د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
نحن أمة حائرة بين مدّ الحداثة وجزر التراث

* ألإنسان العربي ممزّق بين مدّ الحداثة وجزر التراث . بعد أن فشلنا في كل شيء كأمّة منذ حصولنا على استقلالنا ، وبعد كل هذه الهزائم المخزية التي تعرّضنا لها ، تعالت الأصوات الداعية الى إحياء الماضويّة ، والعودة بقيمنا ونمط حياتنا وتفكيرنا إلى بداية الدعوة النبويّة ، وإلى إحياء دولة الخلافة  التي ستقودنا إلى إقامة إمبراطورية إسلامية لا تغيب عنها الشمس ، كما كان عليه الحال خلال العصر الإسلامي الذهبي في أيام العباسيين .

* ألمسلمون يعتقدون أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان . هذا يعني أن ... النصّ القرآني ثابت لا يتغيّر ولكن تفسيره يتغيّر ... ليتلائم مع الزمان والمكان بمكوّناته ، ومستجدّاته ، ومشاكله العلميّة والدينية والاجتماعية المستحدثة والدائمة التغيّر والتبدّل . أي إن تفسير نصوص القرآن في القرن الأول الهجري سيختلف عن تفسير نفس النصوص  .. الآن .. وذلك لتكون قادرة على حل مشاكل الحياة المعاصرة .الاسلام ليس ضد التحديث والتطوير ، بل إنه يحث أتباعه ويشجعهم على طلب العلم والإستفادة منه .

* ألحلم بإعادة عقارب الساعة ومكوّنات الحياة إلى أيام الخلفاء ودولهم ليس إلا أضغاث أحلام لا يمكن تحقيقها  لأن التاريخ قد ... يجدّد ...  نفسه بشكل أو بآخر ولكنّه ... لا يعيد ... نفسه بمكوّناته وموأصفاته السابقة أبدا .  الحضارات البابليّة ، ّ ، والرومانيّة ، واليونانيّة ، والفارسيّة  ، والصينيّة ، والفنيقيّة ، والاسلاميّة وحديثا  البريطانيّة ، والسوفيتيّة كانت في زمنها قوى عظمى لها دور كبير في توجيه سياسات العالم لمصلحتها ، وتقرير مصيره ، والتحكم بثرواته . لكن كل ذلك إنتهى بإنهيارها وأصبح جزء من التاريخ الذي مضى ولا يمكن إعادته كما كان قبل آلاف ، أو مئات ، أو حتى عشرات السنين .

* تغير العالم منذ إنهيار تلك الحضارات تغييرا جذريا هائلا شمل عقل الانسان ، وعلومه ، واختراعاته ، وأسلوب حياته ، وفهمه للسياسة ، والدين ، والكون ، والحياة . لقد أصبح عالمنا الحديث في غاية التعقيد ، ولهذا فإن الدول الحديثة الصغيرة العادية التي ورثت تلك الحضارات ، وتعتبر امتدادا تاريخيّا لها ، لا تعتقد بإمكانيّة إعادة حضاراتها السابقة كما كانت عليه من قوّة وتميّز.

* لقد تعلمت من ماضيها ، وحفظته كجزء تعتز به من تاريخها ، وانشغلت بتطوير حاضرها وبناء مستقبلها إلا نحن العرب . إننا ما زلنا ... نغرد خارج سرب العالم ... ونريد إعادة التاريخ كما كان ، ولن ننجح في ذلك لأن ما نفكر به ليس إلا أضغاث أحلام مستحيلة التحقيق ، ترفعها  منظمات وأحزاب دينية كشعارات ، وتستغلّها كوسيلة للكسب السياسي والضحك علينا .

* أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم عاشوا قبل 1400 سنة ، وكانوا قادة عظاما نفتخر بهم وبدولهم العادلة ، ونتعلّم من تجربتهم السياسية بسلبياتها وإيجابياتها . لقد كانوا يعيشون في عالم مختلف بتفكيرة وعلومه وقيم حياته . كان عدد سكان الجزيرة العربية في زمنهم عشرات الآلاف ونحن الآن بليون وأربعمائة مليون موزعين في  57  دولة عربية وإسلامية تتكلم عشرات اللغات .. وتختلف .. في ثقافاتها ، وأنماط حياتها ، وعاداتها ، وتقاليدها ، وفي فهمها وممارساتها للدين نفسه .

* وللدلالة على هذا فإن .. السعودية ، واندونيسيا ، ونيجيريا ، والبانيا ، وماليزيا .. كلها دول إسلامية تؤمن بالقرآن والسنة لكن الاختلافات في ثقافاتها ، وفي تفسيرها وفهمها للدين هائلة جدا . فكيف يمكن لنا أن نقيم إمبراطورية الخلافة من جديد بدول مختلفة كهذه ، ونشن حربا دينية على ...الكفار ... وهم الأقوى في العالم لإرغامهم على دخول الاسلام كما يتوهم البعض ؟

* تجاربنا الحديثة لإقامة دولة إسلامية أنجبت طالبان ، وداعش ، ودولة الإخوان في مصر ، والنصرة ، والقاعدة ، والشباب ، وبكو حرام التي قتلت الملايين وما زالت تقتل وتدمر في معظم دولنا ، ومزّقتنا شرّ ممزق ، وشوّهت ديننا الحنيف ، وعزلتنا عن العالم ، وأثارت الاحقاد الدينيّة والمذهبيّة بيننا ، وتعاونت مع أعدائنا ، وأبلت في تفكيك وحرق أوطاننا .

* نحن نعتز بتراثنا وبإنجازاتنا العلميّة والثقافيّة وبدورنا في قيادة العالم عندما كانت الدولة الإسلامية في أوجها . لكن هذا إنتهى منذ حوالي 900 سنة . يجب علينا أن نفهم أن العالم الذي نعيش فيه الآن هو عالم آخر بعلومه ، وصناعاته ، وقوانينه ، وثقافاته ، وأسلحته ، وعمرانه ، وتفكيره ، واقتصاده ، وانسانه . إنه يختلف إختلافا جوهريا عن ما كان عليه في زمن الخلفاء الراشدين . الدول الدينيّة التي قامت على تحالف الدين والحاكم إنتهت منذ قرون ولم يعد لها وجود في العالم الحديث ، وحلّت مكانها ديموقراطيات تساوي بين المواطنين ، وتعترف بإختلافاتهم الدينية والسياسية ، وتمكّنهم  من إختيار من يحكمهم .

* نحن الآن نعاني من مشاكل تهدّد وجودنا تحتاج إلى جهود وطاقات جبّارة لحلّها ، ولتغيير واقعنا وتجنيب أوطاننا إمكانية الهلاك والإندثار . ولهذا إننا بحاجة إلى قراءة جديدة لتاريخنا ، وواقعنا ، والعالم المحيط بنا تمكّننا من فهم مشاكلنا وإيجاد حلول ملائمة لها ، وتبعدنا عن الأفكار الخياليّة المستحيلة التحقيق .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز