نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
درس حلب .. هل من تشابه مع هزيمة الاخوان في الثمانينات؟ دمشق لاتهزمها الا دمشق

بعد الهزيمة المجلجلة والمذلة للارهابيين في معركة حلب أستطيع بكل صدق أن ألتزم الصمت وأشرب القهوة بهدوء وانا أستمع الى تحليلات وخطابات المعارضين المفجوعين بالهزيمة الأكبر منذ خمس سنوات .. فالمنتصر لايفقد أعصابه بخلاف المهزوم .. وأكتفي كلما ظهر معارضون على الشاشات وبشرونا بأن الحرب لم تنته بالاستماع المطول دون أن أحس برغبة في مقاطعة أحدهم لأن الاستماع الى اصوات البكاء أو الحزن الذي يصدر عن كل مواقع المعارضة يكمل الشعور بالنصر ومن دونه لايكون مذاق النصر كاملا .. ومع هذا فانني استطيع ايضا ان أتفهم وعيدهم بأن المعركة لم تنته بعد كما يعتقدون .. اي انها انتقلت الى مرحلة أخرى والى تكتيك جديد .. وأن بعضهم يستبق الأحداث ويبشرنا بعصر حرب العصابات .. وأنا أعتبر أن اي جهد أو مبالاة بما يقوله المهزوم في لحظات الاقرار بالهزيمة ليس منه فائدة .. فالمهزوم تصدر عنه أصوات كثيرة وتهديدات أكثر .. ويعيش مرحلة الصدمة في انفعال متناقض حيث تدفعه ميكانيزما الدفاع والانكار الى تجاوز الحقيقة وتخيل حلول عبثية تثير السخرية ..

ولكن هذه من المرات القليلة التي أحس ان من واجبي أن أقترب من آذان المعارضين وأسكب لهم من قلبي نصيحة وأهمس لهم وأنا لاأريد اذلالهم وهم في اشد حالات الاذلال .. رغم معرفتي أن الوصول الى أفئدنهم صعب جدا وهم معروفون أن في آذانهم وقرا .. وأن قلوبهم مغلقة بالاسمنت المسلح .. وأن في عقولهم الحديد .. ومع هذا فسأمسك معولا ومثقبا مصنوعا من الرحمة واحاول أن اثقب هذا الاسمنت المسلح .. وأسأل أهم سؤال يجب ان يسأل للمعارضة وللمتعاطفين معها في أهم مفصل من مفاصل الحرب .. ألا وهو مفصل الهزيمة في حلب .. لأنه يجب أن يفجر الأسئلة ليس عن أسباب الهزيمة بل عن كيفية الاستفادة من درس حلب القاسي ..

هل استفادت المعارضة السورية من درس حلب؟؟ هل أدركت اليوم أن كل رهاناتها كانت خاطئة وأن كل من قاتلت تحت مظلتهم تركوها تتجرع السم وحدها؟؟ ماذا خسرت أميريكا؟؟ وماذا خسرت السعودية؟؟ وماذا خسرت تركيا؟؟ وماذا خسر مجلس الأمن؟؟ الحقيقة هي أن كل هؤلاء خاسرون في مشاريعهم الذاتية ولكن الخاسر الأكبر من معركة حلب هم المعارضون السوريون جميعا وكل من تعاطف مع مشروعهم المجنون القاضي بان يتم تدمير سورية من أجل استلام الحكم واعادة تاسيس نظم نهج مغاير للحكم الحالي ..

منذ سنوات توسلت الى معارضين سوريين أن يوقفوا التحريض على العنف الذي لن يمكن التحكم به وأن يطالبوا فقط بمهلة انتخابات تشريعية خلال 3 أشهر يتم بموجبها طرح دستور جديد للبلاد وقانون أحزاب وفي ظلها تجري انتخابات تحت اشراف أممي اذا أرادت المعارضة ذلك .. ولكن الوجوه كانت تستمع لي كما لو كانت مكرهة وبالكاد كانت قادرة على الاصغاء وفي الحقيقة كانت لاتستمع بل تتبرم من العرض واطالة الشرح وقد تخلل الاستماع لقلقي العميق على البلاد ابتسامات ساخرة وكأنني بهم كانوا يقولون في سرّهم: ان من يحدثنا لايعرف أن المعركة حسمت لنا وليس لنا مصلحة في الاستماع الى هذه النصائح لتي تريد كسب الوقت فقط .. وقلت لهم بالحرف ان الدولة قوية جدا وانني أعرف أن تحالفاتها اقوى مما يتخيل من يتوهم أن الغرب قادر على هزيمته .. وان من تراهنون عليهم سيدفعونكم الى محرقة ولكنهم لن يغامروا بأنفسهم .. ولكن الجواب كان غاضبا عندما قال لي أحدهم: نحن من سنصنع المحرقة .. ونحن من سنوصل الدماء الى الركب .. ولكنك في النهاية سترى من تدافع عنهم في محكمة لاهاي اذا كان لديهم وقت للوصول الى هناك .. وربما تريد اللحاق بهم الى لاهاي ..

ومنذ فترة كانت الدولة تبذل كل مافي وسعها لاقناع المعارضة والمسلحين بأن لاتضطر الدولة الى اقتحام المعاقل المحصنة في شرق حلب بالقوة .. ولكن ذات العناد والثقة الفارغة بالنفس كانت هي السمة الغالبة في اي حوار .. وذات العقول الصلدة والقلوب المصبوبة من اسمنت مسلح كانت تستمع ولكنها لاتستمع .. وتتحدى بشكل فارغ من ان (حلب ستكون مقبرة النظام .. ونحن نتحدى روسيا أن تكون قادرة على أن تفعل شيئا لكم) .. وأوصلت الدولة رسائل عديدة الى كل من يؤثر على قرار المسلحين بأن الغرب يعرف جدا أن القوة التي تحاصر حلب لايمكن قهرها وان نوعية التجهيزات والتشويش ونوعية القوات المقاتلة لايمكن ايقافها وهي تجرف المسلحين .. وقلنا مرارا للمسلحين بأننا لانريد لأحد ان يختبر قوتنا وعزيمتنا في حلب وأن الغرب يريد لهذه المعركة أن تحصل لأنه يريد فقط استثمارها اعلاميا لاحراج روسيا وسورية وربما ليتخلص من الجميع في معركة طاحنة .. وتلويث النصر وجعله نصرا قذرا ماأمكن عبر استنفار غرف اعلامية متمرسة كررت تماما الأكاذيب التي بدأت بها مايسمى الثورة السورية وأظافر الأطفال والشعب الذي يتعرض الى مذبحة .. والغاية منها تكريس الكراهية بين أطياف الشعب السوري ولكن الأهم هو تكريس صورة أن مايحدث هو هولوكوست تقوم به روسيا وذلك في سياق الحرب الباردة بين الغرب وروسيا .. وعلى المعارضين ان ينقذوا مقاتليهم لأن غاية الغرب من المعركة هي الدعاية ضد روسيا بجثث مقاتلي المعارضة وجدران البيوت في حلب .. فوقود هذه الدعاية السوداء كان المعارضة والمقاتلين في شرق حلب والذين لاتمانع أميريكا في ابادتهم طالما انها ستشنع بصورهم على روسيا في العالم .. وتستفيد من صورهم في حربها الاعلامية كما فعلت عندما استفادت من صورهم في بداية الأحداث والمظاهرات لاظهار أن قلبها لايطاوعها على انكار العنف بحق السوريين الذين يريدون الحرية ..

في تحليلات الغربيين التي أتابعها بدقة هذه الأيام هناك مقارنات كثيرة تقارن بين هزيمة الاخوان المسلمين في حماة في الثمانينات وبين هزيمة الاسلاميين اليوم في حلب .. فقد كانت هزيمة حماة سببا في الحاق ضربة قاضية لمشروع الاسلاميين في الثمانينات بعد سنوات من الصراع وسهلت تثبيت نظام الحكم لأن المعارضة الاسلامية هزمت عسكريا وذابت سياسيا وخرجت الى المنافي .. وكذلك فان هزيمة حلب هي هزيمة من عيار ثقيل جدا وكبير جدا ولكنه انكسار يتفوق على هزيمة الاخوان في حماة في ثمانينات القرن الماضي لأن مستوى المعركة أضخم والقوى المتداخلة فيها أعظم وهي أقصى مايمكن ان يزج به في معركة في احدى أكبر مدن الشرق .. وهذه كانت أم معارك مايسمى الثورة السورية .. لأن حلب تساوي كل المدن والقرى والبلدات التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة .. وماتفعله المعارضة اليوم هو مافعلته في الثمانينات .. قتال في مدينة .. وخسارة فادحة فيها .. ونسج قصص خيالية عن مجازر واغتصابات وتهويل لارقام الضحايا .. للحصول على تأييد المسلمين في العالم واللعب ثانية لعبة الضحية .. لن تقدم ولن تؤخر .. لأن للدولة السورية هذه المرة روايتها الموثقة التي تدحض رواية المعارضة الهزيلة ..

*************

دروس وعظات حلب:

درس حلب وانهيار أسطورة النصرة وجيوش الاسلام وتجمعات وميليشيات تركيا يجب أن تراجعه المعارضة الي لاتزال تنتظر معجزة .. ولكن المعجزة في يد المعارضة نفسها عندما تقرر ايقاف هذه الحرب وتنسحب من تحالفاتها ومقامراتها مع كل من خذلها بدل انتظار أن تصنع سورية الجديدة في الرياض واستانبول ولندلن وباريس وواشنطن .. لأن سورية لاتصنع الا في سورية وفي دمشق تحديدا ..
درس حلب هو رسالة قوية الى أن اللجوء الى التمترس في المدن وبين المدنيين لم ينفع ولن ينفع لأن أول من ينحاز ضد المسلحين هم سكان المدن الذين يجدون أن (الثورة) لاتفكر بمصيرهم ولاتكترث بمعاناتهم وأملاكهم وحياتهم .. واذا كانت المعارضة تعتقد أن النظام عنيف وقاس ولايرحم المدنيين - كما تروج - فان عليها ترك المدن واللجوء الى الجبال والغابات وترك المدنيين بعيدا عن النزاع .. أو على الاقل أن تسمح للمدنيين المغادرة ولاتحتجزهم كما فعلت بنذالة في أحياء حلب الشرقية عندما منعت مدنيا واحدا من العبور وكأنها تريد اقناعنا أن كل الناس حولها يحيطون بها ويريدون الموت معها ولايوجد حتى عشرة اشخاص يخشون على حياتهم من المعارك .. فاذا بها اليوم تتباكى عليهم ..

على المعارضة أن تعيد النظر في اصرارها على خوض الحرب بمواجهة مباشرة أو حرب عصابات لأن حلب هي أهم واقسى معركة وهي تساوي في تعقيدها وعدد السكان كل مالدى الثورة من مدن محتلة .. وقد كان اداء المسلحين فيها رغم شدة تسليحهم رديئا جدا في مواجهة جيش مدرب وحشود من النخبة وتكتيكات غير مسبوقة في حرب المدن وقد أظهر الارهابيون في حلب انهم ليسوا مقاتلين أشداء كما يصورون أنفسهم لأنهم لايفوزون في معارك مواجهة مباشرة بل في ضرب الخواصر الضعيفة فقط وهم قتلة يستطيعون القاء القنابل ومدافع جهنم وصواريخ غراد على المدنيين ولكنهم في المواجهة مع جيش محترف في أكبر مدن الشرق لم يتمكنوا من الصمود الا أياما قليلة رغم ان مالديهم من ذخائر ومؤن وتجهيزات وبنى وابنية كان يكفي للقتال سنتين في أشرس حرب شوارع ..

اذا كان هناك من يفهم الدرس الحلبي فعليه ان يحيل (ابو محمد الجولاني) الى التقاعد كقائد فاشل وأن يحل جبهة النصرة التي كانت فلسفتها سببا في نكبة مشرع "الثورة السورية" وعقيدتها العسكرية القائمة على الاعتماد على العناصر غير السورية في القيادة سببا في وجود حاجز بين المقاتلين والقيادات مما سهل الاختراق الى حد بعيد .. وعلى المعارضين ان يفكروا جديا الآن بأن يوفروا على أنفسهم معركة قادمة قاسية جدا في نتائجها في ادلب وأن ينصحوا المسلحين بأن يغادروا المدينة ويجنبوها الدمار في حرب التحرير لأن أحذية جنود الجيش السوري لن تتوقف الا عند الحدود التركية لاقفالها .. وتبين للجميع ان لاقوة على الارض تريد التصدي للجيش السوري عمليا الا ميكروفونات الاعلام العالمي ودبابات التويتر وقاذفات الفيسبوك وأسلحة الثرثرة الشالمة في الجزيرة والبي بي سي .. ولكن من سيموت على الأرض هم مقاتلو المعارضة وشبابها المغرر بهم دائما ..

وعلى المتمردين في الرستن ودرعا ودوما والغوطة وغيرها ان يقتنصوا هذه الفرصة للحصول على أقصى مايستطيعون من الدولة عند تسليم المدن وخاصة دوما لأن دوما تريدها دمشق بسرعة الى بيت الطاعة وهي كلها لاتساوي حيا واحدا من احياء حلب التي اقتحمها الجيش السوري .. كما انه بعد تحرير حلب فان الجيش سيتمكن ان تعزيز قواته المحيطة بالغوطة بعشرة آلاف مقاتل من النخبة لن تصمد مدينة "دوما" في وجه هذه القوة الا لساعات قليلة لأن كل المعلومات الاستخبارية في الغوطة صارت في متناول يد الخبراء العسكريين منذ فترة ليست بالقصيرة والخطط لاعادة دوما الى الدولة وطرد السعودية منها في أدراج القيادة السورية تنتظر ساعة الصفر ..
ومع هذا فان كل ماأراه من كتابات ثورجية وتحريض وشحذ للهمم يوحي ان المعارضة لاتزال تستمع الى عبقرية السعوديين والخليجيين وهؤلاء ليس لهم باع في الحرب ولا في النفير فهؤلاء أهل ثرثرة واحقاد لاتميل الى الواقعية بل تستند الى تراث صحراوي عن الثأر وعقلية الحرب الشهيرة المعروفة (داحس والغبراء) والخليجيون يستمعون دون وعي لمستشارين عسكريين غربيين واسرائيليين .. وهؤلاء لايخسرون شئيا من اسداء النصائح العسكرية التي تدفع ثمن استهتارها بالواقع على الأرض فقط المجموعات المسلحة الاسلامية والمال الخليجي ..

في الكتابات المعارضة لايوجد تحليل ولا مراجعة للتجربة خلال ست سنوات بعد صدمة حلب .. ولايوجد من يعيد النظر في رهانه على الوعود الغربية ولايوجد من يستنتج أن الغرب عاجز أو يتعاجز لأنه لايريد خوض حرب بجسده بل بأجساد السوريين .. هناك انتظار للوهم .. وانتظار للملائكة التي اعتكفت في السماء لسبب ما .. ربما بسبب الاصرار على التحالف الثوري حتى مع الشيطان الذي لايزال يقود العقل الثوري التسويغي للخيانات .. أما نحن فلن نتوقف لأننا أمسكنا اليوم بعقارب الساعة .. وماسيحدث لاحقا سيثبت أن عقارب الساعة لن تعود الى الوراء ..

أكرر نصيحتي .. لايمكن ان تسقط دمشق من الفنادق .. ولا من المؤتمرات .. ولا من الميكروفونات .. ولا من استانبول أو الرياض أو الدوحة أو تل أبيب .. ولا من باريس أو لندن او واشنطن أو موسكو أو أي مدينة .. دمشق لاتسقط بالحرب .. بل تقع في الحب فقط .. وهي تحبنا ونحبها .. وهي من تهبنا النصر .. ونهبها حياتنا وارواحنا وكل ماتملك نفوسنا .. وأما من يحب استانبول وباريس فان استانبول لأهلها .. وباريس لاهلها .. ويمكن للمعارضين ان يحبوا مايشاؤون من المدن .. ولكن دمشق أو حلب لن تحب الا من يحبها .. ودمشق لاتهزم الا من دمشق ..
واليوم عرفت دمشق من يحبها ويحب روحها في حلب الحرة .. انه الجيش العربي السوري ..

Image may contain: one or more people






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز