د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
الإنسان يجب أن يقيّم بسلوكه وإنجازاته وليس بانتمائه العائلي أو القبلي

 

* لا يوجد في عالمنا إنسانين متطابقين في تفكيرهما وتعاملهما مع الناس والأشياء . لكل واحد منا سماته ، وقدراته العقليّة ، وقناعاته الفكريّة والعقائديّة والفلسفيّة ، وهمومه ومشاكله الخاصّة التي تختلف بشكل أو بآخر عن ما هي عليه عند الآخرين . ورغم وجود هذه الاختلافات بين أبناء وبنات آدم وحواء ، الا أنه يوجد هناك معايير وقيم أخلاقيّة ومفاهيم عالمية لتقييم الإنسان وسلوكه وفشله ونجاحه .

 

* كل مجتمع من مجتمعات العالم بغض النظر عن درجة تقدّمه أوتخلّفه ، له منظومة أخلاقيّة وسلوكيّة يحترمها ويمارسها كجزء هام من قيمه المتعارف عليها والمقبولة في بيئته. ألإنسان إجتماعي وأخلاقي بالفطرة ، وكل واحد منا يحب ويحترم الآخرين ، ويودّ أن يكون محبوبا ومحترما ، ويعيش بسعادة ، وينعم بسلام مع نفسه ومع الآخرين ، وينجح ويكون مميزا في حياته .

 * الإرادة الجمعية الإنسانيّة تعايشيّة تعاونيّة خيّرة ، ولهذا فإنه لا توجد مجتمعات مهما كانت متخلّفة  تحلّل وتبيح القتل ، والسرقة ، والاساءة ، والكذب ، والخداع ، والغش ، وإيذاء الآخرين إلخ. ، وتعلي مكانة الفاشلين .

* الحياة المعاصرة  القائمة على العلوم والمعارف المتطوّرة أحدثت قفزة حضاريّة هائلة نقلت الحياة الإنسانيّة في قرن من الزمان من مجتمعات متخلّفة بسيطة  في مكوّناتها  ومفاهيمها ، إلى مجتمعات  حديثة جدّا ومعقّدة قدمت لنا  خدمات علميّة ، وصناعيّة ، ومعرفيّة ، وتقنية ، ووسائل اتصال وتعليم ترفيه لم نعرف لها مثيلا منذ وجدنا على هذا الكوكب .

* هذا التقدم الهائل الذي قلب حياتنا رأسا على عقب ، أفرز الكثير من السيئات منها على سبيل المثال لا الحصرغلاء المعيشة ، وزيادة متطلّبات الحياة ، والتنافس الشريف والغير شريف على الكسب المادي ، والإبتعاد عن الروحانيات ، وتعاظم النزعة الفرديّة والتركيز على ..الأنا .. ، وتراجع الشعور باهميّة الانتماء إلى الأسرة الممتدة والجماعة ككل ، فانحدرت الثقة والمصداقية بيننا ، وازداد إحساسنا بالقلق والوحدة والضياع .

* هل هذا يعني أن الإنسان الذي عاش قبل قرن كان أفضل أو أسوأ منّا ؟ لم يكن لا هذا ولا ذاك ! كانت حياته أقل تعقيدا من حياتنا ، وبسيطة وسهلة ، ومحدودة المتطلّبات ، ومتلائمة مع مكوّناتها الإجتماعية ، وكانت له همومه ومشاكله . وهل هذا يعني أننا الآن في منتهى السوء وفقدنا كل قيمنا الانسانيّة النبيلة ؟ قطعا الجواب هو لا ! الإنسان طيّب وخيّر بطبيعته ، يحبّ الحياة ، ويريد أن يستمتع بها وهذا حقّه الطبيعي الذي لا يحق لأحد أن يحرمه منه . الذي تغيّر ويتغيّر كما ذكرنا هو طبيعة الحياة ومتطلّباتها وضغوطها . ولهذا فإن شريحة قد تكون كبيرة من الناس تلجأ هذه الأيام إلى ممارسة أساليب سلوكيّة ملتوية لإثبات وجودها ومواجهة الضغوط الإجتماعية والإقتصادية المختلفة التي تعاني منها .

* في مجتمعنا العربي ما زال عقل القبيلة وحبّ الظهور ... والمشيخة الاجتماعية والوجاهة والتخفّي بعباءة الكمال  ... من الأشياء الهامّة المحبّبة والمقبولة التي تمارسها شريحة كبيرة من الناس . ولهذا إنتشرت في حياتنا المظاهر التي تتعارض مع الحكمة  والبساطة والإستقامة فاصبح  تديّننا المزيّف دليلا على ورعنا وتقوانا واستقامتنا ، ولقاءاتنا حلقات إستغابة وطعن في الآخرين ، وصداقاتنا مصلحية لا لون لها ، وانتمائنا للوطن وللناس مشكوك فيه ، ووفائنا لا يعوّل عليه  ، وحفلاتنا وأعراسنا وولائمنا وحتى حفلات ميلاد أبنائنا دليل على كرمنا ومكانتنا الإجتماعية . إننا نتمسك بالقشور وبالمظهر ونتجاهل الجوهر .

* أتصور أننا أكثر أمة تتكلّم عن الاستقامة والأخلاق والشرف ، والأمانة والدين والتديّن ومخافة الله . إننا نحاول أن نظهر أنفسنا كملائكة لم يرتكبوا ذنبا ولم يخونوا عهدا ، ولم يظلموا أحدا . لكن تصرفاتنا مع الآخرين ومع أسرنا في بيوتنا ومجتمعاتنا  تتناقض بوضوح مع ما ندّعيه من .. طهارة ملائكيّة .. ومظاهر زائفة  وإن هناك هوة كبيرة بين ... ما نقول وما نفعل ... لأن شخصياتنا ممزّقة ونعاني من نقص في ثقتنا بأنفسنا .

* الانسان يجب أن .. لا يقيّم .. بقبيلته ، وعائلته ، وثروته ، ودرجة تديّنه ، وبحفلاته وبذخه . أنه يقيم بإنسانيّته ، وصدقه ، وأمانته ، وعلمه وثقافته ، وتعامله النزيه المأدب مع كل الناس واحترامه وحبه لهم ، والعمل من أجل الخير العام ، ودعم الحق والتصدي للباطل .

* الفاشل يتخيل أنه أفضل من الآخرين لانه ينتمي إلى قبيلة أو عشيرة  أو عائلة متنفّذة ، أو لأن جدّه رحمه الله  كان ناجحا وله مكانة إجتماعيّة مميّزة  ، أو كان مختار البلدة ، أو لأن والده  ، أوخاله ، أوعمّه كان من الوجهاء الطيبين الذين أحبهم الناس .  صاحبنا ينسى أنهم جميعا أو معظمهم  إنتقلوا إلى رحمة الله تعالى ، وإن الناس يذكروهم بالخير لأعمالهم  الطيّبة وليس لأنهم أقاربه ! هذه كما نقول في فلسطين ... حجّة لمفلّس ..  أي الفاشل !

* الانسان العربي يجب أن يقيّم بسلوكة كإنسان ، ويعطى حقّه وتكون له مكانته الاجتماعيّة بناء على إنسانيّته ، وأخلاقه ، وإنجازاته ،  وعمله ، وخدماته للآخرين ، وليس  بناء على " أصله وفصله " ونفاقه وما يتظاهر به من سلوك مزيّف . كلنا أبناء آدم  وحواء والناجح الواثق من نفسه يقول هذا أنا كما أنا ، وهذا ما فعلته . لقد نجحت بالإعتماد على نفسي التي أحترمها وأعتزّ بها ، ولا يهمّني كثيرا إن كان أجدادي وأقاربي الأحياء والمرحومين من أفقر الناس وأقلّهم مكانة إجتماعية ، ولا أهتم بما يقوله عني فاشل في كل شيء يعيش على ذكرى أمجاد ماضية التليد !

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز