نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
جدول سوري عذب .. يحلّي البحر الأجاج .. قيثارة تعزف لحن الرصاص

هل هناك جدول عذب مجنون يهجم على البحر ويعتقد أنه سيحلّي ماءه ويجعل المحيط عذبا؟؟ الكاتب السوري المعروف حسن م يوسف قال في تعبير رومانسي جميل أنه غادر قريته مثل جدول صغير هبط من الجبل وانحدر ليتجه نحو البحر معتقدا بسذاجة أنه سيكون قادرا على أن يحلي ماء البحر !! .. ليكتشف أن الأحلام والطوباوية تصطدم بالواقع المر في بحر الحياة .. ولكن الحقيقة أن الجدول قد هزم البحر .. الذي تراجع أمام الجدول وتحول الى نهر عظيم أزرق عندما انسكب فيه ماء الجدول ..

منذ فترة سمعنا عن سوريين خونة يذهبون الى فلسطين المحتلة ويعقدون مؤتمرات ويبيعون الجولان وكل عقارات الوطن ويشترون السلطة ويكيلون المدائح لاسرائيل وشعب اسرائيل وعدالة اسرائيل .. ورأينا بأم اعيننا منظرا مقززا لسوريين يزوران حائط المبكى في حركة رخيصة هزلية لكسر حاجز نفسي .. ومنذ فترة والاعلام العربي والسعودي والاسلامي يصبّح علينا كل يوم بخبر لقاء جديد بين مسؤول عربي خليجي وبين مسؤول اسرائيلي غالبا مايكون أحد القتلة الين ارتكبوا احدى المجازر .. ويتبادل هؤلاء الصور التذكارية والمصافحات والقبل .. والشاي والقهوة والسكاكر والسجائر .. وأشياء أخرى ..

لم نعد قادرين على احصاء الخيانات .. ولم نعد قادرين على أن نعرف من الذي لم يزر اسرائيل .. لأنهم صاروا قلة في زمن الثورات الاسلامية الوهابية .. خديجة بن قنة تلتقط صورا بجانب المسجد الأقصى بعد حصولها علىى تأشيرة الدخول الاسرائيلية .. والاسرائيليون يتجولون في عواصم الخليج ويتسلون في المقاهي والأسواق فيما السوريون لاجئون في المخيمات في أطراف الصحارى ولايقدرون حتى على الحج وزيارة قبر النبي وبيت الله الحرام .. والاسرائيليون يتسكعون في تركيا الاسلامية ويتمددون عراة على شواطئ تركيا ويدخنون الأركيلة .. ويتريضون في تونس والمغرب فيما السوريون توصد في وجوههم الابواب العربية والاسلامية ويقفون في الطوابير أمام موظفي الهجرة والجوازات في معظم الدول العربية والاسلامية الذين يعاملونهم كما لو انهم اسرائيليون في زمن الستينات !!..

يتسابق المثقفون العرب والمعارضون السوريون جميعا لعقد لقاءات سلام وثرثرات ثقافية مع الوفود الاسرائيلية .. وتتبرع بسمة قضماني بأن تعتبر اسرائيل بلدا راقيا واننا بحاجة الى اسرائيل ولسنا بحاجة الى نظام البعث .. يتشدقون جميعا باسم المعاناة والثورة ليبرروا التطبيع مع اسرائيل .. وليس أسهل على الخونة من ايجاد المبررات ..

يصافح نتنياهو المسلحين السوريين الاسلاميين سفراء أبي محمد الجولاني وهم على حدود الجولان .. الجولان الذي اتهموا فيه الدولة السورية أنها لاتطلق الرصاص فيه فاذا بهم يصافحون نتنياهو ويعملون جنودا لديه .. وفي ادلب يتجول صحفي اسرائيلي ليسمع الجمهور الاسرائيلي مالم يكن يحلم بسماعه من عربي او سوري أو مسلم منذ خمس سنوات فقط عندما كان الاسرائيليون يحرثون جنوب لبنان وغزة .. وفي مخيمات الزعتري يتمشى الصحفيون الاسرائيليون وكأنهم في حديقة حيوان يرمون بقشور الموز وقطع الخبز الى القرود وطيور البط اللاجئة التي تركت أجنحتها في درعا .. وفي دوما يكلف الثورجيون مجرما ناطقا باسم جيش الاسلام اسمه اسلام علوش أن يتحدث الى الاسرائيليين وكأنهم أصل الاسلام ..

وكنت لاحظت منذ سنوات عمليات تطبيع مخططة مندسة بهدوء تحاول ربط النخب العلمية العربية بالنخب العلمية الاسرائيلية بذريعة أن العلم ليس له حدود سياسية على رأي الراحل أحمد زويل الذي زار اسرائيل وحاضر فيها ولم يتدخل العلم في السياسة الا عندما حدثت الأزمة السورية فقرر أن العلم يجب أن يتحدث في السياسة .. وقد كنت حضرت عددا من المؤتمرات العلمية في عواصم أوروبية وكان مايلفت نظري مواضيع علمية في جلسات عنوانها تجارب من "الشرق الاوسط" .. وهذا دمج للمصطلح السياسي في لقاء علمي وقد تابعت هذه اللقاءات ووجدت أنها جسور خبيثة للتطبيع .. ففي احدى الجلسات التي كانت تناقش هموما علمية في (الشرق الاوسط) .. كان المتحدث الأول من الكويت وله لحية عظيمة كثيفة كأنه قادم للتو من أراضي داعش .. تلاه متحدث سعودي ثم لبناني ثم ..اسرائيلي .. وبعد أن قدم كل منهم تجربته وهمومه وملاحظاته العلمية جلس الأربعة على المنصة التي ترأسها الاسرائيلي وعلى يمينه "العالم" السعودي وعلى شماله "العالم" الكويتي .. وجرى حديث ودود للغاية ومزاح وتبادل نكات .. وبعد نهاية الجلسة بدأت القهوة والشاي والحلويات .. بين العلماء الشرق أوسطيين .. ولقاء الكف بالكف .. والتربيت على الظهر والكتف وتبادل الايميلات طبعا .. ولاندري ماذا جرى بعدها ..

الاسرائيليون مستعجلون لانجاز عملية تطبيع شامل قبل أن يستيقظ الوعي وتعود الروح للأمة .. وهناك وحدة استخبارات موسادية على الفيسبوك بأسماء وهمية وديعة للدردشة البريئة بين اسرائيليين وعرب .. تطبيع ثقافي وعلمي وسياسي وديبلوماسي ونفسي ..

ومن يرى المشهد لهذا الهجوم الاسرائيلي الكاسح يعتقد أن لاشيء سيقف في وجه المطبعين والمطبعات .. لكن خبرا ينشر عن مهرجان موسيقي في مدينة كامبريدج يرد لك الروح وتحس بمذاق الماء الحلو وأنت تغرق في البحر المالح .. فهذا المهرجان دعي اليه موسيقيون اسرائيليون .. وسوريون .. للعب ذات اللعبة للمؤتمر الذي كان فيه ذو اللحية الطويلة الكويتية .. الخبر العذب يجعلنا نتوقف لالتقاط انفاسنا ونرى المشهد الذي يجب ان نراه .. عندما ترفض العازفة السورية مايا يوسف المشاركة في المهرجان البريطاني لأنه عملية تطبيع خبيثة بجمعها مع موسيقيين اسرائيليين .. وهي ترفض التطبيع في زمن التطبيع والخيانة ..

عندما تقرأ هذا الخبر تحس فجأة بتدفق الجدول العذب في عروقك .. وترى بأم عينك كيف أن هذا الجدول القراح يرغم البحر على التقهقر رغم مافيه من مطبعين ومطبعات .. الطعم الحلو للماء يحلي ماء البحر .. ويجعلك تدرك ان حلم الجدول الصغير الذي هبط يوما من الجبال لتحلية ماء البحر ليس حلما طوباويا .. فهاهو يدحر موج البحر ..

الجداول كثيرة جدا .. والبحر سينكمش دون شك .. وسيتراجع .. لأننا ننتصر بدم الشهداء والأبطال الذين جعلوا منا أقوياء لنقول مانشاء ونرفض أن نشرب ماء البحر رغما عنا ..
هذه المرحلة من التطبيع بين القتلة عابرة وستنتهي .. لأننا لم نهزم .. ولو هزمنا لكان الحاخامات الاسرائيليون يرقصون في سوق الحميدية بجدائلهم كما يفعلون في مطار عمان وفي البحرين .. وكانوا سيشاهدون يأكلون البوظة في محل بكداش .. ولكان أفيخاي أدرعي خطيب الجامع الأموي .. فمن سيعترض على طعم الملح اذا غابت كل الجداول العذبة .. ؟؟

فشكرا للجدول العذب الذي سقانا وسكب في كؤوسنا الماء بعد أن صار المطر مالحا .. وشكرا للجدول الذي بلل عروقنا الظمأى وحلوقنا التي تيبست .. ولايمكن الا أن نقول:
ان هذا الجدول .. من ذاك النهر .. والذي لم يكن يعتقد أن بامكانه أن يهزم ملوحة البحر .. ولكنه فعل ..

Image may contain: 1 person, sitting and text
Image may contain: 2 people, people standing






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز