د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
المجتمعات العربية بحاجة إلى ترسيخ قيم الثّقة بالنفس واحترام الذات

* كل كائن في عالمنا هذا خلقه الله بنفس المواصفات التكوينيّة ، ومن نفس المادة ، وله كيانه الوجودي المميّز ، ويملك نفس حجم العقل الذي يملكه أي كائن آخر. لكننا رغم ذلك نختلف في قدراتنا ، وثقافاتنا الإجتماعية ، وتركيبتنا النفسيّة ، وشعورنا بأهمية وجودنا ، وتقييمنا لذواتنا .

* في الدول الديموقراطية الصناعيّة الحديثة التي تنعم بمستوى متطوّر من الحياة يحظى الانسان بقيمة كبيرة . الدولة تحمي حقوقه السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة بالقانون ، وتضمن سلامته ، وتساوي بينه وبين أي مواطن آخر في الحقوق والواجبات . ولهذا فإنه  يعرف حقوقه ، وحقوق غيره  ويحترمها ، ولا يتدخل في ما لا يعنيه إلا إذا طلب منه ذلك ووافق عليه بإرادته .

* الحقوق التي منحتها له الدولة وأجازها له القانون والمجتمع ، ومعرفته لنفسه وثقته بها ، تمكّنه أن يقول بصوت عال لمن يتعامل معهم في مجتمعه أنه مسؤول عن تصرفاته فقط ، ولا يلام على تصرفات غيره حتى لو كانوا أبناءه ، أو بناته ، أو أقاربه  لأن كل فرد مسؤول عن تصرّفاته وفقا  للقانون ، وأمام أفراد المجتمع ، ولهذا لا يجوز لا قانونا ، ولا خلقا أن يلام على أفعال غيره .

* لهذأ يشعر الفرد في هذه الدول بأنه سيد نفسه ويقول بصراحة .. أنا هو أنا وكما أنا .. حر في تفكيري ، أثق بنفسي ، وأتصرّف كإنسان أخلاقي مسؤول ، وأعمل  وأعيل عائلتي كزوج وأب ، وألتزم بواجباتي العمليّة وعلاقاتي الاجتماعية مع أصدقائي وزملائي في عملي ، ولا أعتدي على قانون البلاد ، وأبتعد عن ما يسيء لي وللآخرين .

*  إنني أشعر بأنني مواطن حرّ صالح متحضّر يستحق الاحترام والتقدير ويعتز بنفسه ويحترم ذاته ، كذلك أعتقد أن كل إنسان  في مجتمعي جيّد ويستحق الاحترام والثقة إلا إذا أثبتت تصرّفاته عكس ذلك . إنني جزء من هذا المجتمع الجيّد ، وأشعر بما يشعر به كل فرد ، وأشارك الناس أفراحهم واحزانهم ، ولهذا فإنني أبذل جهدي لخدمة وطني الذي أكرمني ، وأشعر بالإرتياح والسعادة ، وأنشغل بشؤون نفسي  وأسرتي  ، وأستمتع بحياتي ، وأنشر حولي صورة جميلة لحياة الشراكة المجتمعيّة الطيّبة .

* في مجتمعنا العربي ما زال معظمنا محكوم بعقل القبيلة .. والعائلة الممتده .. التي أصبحت في عددها تساوي قبيلة صغيرة ، وبالعادات والتقاليد التي تطبّقها الجماعة وتمليها على الآخرين . مجتمعاتنا تضعف النزعة الفرديّة الاستقلاليّة عند الفرد ، وتقوّي النزعة التسلطيّة المجتمعيّة التي تنمي إحساسه بالدونيّة ، وتلزمه على أن يظهر ولاءه للجماعة ، ويتصرّف كما تتصرّف ، ولا يخرج عن القواعد والممارسات التي تقرّها وتقبلها  .

* إنساننا محاصر برأي الآخرين فيه وما يقولونه عنه . إنّه ليس .. سيّد نفسه .. ويشعر بالذعر لأنه يعتقد أن الناس الذين يعيش معهم يبحثون دائما عن سيئاته ونقاط ضعفة ليستخدموها ضده ، وليتحكّموا في تصرفاته ، ويلزموه على التظاهر والعيش بشخصية غير شخصيته ، وعلى التصرّف بطريقة مغايرة لتفكيره وقتاعاته .

* هذه القناعات الاجتماعيّة التخلّفية تخلق حالة من إنعدام الثقة في نفس الفرد تفقده إحترامه لذاته ، وتشعره بالضياع  والإضطراب  ، وتتركه حائرا لا يعرف ماذا يفعل في بيئة إجتماعية متضاربة المفاهيم والقناعات ، ومصابة بعمى الألوان ، ومتناقضة في أحكامها على الآخرين وفهمها لهم ، وعاجزة عن إصدار الأحكام الصحيحة في تقييمها لشؤون مجتمعها وتصرفات أفراده .

* إنّه لا يثق بالجماعة البشرية حوله لأنها تستطيع بسبب تخلّف أفرادها أن تحول الصادق إلى كاذب ، والمصيب إلى مخطىء ، والبريء إلى مذنب ، والصديق إلى عدو ، والمستقيم إلى منافق  ، والأمين إلى حرامي  ، والحقير إلى أمير والأمير إلى حقير ، والطيب إلى خبيث والخبيث إلى طيب ، والمثقف إلى غبي  والغبي إلى عالم .

* هكذا عقليّة مضطربة غير مستقرّه هي من سمات المجتمعات المتخلفة في عالمنا ومن ضمنها  الوطن العربي . الفرد العربي مثقل بتراثه الاجتماعي الذي لا يستطيع أن يتمرّد عليه بسهوله لأن التمرد يعني إثارة الآخرين ضده وعزله وربما تدمير حياته . إن حياة التناقض التي يعيشها تؤثر سلبا على ثقته بنفسه وعلى احترامه لذاته . التخلف الذي عاش في ظلّه الانسان العربي سنوات طويله هو الذي أوجد هذه الحالة التي لا نهاية لها الا بالعلم والثقافة والتقدم الاجتماعي الذي يغير عقل الإنسان ، وأسلوب تفكيره ، وسلوكه .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز