د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
التعليم في فلسطين : تضحيات عظيمة وإصلاح مستمر ( 4 --- 5 المعلم والمعلمة )

* العالم يحترم المعلّم لدوره المحوري في بناء الإنسان والأوطان الحديثة ، ونحن في فلسطين نشارك العالم في إحترامه له ، ونقف وقفة إجلال وإكبار للمعلم الفلسطيني تقديرا له على تضحياته ، وإيثاره ، وخدماته الجليلة التي  قدّمها ويقدّمها لشعبنا في ظروف إحتلال غاشم في غاية الصعوبة والتعقيد ، وفي تحدّيه لعدو محتل  يعمل ليلا نهارا لعرقلة نموّنا المعرفي ، وإعاقة تقدّمنا  التعليمي لقناعتة  أن عدوّه الحقيقي هو التعليم الفلسطيني المتطوّر الذي يخلق الإنسان المثقف الواعي القادر على التصدي له والإنتصار عليه .

* الدول التي نجحت في تطوير أحدث  وأفضل عشر أنظمة تعليم في العالم حسب تقارير الأمم المتحدة هذا العام 2016 هي اليابان ، سنغافورة ، هونج كونج ، فنلندا ، بريطانيا ، كندا ، هولندا ، وايرلندا . هذه الدول التي هي أيضا من أكثر دول العالم تقدما علما وصناعة وثقافة حققت هذا النجاح المميز بعد أن تمكّنت من إصلاح أنظمة تعليمها . لقد أعّدت المدرّس إعدادا علميّا وتربويّا وثقافيّا ملائما ، ومنحته راتبا شهريّا عاليا يضمن أمنه الإقتصادي ويمكّنه من العيش حياة كريمة ، وحمته بقوانينها ، ووضعت البرامج اللازمة لتطويره باستمرار ، ووفّرت له مكانة إجتماعية مرموقة .

* تراجعت مكانة المدرس الفلسطيني الإجتماعيّة عن ما كانت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين . في ذلك الوقت كان حملة الشهادات الجامعيّة والثانوية العامّة قلّة ، ولهذا كان للمدرس الفلسطيني الذي كان تأهيله العلمي لا يقل عن شهادة الثانوية العامّة مكانة مرموقة ومميّزة في المجتمع . فكان الناس وخاصّة أولياء أمور الطلبة ينظرون إليه كرجل علم وثقافة ويثقون به ، ويقدّرون جهوده ، ويتعاونون معه ، ويعاملونه بتقدير واحترام ، وكان الطلبة يهابونه ويجلّون مكانته ، وكذلك كان مرتبه الشهري يكفيه لشراء أرض ، وبناء بيت ، وتكوين أسرة ، والعيش حياة كريمة مريحة .

* للأسف لقد فقد المدرس الكثير من مكانته الاجتماعية لعدة أسباب أهمها أولا : الزيادة الكبيرة في أعداد حملة الشهادات الجامعيّة في المجتمع الفلسطيتي ألغت الندرة العلميّة والثقافيّة التي كانت موجودة قبل نصف قرن ، ولهذا أصبح الحصول على شهادة جامعية أمرا عاديّا لا يميز مكانة حاملها الإجتماعية كما كان عليه الحال في السابق .  ثانيا : فقد المدرس ميّزاته الإقتصادية ، وتراجع نمط حياته الذي كان يتسم بالرفاهية لأن مرتّبه  الشهري  لا يتلائم مع الإرتفاع الكبير في تكلفة ضروريات الحياة كالغذاء ، وتامين بيت مريح ، وأثاث جيّد ، ونفقات تعليم أفراد أسرته . ثالثا : التغيير الكبير الذي حدث في تركيب البنية الاقتصادية للمجتمع قلب المعادلة حيث أصبح دخل التاجر الصغير ، أو الفنّي كنجّار ، أو حجّار ، أو ميكانيكي إلخ .، أو حتى العامل في حالات كثيرة أعلى من دخل المدرس بكثير مما أجبر شريحة من المدرسين على إعطاء دروس خصوصيّة ، أو إيجاد وظائف مساندة لدخلهم ، أو حتى العمل في مهنة أخرى كسائقي سيارات  تاكسي بعد إنتهاء دوامهم المدرسي وذلك لتغطية نفقات حياتهم .

* تركّز الدول الحديثة على إعداد المعلّم العلمي والثقافي ، ولهذا فإن المدرّس الأمريكي على سبيل المثال يجب عليه أن يحصل على مؤهّل جامعي ، أي بكالوريوس في فرع من فروع المعرفة الذي يرغب في تدريسه ، وبعد ذلك يعمل للحصول على شهادة في التدريس الإبتدائي أو الثانوي Teaching Certificate   ، ويحصل عليها بعد أن ينهي فترة تدريب عمليّة في المدارس ، وبعد أن يكمل بنجاح عددا من المقرّرات في علم النفس التربوي وطرق التدريس ، ولا يمكنه كخرّيج جامعة من حملة البكالوريوس أن يبحث عن وطيفة في التدريس إلا بعد أن يحصل على الشهادة المساندة . المدرس الفلسطيني يحتاج بالاضافة إلى الشهادة الجامعية إلى إعداد أكاديمي ممنهج في علم النفس التربوي ، وطرق التدريس الحديثة ، وكيفيّة إستخدام التقنية المتطورة ، والتدريب العملي في المدارس . وإلى تخفيف عدد الحصص التي يدرّسها أسبوعيّا .

* إن نصابه التدريسي الحالي الذي يتراوح بين 25- 30 حصّة اسبوعيّا مع وجود أكثر من 30 طالب في كل شعبة يدرّسها مرهق جدّا ، ولا يمنحه الوقت الكافي ليحضّر مهنياّ للمواد التي يدرسها ، ولا يساعده على تطوير نفسه ثقافيّا ومهنيّا . ولهذا فإنه من الأفضل تخفيف عبئه التدريسي ليتمكن من القيام بواجباته بطريقة أفضل .

* يمكننا القول باختصار إنّه يعاني من خلل في الإعداد الأكاديمي والتربوي ، وإنخفاض دخله الذي لايكفي أسرته ، وعدم وجود حوافز تشجيعيّة ماديّة أو معنويّة ، وتدهور مستمر في مكانته الإجتماعية ، ونقص في تقنية المختبرات ، وعدم وجود برامج تدريبيّة على استخدام التقنية الحديثة في المختبرات والفصول ، والإرهاق في التحضير ، والإنشغال في اّللجان وقضايا جانبيّة سياسيّة واجتماعيّة لا علاقة لها بالتعليم ولا تخدم الطلاب .

* لكنه لا بدّ من القول إن المدرس الفلسطيني وبالرغم من كل ما يواجهه من ظلم الإحتلال وضغوطه ، ومن بيروقراطية وتخبّط إداري وسياسي فلسطيني ، وصعوبات اقتصاديّة وثقافيّة فإنه يستحق كل الإجلال والإكبارعلى صموده ، وتضحياته ، ومهنيّته ، ودوره الرائد في تعليم وتثقيف أبناء وبنات فلسطين ... يتبع







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز