نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
هل كان صادق جلال العظم سارقا؟؟ اكرام الكتابات الميتة الاسراع في دفنها ..

كم هو قاس أن تجلس الى شخص كان بالأمس هو من تحبه وتؤمن به وتصدقه .. ولكنه سقط في امتحان الصداقة والمحبة .. فيجلس أمامك ويحدثك على نفس الطاولة وعلى نفس الكرسي .. وفي ذات المقهى .. ومع ذات الضجيج الذي كان مثل موسيقا مرافقة لصوته وهو يغني لحنا شجيا .. ولكنك تصاب بالصمم ولاتسمعه وربما لاتراه عيناك لأن روحه لم تعد في ذلك الجسد .. فانت لم تعد تصدقه .. ولم تعد تؤمن بأي كلمة يقولها .. ويستحيل الجلوس معه الى عقاب وعذاب ووقت ثقيل ..

ماهو أصعب من ذلك بكثير واشد مرارة على القلب هو أن يسقط كتاب أو نظرية أحببتها وآمنت بها وكانت كالضوء لك وكالخريطة والضمير .. ماأصعب أن يموت كتاب وتسقط نظرية في امتحان الحياة والواقع .. فهل رأى أحدكم جثة كتاب وجسد نظرية عاريا يعرض على الرصيف مثل جسد غانية؟؟ كم تمزقني النظريات التي كانت مقدسة ومطهرة يوما ما مثل حبيبتك الطاهرة فاذا بهك تراها كما بنات الهوى تعرض لحمها في الطريق وأنت تشاهد رجالا يقضمون لحمها أمام عينيك وهي تبيعهم الغرام ..

رحل صادق جلال العظم وهو من أولئك الذين سقطوا وماتت كتاباتهم ونظرياتهم .. وبموته اليوم أحس أنني غير قادر على أن أهاجم الرجل لأنني أحس بالخجل اذ أكتب عن شخص رحل وهو لايقدر على أن يدافع عن نفسه وعن رأيه وقد تحول الى شخص صامت غير قادر على الكلام .. ولاأملك أمام جثامين الموتى الا أن أغمد سيفي وأترجل عن جوادي لأشارك في دفنها حتى وان كنت أفعل ذلك مكرها .. لأن أشد ماأكره هو أن لاتبلغ الرحمة والأخلاق أعلى ذروة في نفسي مع من خاصمت ونازلت وهو مسجى جامد الوجه واللسان والعينين ..

ولكن الرجل كمفكر ومثقف وضع نفسه في موقع بحيث أنه يعرف وهو على يقين أنه كتب من أجل أن ينازله الناس وأنه يجب أن يحاكم فيما كتب في كل عصر وأن يناقشه في حياته وفي مماته كل من يؤيده أو يعارضه والا لما كتب بل كان اكتفى بما عرفه لنفسه وأبقاه في خزانته ومذكراته الشخصية وهوامشه الخاصة على دفاتر العبث .. بل لاشك أنه يدرك ان مناقشته ومجادلته بعد موته ستكون أكثر من محاكمته في حياته ولذلك فانه اختار أن يكتب في العلن ويشهر رأيه في وجوهنا .. ومن هذا الباب فانني أعتقد أنني كتبت عنه وهاجمته في سنواته الأخيرة ولم أتردد في الغمز من مواقفه وتصريحاته الغرائبية العجيبة في السياسة .. ولن اتردد في انتقاده بعد مماته لأنه أنهى حياته كمفكر لايليق به أن ينهيها مهزوما ظلاميا وجنديا انكشاريا بعد أن كان يقود الحملة التنويرية لايقاد الشعلة الفكرية في الشرق بتصويب العلاقة مع الدين والله .. فنفخ على الشعلة من فمه بقوة وأطفأها بنفسه وسكب عليها الماء الاسود .. وبول البعير .. الذي سقى منه كتبه للأسف في أواخر أيامه ..

لايمكنني أن أغفر لصادق جلال العظم تلك النظرية الشريرة التي أطلقها بحجة تحقيق النصر في الثورة السورية .. كاتب التنوير والتثوير والرافض لقسوة الديكتاتورية التي أفقرت الشعب وأذلته وقتلته دافع عن همجية الارهابيين وقسوتهم ونهشهم للقلوب وامتدح سكاكينهم وسماهم ثوارا .. وبرر عنفهم ضد الشعب بشكل مخجل بل انه وصفه بالعنف الذكي المبرمج والعنف المقصود الذي له غاية دقيقة وذكية .. واعتبر ان نهج التدمير الذي اتبعته الثورة ليس عفويا ومصادفة ورصاصا طائشا بل هو قلب الاستراتيحية الثورية من أجل تدمير النظام .. لأن تدمير البلاد سيفضي الى تدمير النظام!! .. أي أن الثوار محقون في تدميرهم لسورية لانها الطريقة المثالية والوحيدة لاضعاف النظام المستبد .. الى ان يصل الشعب الى السعادة على درب الشقاء والآلام التي يدفعه اليها عمدا الثوار الميامين ..

وفاجأني أن كاتب التنوير والذي حاكم الديانات كلها أخرج من خزائنه المخبأة كنوزه التي تحدثت عن مصطلحات مذهبية مقيتة وكان يهاجم الطوائف التي لاتميل الى جانب الثورة ويحرض على العنف تجاهها حتى صار يتنافس مع أي شيخ سلفي في التحريض على القتل .. و"يستغرب أن يكون أهل السنة قادرين على ضبط انفعالاتهم وسلوكهم الانتقامي ضد الشيعة .. ويحار كيف أنهم لم يجتاحوا تلك القرى التي ترسل اليهم من يقتل أهل السنة" .. كانت اللغة المذهبية الضحلة ومصطلحات العلوية السياسية التي تواجهها السنية السياسية شيئا فاضحا أقل مايقال فيها أنها مصطلحات بلا أخلاق ولغة انحطاط ..

ان الكتب التي نقرؤها ليست مجرد أوراق وحبر وسطور .. بل ان فيها حرارة الأجساد الحية .. وأحيانا تكون كتاباتها نابضة ونحس بالنبض في عروق صفحاتها كما يحس الطبيب بنبض الشرايين في الأيدي والأعناق .. الكتاب الجميل الحي ليس مخلوقا باردا بل جسد حار دافئ يتعرق وتتنفس أوراقه بين أصابعنا ويتنهد ويمسك أيدينا عندما نمسكه .. فهناك كتب حولتني في يوم من الأيام الى شعلة من النار وأحرقتني كما لو أنني كنت انسانا من البارود ولامست نارا في كتاب كالشعلة .. وهناك كتب كنت أحس أنها تطفئني ويكسوني الثلج والجليد والقشعريرة كلما لامست جلدها البارد فأتركها لأنني لاأريد ان أكون دبا قطبيا ..

عندما كنت أمسك كتب صادق جلال العظم كنت أحس أنني أمسك أجسادا دافئة وليس كتبا .. وأجس شرايين الكتاب وأحيانا أصغي الى قلبه وهو يخفق .. الى أن حدثت الحرب على سورية وبدا العظم يتحدث وكأنه ليس صاحب الكتب التي أشعلتني وكأني به قد سرقها من مكان ما ونسخها عن غيره وأن كتبه الحقيقية هي التي ظهرت عند اعلان الحرب الدينية على سورية العلمانية الوطنية .. والأزمات هي امتحانات للثقافات والأفكار والعقائد وكل الأعمال العقلية للبشر وكل الكتب والمؤلفات عبر عصور كاملة فاما أن تسقط الكتابات واما أن تحيا .. وكانت الحرب هي الامتحان الذي دخلت فيه كل الكتابات وكل الكتب وكل ماأنتجناه من فكر ومن شعر ومن قصص وروايات وأدب ونثر وفن .. وكل من عرفناه من الكتاب والمفكرين .. وكانت نسبة النجاح في الامتحان ضئيلة للغاية .. ولكن الكارثة هي أن يكون هناك افتراق بين الكاتب والكتاب .. وبين النظرية والواقع .. فتسقط النظرية عندما تكذب عليك سبعين عاما كما فعلت الماركسية بأصحابها وعشاقها الذين اكتشفوا أنها خدعتهم بعد أن وعدتهم باللبن والعسل ..

كم هو قاس أن يمسك أحدنا جسدا ميتا يحمله ليدفن وقد خرجت منه الروح .. ولكن الأقسى لمن مثلي هو أن يتحول كتاب بين يدي الى جثة هامدة لاتتنفس وليست فيه حرارة ويبدو جثة رخوة بلاحراك .. الكتب التي تموت هي الكتب التي يقتلها أصحابها في حياتهم .. والكتب التي تحيا خالدة هي الكتب التي يموت أصحابها من أجلها ..

منذ فترة تخلصت من كتب صادق جلال العظم لأنه تبين لي أن كل نظرياته ليست اصيلة ولاتنتمي الى قلبه وقناعاته وما كتب في السنوات الأخيرة أصنفها على أنها كتابات أعتذر ان قلت بأنها كتابات "فيها مسّ من الجنون وقدر من الانحطاط المعرفي" .. انني أحس بنفسي أمسك بها وهي بلا حياة وتتدلى أجسادها بين يدي باردة مثل الموتى بل أجس أنها تجيفت وتفسخت وآن أن أذرو عليها التراب لأنني أحس بالقشعريرة من أنني أمسك أمواتا ..

انني اعتبرت كتاباته مثل امرأة أحببتها واكتشفت خيانتها عندما مررت بمحنة .. وصرت احس أن علاقتي بأطروحاته التنويرية صارت مثل علاقة الرجل الذي يعرف خيانة حبيبته فيما هي تجلس على كرسي المقهى الذي أحبها فيه وصارحها بحبه على ذلك المقعد بالأمس وهو يتلذذ بتأمل جمالها ورشاقتها .. وقد رآها اليوم تراقص رجالا آخرين على الرصيف وهي ثملة سكرى ورآهم بأم عينه يقضمون لحمها أمام عينيه ويدغدغون حلماتها بأصابعهم الشبقة .. نعم ان رجالا ملتحين قضموا لحم نظريات وكتابات صادق جلال العظم برضاه وبعلمه وهو من قدمها لهم بكامل وعيه .. وهو كان يعطيهم مايطلبون من لحوم كتبه ويرضعهم من أثدائها .. ويذكرني مافعله بلحوم كتبه وهو يعرضها على الاسلاميين الثوار بلحاهم الشعثاء كما لو أنه شيخ يفتي بجهاد النكاح .. بل يذكرني مافعله بما قاله نزار قباني في وصفه للرذيلة التي تعرضها امرأة عجوز على رجال تافهين بلا فضيلة ليلعقوا لحوم العذارى وبنات الهوى .. اذ قال:

وعجوز خلف نرجيلتها
عمرها أقدم من عمر الرذيلة

انها آمرة البيت هنا .....
تشتم الكسلى ...وتسترضي العجولة

وامام الباب صعلوكُ هوى
تافه الهيئة .... مسلوب الفضيلة

يعرض اللحم على قاضمه....
مثلما يعرض سمسار خيوله

"هذه .. جاءت حديثا سيدي ...
ناهد مازال في طور الطفولة "

" او اذا شئت .. فرافق هذه ..
انها اشهى من الخمر الاصيلة .. "

تحت شاريها بأوراق ضئيلة
قيمة الانسان ما أحقرها
زعموه غاية .. وهو وسيلة

رحم الله صادق جلال العظم الذي لم يكن يستحق هذه النهاية الاليمة خلف نرجيلته يعرض لحم نظرياته على الثوار الوهابيين ليطارحوها الغرام من أجل غاية اسقاط النظام .. ولا يستحق أن تدفن كتبه قبل أن يدفن .. وأن تموت قبل أن يموت .. وأن نجري فحص الـ (دي ان ايه) عليها لأن دمها غير دم الكتابات التي كتبها أخيرا .. وكأنها ليست من صلبه .. أو كأنه كان سرقها ولم يصنعها .. أو على الأقل فانه كان ابا بالتبني وليس ابا حقيقيا .. الى أن رزقه الله أبناء في أواخر ايامه شاهدناهم ورأينا قبحهم .. وعرفنا انه لم يكن أبا لما كتب في شبابه ..

Image may contain: 1 person, sunglasses and close-up






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز