زكرياء حبيبي
zakariahabibi81@yahoo.fr
Blog Contributor since:
01 April 2011

كاتب من الجزائر

 More articles 


Arab Times Blogs
بعد ثورات الربيع الإرهاب يثور على مُصنّعيه

 

يتأكد يوما بعد يوم أن العقل الغربي، يتعامل دائما بتعالٍ وغباء شديد، مع العالم العربي والإسلامي، من منطلق أن غالبية الدول العربية والإسلامية كانت إلى  زمن غير بعيد، مجرّد مستعمرات لبعض الدول الغربية، وأنه بإمكان الغرب أن يعيد تقسيمها وتفتيتها وإعادة تشكيلها بحسب أهوائه ومصالحه، وبالفعل غامر الغرب وقامر في بداية سنة 2011، باستعمال ورقة ما سمّاه ب" الثورات العربية"، في إطار مؤامرة "الربيع العربي"، واستجلب غالبية الإرهابيين الذين صنّعهم ووجههم لقتال الإتحاد السوفييتي سابقا في أفغانستان، وحمّلهم رايات "الجهاد"، لتسريع وتيرة "الثورات" في بعض البلدان العربية، وعلى رأسها تونس وليبيا واليمن ومصر وسورية بل وحتى الجزائر، لكن هذه المرّة جعلهم يحملون رايات "الديمقراطية.. والحريّة !!".

هذا الغرب الذي ساند هؤلاء "الثوار" كان يعلم علم اليقين أنهم سيُدمّرون هذه البلدان، ويُعيدونها لعقود من الزّمن إلى الوراء، لكن بغبائه قسمّ الوطن العربي إلى شطرين، شطر تُشكّله المملكات والمشيخات العربية، وقد استثناه من عاصفة "الربيع العربي"، والشطر الآخر يتشكّل من بلدان ترتكز على النظام الجمهوري أو الجماهيري، وهو الذي دفعت العديد من بلدانه الثمن غاليا، علما هنا أن مشيخات ومملكات الشطر الأول، لا تعرف على الإطلاق شرح وإعراب مصطلحي "الديمقراطية والحرّية"، اللذين وعد مُهندسو "الربيع العربي" بتكريسهما في بلداننا العربية، وشخصيا أجد نفسي على قناعة أكيدة، أنه لولا مال المشيخات والمملكات، الذي وظفه مُهندسو المؤامرة لشراء ذمم حتّى بعض من كانوا يحملون شعارات "العروبة" و "القومية" و"اليسار العربي"، لما كُتب لهذا "الربيع الدموي" أن يستمر لبضعة شهور، حتى لا أقول لبضعة أسابيع، ولعلّ هذا ما أوهم الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية التي يتحكم في قراراتها المصيرية، اللوبي الصهيوني، بأنه بالإمكان تدمير الدّول المُمانعة في وطننا العربي، وإدخالها إلى زريبة الطاعة للصهاينة بالدرجة الأولى، وبالتالي طيّ ملف القضية الفلسطينية إلى الأبد، وهنا يتوجّب استحضار تصريحات بعض "ثوار" سورية، التي لم يكتفوا فيها بتطمين الصهاينة، بل ذهبوا إلى حدّ تقديم الشكر لهم على قصف سورية، وطلبوا منهم الإنخراط المُباشر في الحرب على بلدهم، وبالمُقابل يضمنون لهم إقامة سلام دائم معهم !؟

برأيي أن هذا "النجاح" الظرفي في استمالة قلوب بعض من يُوصفون بأنهم "عرب" هو ما شجّع محور الشر الصهيوأمريكي على تسعير الحرب على سورية واليمن ومصر والعراق....، وبالأخص أنه "نجح" في تحييد الكيان الصهيوني في الصراع "العربي الإسرائيلي" وتحويله إلى حليف قوي للسعودية وقطر والإمارات والأردن والمغرب وتونس وربّما عمّا قريب دولة السودان، فمثل هذا الوهم كما قلنا، أعمى بصيرة بعض البلدان الغربية، الأمر الذي جعلها تقع ودونما أن تدري، في شباك وفخّ التنظيمات الإرهابية التي اعتمدت ولا تزال على مبدأ "دارِه ما دُمت في داره"، و "تمَسكَنْ حتّى تتمكّن"، فالعقل الإرهابي الذي لا يزال الغرب غير قادر على فهم ميكانيزماته، له قُدرة فائقة على التأقلم مع كلّ الأوضاع والمواقف، وله قُدرة فائقة للغاية على التلوّن كالحرباء، واختراق صفوف العدو بالعمل معه ودعمه لفترة معلُومة، قبل أن ينقضّ عليه: فالعقل الإرهابي برأيي نجح في تطويع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وجرّها إلى دعمه بكلّ الإمكانيات، ونجح في تحويل الكيان الصهيوني إلى صديق وحليف، برغم أنه يرفع شعار "محاربة اليهود" الذين يصفهم ب"القردة والخنازير" في وقت نجد أن المُتنورين في الوطن العربي والإسلامي كانوا ولا يزالون يرفضون مُحاربة "اليهود" بل إنهم تعايشوا معهم ولا يزالون، لكّنهم بالمُقابل يُحاربون "الصهيونية" التي اغتصبت فلسطين، والتي يُعارض سياستها العديد من اليهود المُتنوّرين.

قُلت إن العقل الإرهابي الذي حاشا أن نقرنه ب"الإسلام" قد نجح هذه المرّة في اختراق الغرب، عندما أوهمه بأنه مجرّد أداة بيده، يُوظّفها كما يشاء ووقتما يشاء، فالعقل الإرهابي نجح في فتح أبواب أوروبا أمام عناصره، تحت عناوين إنسانية عديدة، وهو الذي يكفر بالإنسانية ككل، ونجح في تحويل تركيا "العلمانية" إلى أهم مركز استقطاب لعناصره سواء كانوا من "القاعدة" أو "داعش"، فالإختلاف بالنسبة إليه في التسمية فقط، لأن القاعديين هم الدواعش لا غير، وللأسف الشديد أن دولة كتركيا، فتحت لها سورية أبواب الوطن العربي ومكّنتها من اكتساب عوامل قوة كبيرة وجديدة، بفتحها لحدودها معها على مصراعيها، لم يُثمّن قادتها وعلى رأسهم أردوغان هذه الخطوة السورية التاريخية، التي جعلت اقتصاد تركيا يُحقق قفزات غير مسبوقة في تاريخها، بل بالعكس من ذلك دفعهم الجشع والأحلام العثمانية المكبوتة، إلى نكران جميل سورية، والتآمر عليها، بتحويل تركيا إلى مركز استقطاب لكُلّ "الجهاديين" الإرهابيين، الراغبين في "الجهاد" في أرض الشام التي خصّها الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بالعديد من أحاديثه الشريفة، والتي أستحضر منها ما قاله (ص): "ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضر موت، تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله ! فما تأمرنا ؟ قال: عليكم بالشام".

وأستحضر كذلك ما رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه عندما روى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ونحن عنده "طوبى للشام إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه".

 إن التحرّش التركي المُوجه صهيونيا، لا يُمكنه البتّة أن يُغيّر التاريخ، فبلاد الشام العريقة لا يمكن لأي كان إلا أن يستظلّ بظلّها، فهي بلاد السّلام، ومن يتربّص بها تُحرقه نيران مؤامراته، وللأسف الشديد هنا، أن دولة كتركيا بدأت النيران تُلهبها، بعدما كانت آمنة بجوار بلاد الشام، فتركيا اليوم، شهدت عملية اغتيال سفير دولة عظمى على ترابها، وهو السفير الرّوسي، وهي اليوم بعد هذه الكارثة، أو المُصيبة، مُطالبة بمُراجعة جذرية لمواقفها، وبالموازاة مع ذلك، فإن أقوى دولة في أوروبا وهي ألمانيا بدأت تئنّ من وجع الضربات الإرهابية، وهي التي حاولت أن تبرز على أنها أفضل ملجأ للاجئين السوريين، "الهاربين من الموت" إلى أوروبا، لتتفاجأ بأن "الثوار" أو "حمائم السلام" الذين استقبلتهم، هم قادة السفاحين الذين لا يهدأون إلا بإراقة دم الأبرياء، وأشير هنا إلى أن أوروبا بمجملها تعيش حالة رعب هذه الأيّام، المتزامنة مع احتفالات عيد الميلاد، فهي تنتظر حصول تفجيرات وعمليات انتحارية وغيرها، وهذه الحالة وللأسف الشديد، سبق لي أن كنت من بين المُحذّرين منها في مقال نشرته شهر أبريل/نيسان 2015، تحت عنوان: "عواصف "الربيع العربي" تهبُّ على أوروبا:

قوافل من المهاجرين في انتظار جحافل الإرهابيين"، ولا أظن أن المهتمّين بأمن أوروبا قد أولوه القليل من إهتمامهم آنذاك، وإلاّ لما عشنا اليوم كلّ هذه المآسي.

أقول وأُجدّد القول، بأنه بدون سلام وبخاصة في سوريا على وجه التحديد، فإن العالم سيعيش الجحيم، ولن نتفاجأ البتة لارتكاب الإرهابيين لمجازر في أوروبا وأمريكا وغيرها، وفي هذا المقام لن أتحدّث عمّا هو حاصل في الأردن، لأنّني بصراحة أتوقع أن يكون هو أول بلد سيدفع الثمن غاليا، خاصة مع العمليات الإرهابية التي عصفت به أخيرا، والتي سوف لن تُنقذه منها مشيخات ومماليك الخليج، وإنّما، الدولة السّورية، إن رضيت بذلك، طبعا، وهنا أتذكر كذلك، أنّنّي كتبت مقالا يوم 03 مارس/آذار 2015 تحت عنوان: " كرة النار تتدحرج من سوريا لتحرق المملكة الكرتونية بالأردن"، في محاولة للفت انتباه أشقائنا في الأردن لما ينتظرهم، لكنّ الظاهر، أن أبصارهم عميت، وآذانهم صُمّت، وهنا أتوقف كذلك، لأقول للأغبياء من قادة الأتراك ومشايخ ومملكات الخليج، بأن أمريكا أوجدت لنفسها المخرج الآمن، بانتخاب دونالد ترامب، الذي أعلن كفره بأمن دول الخليج دون مقابل، لإخراج بلاده من المُستنقع، كما أن فرنسا بدأت تتوجه إلى النهج نفسه، بترجيح أسهم المرشح فرانسوا فيون الذي رفض استقبال ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع محمد بن سلمان، فهل نحن اليوم بحاجة إلى التدليل أكثر للأردوغانيين وأمراء ومماليك الخليج بأن النار قد اقتربت من مشيخاتهم ومملكاتهم الكرتونية وإمبراطورياتهم الوهمية، وأنها ستحرقهم إن هم لم يطلبوا من الشام النجدة، أمّا أوروبا، فعليها أن تعلم بأن استعمال ورقة الإرهاب لترهيبنا، ستُحرقها بكُلّ تأكيد، وهذا هو بيت القصيد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز