د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
القرآن الكريم كتاب مقاومة وثورة على الظلم والإستبداد الإجتماعي والسياسي

بدأ نزول الوحي على الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بالكلمة الربّانيّة " إقرأ " التي  تأمر الإنسان أن يقرأ ليتعلّم ويغيّر ويتغيّر، ويجدّد الأشياء والعوامل التي تطوّر حياته وتجعلها ملائمة ومثمرة لتليق به ككائن مفكّر، وتساعده في محاولاته لفهم نفسه وعالمه، وتقرّبه من الله من خلال الأعمال الصالحات التي يقوم بها .

 

ألتوراة والإنجيل والقرآن كتب مقدّسة أوحى بها الله لأنبيائه لينشروها بين الناس لتقودهم إلى معرفته، وتهديهم إلى عمل الخير، وتغيّر واقعهم الوجودي بكل مكوّناته للأفضل.أي إنها كانت وما تزال ... كتب مقاومة للجهل والإستبداد بكلّ صنوفه ... هدفها تطوير حياة الإنسان وإسعاده، ورفض وتغيير واقعه السيء. ولهذا فإنها كانت مجدّدة، ومثّلت تحرّكا ثوريّا أطاح بقيم القبيلة وعنجهيّتها وتسلّطها، وبعبادة الأصنام، ووضعت قواعد تنظّم حياة المؤمنين، وأمرتهم أن يحبّوا أبناء دينهم، وأن يتعاونوا ويتعايشوا بالمعروف مع أتباع الأديان الآخرى الذين يختلفون عنهم في عقائدهم وممارساتهم.

 

إنها تدعوا إلى التعاون والوئام بين عباد الله جميعا. يقول الله في التوراة " وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه . كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم . وتحبه كنفسك. لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر .أنا الرب إلهكم." ويقول في الإنجيل المقدّس " تعلّموا فعل الخير.اطلبوا الحق.أنصفوا المظلوم .أقضوا لليتيم .حاموا عن الأرملة." ويقول في القرآن الكريم " يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم."

 

موسى وعيسى ومحمد إختارهم الله وكلّفهم أن يبلّغوا رسائله للناس، ويكونوا روّادا في خدمة الإنسانية ومحاربون ضدّ الظلم والفساد. وبناء على هذا التكليف الإلهي، فقد دعا موسى أتباعه للثورة وحرّرهم من العبوديّة المصريّة، وجاء بالوصايا العشر التي أعطاه الله إياها على جبل سيناء والتي تشكّل الأساس الأبرز في التراث اليهودي والمسيحي من حيث أهميّتها في تنظيم حياة الناس، وتمرّد على العنصرية المستمدّة من لون البشرة فتزوّج إمرأة سوداء هي " صفورا " إبنة النبي شعيب كدليل واضح على رفضه العنصريّة التي كانت مقبولة وتمارس على نطاق واسع في مجتمعه.

 

عيسى المسيح كان ثائرا ضدّ الظلم والكراهية، وداعيا للحب والمساواة بين البشر، وعانى وصلب كما يخبرنا الإنجيل المقدّس من أجل الإنسانيّة جمعاء . ولهذا فإن كل تعاليمه يمكن إيجازها بكلمة واحدة هي " المحبّة " بين الناس جميعا . لقد بشّر بالمحبّة والغفران والتسامح واعتبرها قواعد أساسية لسلوك الإنسان يمكن تطبيقها في كل زمان ومكان بقوله " سمعتم أنه قيل : تحبّ قريبك وتبغض عدوّك . وأما أنا فأقول لكم أحبّوا أعدائكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ." وقال أيضا " كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم إفعلوا هكذا أنتم أيضا بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء. "

 

محمد عليه الصلاة والسلام تصدّى لقساوة مجتمعه القبلي الصحراوي وبطشه عندما دعى أهل الجزيرة العربية إلى الإيمان بالله الواحد، وترك الوثنيّة وعبادة الأصنام، وإقامة العدل بين أفراد المجتمع، والتخلّص من المعتقدات والعادات والتقاليد الجاهليّة التي كانت تحطّ من قدرهم كأناس واستبدالها بقيم أخلاقية تنظم حياتهم وتصون كرامتهم . لقد حارب الظلم والتسلّط والنفاق بقوله " إن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " ودعا إلى التسامح والعفو بقوله " ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزّا ."وبقوله أيضا " ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار؟ قالوا بلى يا رسول الله : قال : كلّ هيّن ليّن، قريب، سهل."

 

القرآن الكريم يحثّ على إعطاء الناس حقوقهم وصيانة كرامتهم، ويرفض خذلان الأمة الإسلامية الحالي وعجزها عن الدفاع عن مصالحها، ويدعوا إلى الثورة والتمرد على الحاكم الذي يخون الأمانة، ويستبدّ بشعبه، ويتهاون في الدفاع عن أراضي ومقدّرات ومصالح وطنه ومواطنيه. إن ما يدعو إليه القرآن يتعارض تماما مع خذلان رجال الدين الذين يدعمون جرائم الحاكم ويدافعون عنه وعن نظامه .

 

التراجع الذي حدث في العالم العربي والإسلامي بدا منذ أن سيطرت المدرسة الفقهيّة على التفكير الديني والعلمي في القرن الحادي عشر الميلادي . لقد حارب الفقهاء التجديد والإجتهاد والإنفتاح على العالم وحرّموا وحلّلو كما أرادوا، وتحالفوا مع السلطة السياسية وتعاونوا معها فعزلوا المجتمع العربي والإسلامي ، ورفضوا إعمال العقل وحريّة التفكير وتمّسكوا بالنقل، فأعاقوا التقدّم العلمي والإجتماعي، وأبقوا الرؤية الدينية القديمة للعالم والمجتمع كما هي عند العرب والمسلمين ولم تتغيّر !

 

لقد فشلت المدارس الفقهية ورجال الدين فشلا ذريعا .... في تفسير النص الديني .... بطريقة تخدم مسلم العصر الحديث، وتساعده في حل مشاكله الدينيّة والدنيويّة، ففقد البوصلة، وعانى وما زال يعاني من تخبّط فقهي وإدراكي لدينه ولعالمه، ومن فشل واضح في تعامله مع محيطه الإجتماعي ومع العالم أدى إلى جموده وتخلّفه.

 

حقائق ومكونات الحياة في القرون الإسلامية الأولى .. تختلف إختلافا جوهريا .. عن ما هي عليه الآن . لقد غيّرت العلوم التطبيقية والإجتماعية والإنسانية والفنية عقولنا، وأنماط تفكيرنا، والقوانين التي تضبط تصرّفاتنا وتحمي حقوقتا ككائنات إجتماعية مفكّرة ذكيّة، وإكتشفت حقائق كونيّة وعلميّة غيرت إدراكنا لأنفسنا، ولكرتنا الأرضية، ولكوننا وكائناته. ولهذا فإنه لا يمكن التعامل مع أسس حياة ومتطلبات عالم القرن الحادي والعشرين بفكر ومفاهيم وأسس حياة القرن الثامن الميلادي !

 

معظم مشاكلنا الإجتماعية في العالم العربي بحاجة إلى .. دنيوة ..علميّة عصريّة قادرة على إيجاد حلول واقعيّة لها وليس إلى .. ديننة .. تبرّر وجودها واستمرارها ! ولهذا فإن العلم والتفكير الديني يجب أن ... لا يكون محصورا في نخبة ماضوية ... لا تنتمي إلى هذا العصر كالتي تهيمن على تفكيرنا كعرب ومسلمين الآن .إننا بحاجة إلى مؤسّسة دينيّة تجلّ العقل والبحث العلمي، تقبل التجديد والتجدّد، ترفض التعصب والتكفير، تتحالف مع المواطنين في رفض الطغيان والفساد، تعمل على تعميم فهم واسع وخلاّق للدين يحترم وينصف المواطنين جميعا بغض النظرعن اختلافاتهم السياسية والعقائدية ودرجة تديّنهم وألوان بشرتهم، وتساهم في بث الوئام والمحبة بين شعوب العالم.

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز