمه ، فكانت النتيجة قتلا ودمارا قارب ما فعلته فرنسا الاستعمارية خلال حرب التحرير . فلولا الجيش الوطني الشعبي لكانت الجزائر في خبر كان .

النظام الحاكم في الجزائر لم يسمح ببروز طبقة سياسية من خارج صفوفه ، لذلك تفتقر الجزائر إلى إطارات سياسية يعتمد عليها مستقبلا لتسيير البلاد . وعليه لا تتعجبوا من المستوى الثقافي والسياسي لأغلب المترشحين في الانتخابات التشريعية ، ليس لأن الجزائر تفتقر إلى الكفاءات ، ولكن النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة كما قال رجل المال والتاجر البريطاني توماس غريشامThomas Gresham  "La mauvaise monnaie chasse la bonne"

أعود إلى الموضوع الأساسي الذي كتبت من أجله هذا المقال ، وهو الانتخابات الرئاسية الفرنسية . هذه الانتخابات تؤثر بشكل مباشر على الجزائريين في الجزائر وفي فرنسا . تعتبر فرنسا المتعامل الاقتصادي الثاني للجزائر في العالم ، حيث أن حجم المبادلات بين البلدين بلغ سنة 2014 أكثر من 10 ملايير يورو ، ويوجد بالجزائر أكثر من 500 مؤسسة اقتصادية فرنسية ، وفرنسا هي أول مستثمر مباشر  خارج المحروقات في الجزائر IDE= Investisseurs directs étrangers hors hydrocarbures  ، حيث بلغت الاستثمارات الفرنسية أكثر من ملياري (2) يورو . وبلغت الصادرات الفرنسية في سنة 2014 نحو الجزائر 6,4 مليار يورو ، بينما بلغت وارداتها أكثر من 4 مليار يورو . وتحتل فرنسا المرتبة الرابعة من بين زبائن الجزائر .
ويبلغ عدد الذين يحملون الجنسية الجزائرية فقط والمقيمين بفرنسا أكثر من 750000 فرد ، بينما يبلغ ذوو الجنسية المزدوجة
les binationaux أكثر من مليون شخص . وقد بلغ عدد السواح الجزائريين الذين طلبوا تأشيرة الدخول إلى فرنسا سنة 2015 أكثر من 400000 شخص . ويدرس في فرنسا أكثر من 20000 طالب جزائري . وأشير أن هناك عددا من الجزائريين الذين يقيمون بصفة غير قانونية أو سرية في فرنسا يقدر بعشرات الآلاف . نسيت أن أذكر أنه يوجد عشرات الآلاف من المتقاعدين الجزائريين المقيمين بشكل رئيسي في الجزائر يتلقون معاشاتهم من فرنسا .

من خلال هذه الأرقام ، نلاحظ الارتباط القوي الموجود بين الجزائر وفرنسا ، ومدى تداخل المصالح بين البلدين . فأي تغيير سياسي في فرنسا يكون له أثره على الجزائر .
رغم الإرث التاريخي الثقيل بين البلدين ، إلا أنه محكوم عليهما أن يتعاونا ليحققا مصالح شعبيهما . أنا ضد أولئك الذين يطالبون بمقاطعة فرنسا لأسباب أيديولوجية وتاريخية . توجد دولة يشبه تاريخها تاريخ الجزائر ، وهي فيتنام.الفيتناميون يعملون كل ما في وسعهم للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية  وفرنسا في مختلف المجالات رغم ما تعرض له الشعب الفيتنامي على يدي هاتين القوتين الاستعماريتين . الشعوب الذكية تنظر نحو المستقبل ، أما الماضي فتتركه للمؤرخين يكتبونه ويدرسونه للأجيال الآتية حتى يأخذوا العبرة من الجرائم المرتكبة والأحداث الأليمة ، والعمل سويا حتى لا تتكرر مستقبلا .

الشعب الفرنسي شعب واع ، فرغم عدم رضاه عن حكومته بسبب إخفاقها اقتصاديا ، وارتفاع معدل البطالة في فرنسا حيث فاق  10% ، ورغم عدم تأييد شريحة هامة من الفرنسيين للسيد إيمانويل ماكرون ، لأنه من أنصار النظام الليبرالي في الاقتصاد « دعه يفعل ، دعه يمر Laisser faire, laisser passer » ، ومن دعاة تكيف فرنسا مع العولمة La mondialisation ،واتهامه بأنه مرشح المؤسسات المالية كالبنوك ، رغم كل ذلك فلم يختاروا مرشحة اليمين المتطرف ، مارين لوبان ،التي تدعو إلى الخروج من الاتحاد الأوربي والتخلي عن العملة الأوربية ، اليورو ، ومراقبة الحدود ، ووقف الهجرة إلى فرنسا ، وطرد المهاجرين غير القانونيين من بلدها ، إلغاء قانون الجنسية المزدوجة ، وتطبيق نظام الحماية في الاقتصاد Le protectionnisme ، وإعطاء الأولوية للمنتجات الفرنسية على حساب المنتجات الأجنبية . يشبه برنامجها برنامج السيد دونالد ترامب ، رئيس الإدارة الأميركية . تعرض الفرنسيين لعدة هجمات إرهابية من قبل متطرفين إسلاميين أدت إلى قتل العشرات منهم هو الذي يفسر تنامي شعبية حزب الجبهة الوطنية الذي تترأسه لوبان . لم يبلغ حزب اليمين المتطرف هذه النسبة ( أكثر من 34% ) من قبل . أكثر من ثلث الشعب الفرنسي بدأ يضيق ذرعا بهؤلاء الأجانب ، خاصة أولئك الذين يدينون بالدين الإسلامي ، مع التذكير بأن الذين يقومون بهذه الهجمات هم أقلية من المسلمين .

تخيلوا ، أيها الجزائريون  ، أن مسيحيين أو يهودا من أوربا وأميركا ومن غيرهما ، يقيمون معنا في بلدنا ، قام بعضهم بعمليات إرهابية قتلت العشرات منا ، كيف سيكون موقفنا منهم ؟ هل سنتركهم يعيشون بيننا ولا نعاقب الكل بالبعض ؟ الجزائريون يعرفون الجواب ᴉᴉ لم ينجر الشعب الفرنسي وراء دعاة الانتقام من المتطرفين منه ، بل أنه اختار الحكمة والتعقل والطريق الصواب . هنيئا لك أيها الشعب الفرنسي العظيم برئيسك الشاب الذي نتمنى له التوفيق، ونتمنى أن ننتخب ، نحن الجزائريين ، رئيسا شابا مثلكم ، يكون كفئا ومليئا بالحيوية والنشاط ، وأن نحيل أغلب مسئولينا الذين تجاوزوا السبعينيات والثمانينيات على التقاعد .
تابعت الانتخابات الرئاسية الفرنسية من أولها إلى آخرها ، من الانتخابات الأولية
Elections primaires  داخل كل من الحزبين ، الاشتراكي Parti socialiste وحزب الجمهوريينLes Républicains  ، حتى الانتخابات النهائية بدوريها ، الأول والثاني . لقد كان النقاش ذا مستوى عال ، وكان أغلب المترشحين يتميزون بالكفاءة ، وقد نوقشت كل القضايا التي تهم الشعب الفرنسي والاتحاد الأوربي . تمنيت أن يكون لدينا مترشحون بهذا المستوى في المستقبل .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز