د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
بعد أكثر من 1000عام من الخلافات على لباس المرأة ، ما زلنا نحلم بتوحيد الدول الإسلامية !

نحن أمّة عجيبة غريبة ! إننا لا نتّفق على شيء ، وعباقرة في خلق المشاكل والعقبات التي تثير الشّقاق ، وتدعم الجهل والتسلّط والنّفاق ، وتعيق نهضتنا وتقدّمنا ، وتحاصر عقولنا ، وتبقينا نزحف في آخر ركب الحضارة العالميّة . المنطق عندنا مرفوض ، والمثقف منبوذ ، ورجل الدين الجاهل يصول ويجول ويشرّع لنا كما يشاء ونحن نتبع إرادته كالقطعان ، ونمنحه ما يحتاج إليه من قوّة ونفوذ  بذّل وخذلان !

 دول العالم مشغولة بقضاياها السياسية والإقتصادية والإجتماعية الهامّة ، ونحن نتجاهل ما نحن فيه من كوارث ، ونشغل أنفسنا بقضايا جانبيّة لا تستحيق الإهتمام الذي نوليها إياه . لقد مضى على فقهائنا أكثر من ألف سنة وهم يناقشون مواصفات الّلباس الذي ... يؤسلم نساءنا ويصونهنّ ... وفشلوا في الوصول إلى حل . إنهم  يتجاهلون معاناة المواطن ، واستبداد الحاكم ، والفقر ، والفساد المستشري في دولنا ومجتمعاتنا ، ويركّزون على قضايا جانبيّة لا تستحق كل هذه الخلافات وهذا العناء .

لباس المرأة لا يشكّل مشكلة في دول العالم إلا في دولنا القبائليّة التسلطيّة العربية وبعض الدول الإسلامية . المرأة في كل بقاع الأرض تلبس كما تشاء ، ولا أحد يهتم بذلك أو ... يلزمها ... على إرتداء ملابس بمواصفات دينيّة معيّنة ، إلا نحن العرب لم نتفق حتى الآن على مواصفات لباسها الإسلامي ، وما زال فقهاؤنا يناقشون الموضوع منذ ألف سنة أو أكثر ولم يتوصّلوا إلى حل نهائي  .

لقد تغيّر العالم بشكل هائل خلال السبعين عاما الماضية ، وحصلت المرأة على حقوقها السياسية والإجتماعية كاملة في معظم دوله واصبحت رئيسة ، ووزيرة ، وسفيرة  ، ورائدة فضاء ، وقسّيسة وقائدة دينية رغم معارضة الكنيسة ، وشريكة فعليّة للرجل في بناء الحضارة العالمية . كل هذا حدث لها في العالم ومشايخنا .. حفظهم الله .. ما زالوا مختلفين في تعريف وتحديد مواصفات لباسها الملائم  ، وينكرون أنها تحفظ كرامتها بعلمها ، وثقافتها ، ووعيها ، وأخلاقها ،  وليس بنوع لباسها ! لقد أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت في معظم دول العالم أن المرأة الجاهلة عديمة الثقافة تظل أكثرعرضة للإبتزاز والإنحراف من المرأة الحديثة بغض النظرعن نوع ومواصفات لباسها !

إننا فشلنا في كل شيء ، وما زلنا نحلم بتوحيد العالم الإسلامي ، وبإقامة الخلافة ، وبناء إمراطورية إسلامية تضمّ  حوالي  1700 مليون مسلم موزّعون في دول مستقلة في ... خمس قارات ... ، ويعانون من التخلّف والجهل والإستبداد ، ويختلفون في مذاهبهم الإسلامية ومعتقداتهم الفكرية والفلسفيّة فمنهم السنّي ، والشيعي ، والسلفي ، والزيدي ، والدرزي ، والوهابي ، والأباضي ، والمتزمت ، والليبرالي ، والاأدري ، والعلماني ، والملحد  .

جميل أن ندمج كل هؤلاء الناس في دولة واحدة ، لكن تحقيق ذلك يشبه إقامة .... جمهورية أفلاطون  ... في عالمنا المعاصر . إنه تفكير خيالي لا علاقة له بالواقع ومن المستحيل تحقيقه . العالم الذي كان موجودا قبل 1400 سنة يختلف تماما عن عالمنا المعاصر بالعدد والمكوّنات الفكرية والعلمية والسياسية والإجتماعية ، ولا يمكن إعادته لأن التاريخ لا يعيد نفسه بنفس مواصفاته الماضوية أبدا .

  المسلم الأوروبي ، والإفريقي ، والهندي ، والآسيوي ، والأمريكي ، والصيني ، والروسي ، والعربي  أناس يتشابهون في كونهم يؤمنون بنفس الدين وبنفس الإله الواحد ، ويعتقدون أن القرآن الكريم هو كتاب الله سبحانه  وتعالى ، وإن محمدا عبده ورسوله ، ولكنهم ينتمون إلى أعراق ومجتمعات متعدّدة ، ولهم انماط حياتهم ، وسلوكهم ، وعاداتهم وتقاليدهم المميّزة .

 إنهم أناس مختلفون في كل شيء بما في ذلك فهمهم للدين وتفسيره ! فالمسلم السعودي الوهابي لا يمكن أن يعيش بنفس نمط حياة وتفكير  المسلم الأندونيسي ، أو الجزائري ، أو الألباني ، أو الباكستاني ، أو الإيراني ، أو الأفغاني ، أو البوسني . إنهم يعيشون في عوالم متباعدة . إن أبسط أمثلة على ذلك هي أولا  وضع المرأة : هل يمكن أن تقبل المرأة الأندونيسيّة ، أو الألبانيّة ، أو التركيّة أن تكون مقيّدة ومحرومة من حقوقها كالمرأة السعوديّة أو الأفغانيّة أو اليمنيّة ؟ وثانيا هل يمكن للرجل الماليزي أو الهندي ، أو الأندونيسي الذي ينعم بحيز واسع من الحرية ، ويمارس الحياة ديموقراطية أن يقبل العبودية كما يقبلها المسلم العربي ؟

 لقد قامت باكستان على أساس الدين وفشلت وإنقسمت إلى دولتين بنجلادش وباكستان ، وقامت دولة طالبان الإسلامية وأرجعت الأفغان إلى العصور الوسطى ، وخلافة داعش فرضت نظاما إرهابيا لا يمكن لمجتمع إنساني أن يقبله ، ومشايخ وملالي العراق قسّموه وأوصلوه إلى وضعه الكارثي الحالي ، ودول الإخوان في مصر وتونس وغزّة فشلت ، وعندنا الآن عشرات المنظمات والفصائل الإسلامية المتقاتلة في العراق ، وسورية ، واليمن ، وليبيا ، والصومال ، ونيجيريا ، ومصر ، وأفغانستان ، وباكستان .. والماكنه ما زالت تفقس منظّمات إسلامية ... ! وكل فصيل منها له فهمه وتفسيره الخاص للإسلام ، ولا يتفق فصيلان منها على فهمهما للدين  إلى درجة أنهم جعلوا من ديننا الإسلامي الواحد أديانا إسلاميّة مختلفة لا نستطيع إحصائها ! فكيف نوحّد خمسة وخمسين دول مستقلة تقع في خمس قارات معظمها يعاني من الفقر والجهل والإستبداد والحروب ... في دولة إسلامية واحدة  ؟

حتى المنظمات الإسلامية العاملة في الساحة مثل منظمة المؤتمر الإسلامي ، ورابطة العالم الإسلامي ، والإتحاد العالمي لهيئة علماء المسلمين ، ومجمع الفقه الإسلامي  وعشرات المنظمات الإسلامية الأخرى التي مضى على إنشاء بعضها أكثر من 40 عاما ... مسيّسة ، ومختلفة في تفسيرها للدين ، وتصدر فتاوي يقبلها البعض ويرفضها البعض الآخر ، وتفسّر الدين والأحداث السياسية بطريقة تدعم الإستبداد والتسلّط حسب طلب "  أولياء الأمر " ، ولم تقدّم للأمة الإسلامية شيئا سوى زيادة الخلافات بينها ، وإصدار الفتاوي  التي تأسلم وتبارك الممارسات الظالمة التي تخدم موجديها ومموّليها .

نحن كذلك شعوب مستهلكة ولا يوجد عندنا صناعات ، ونستورد السيارة والطائرة والإبرة وحتى الحمص والفول من الدول الكافرة . ولهذا فإن .. خليفة .. دولتنا الإسلامية سيركب سيارة مرسيدس ألمانية ، ويطير بطائرة أمريكية ، ويلبس أحذية إيطالية ، ويجمّل معصمه بساعة رولكس سويسرية ، ويلبس أثوأبا من قماش إنجليزي ، ويهذّب لحيته وشاربه بماكينة كهربائية فرنسية ، أما طعامه فسنستورده له من دول متعددة حسب رغبته  أي إنه سيعيش على إنتاج ... " الكفار " .... كما يسميهم المشايخ  !

لا أحد يمكنه إنكار العاطفة الدينية . المسلم ، والمسيحي ، واليهودي ، والهندوسي كلّ يتعاطف مع أبناء دينه وقد يساعدهم في حل بعض مشاكلهم . هذا أمر طبيعي ولا يسبب مشاكل لأحد . إنها أوامر الله سبحانه وتعلى لعباده من جميع الأديان أن يتحابّوا ويتعاونوا لما فيه الخير لهم وللإنسانية جمعاء . ولهذا فإننا عندما نقول العالم المسيحي فإننا نعني ان هناك روابط روحية بين المسيحيين بمذاهبهم الدينية المتعددة ولا نعني انهم متشابهون حضاريا وثقافيا وإجتماعيا ويمكن توحيدهم في دولة دينية مسيحيّة واحدة . هذا الأ مر ينطبق أيضا علينا نحن المسلمين . إننا شعوب وقبائل مختلفة ، نلتقي في حب الله ورسوله ونختلف في كل شيء آخر !

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز